الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

التطورات المباشرة التي قد تعقب الاتفاق النووي مع طهران

33333

أعلن أخيراً عن توصل ايران الى اتفاق نووي مع الدول العظمي الست ( امريكا، بريطانيا، الصين، فرنسا و روسيا و ألمانيا)، اتفاق لم يكن سهلاً أبداً، حيث استغرقت المفاوضات حوالى سبع سنوات و ستة أشهر و 23 يوماً، حكم خلال هذه الفترة رئيسين أمريكين، و ثلاثة رؤساء ايرانيين. و بكل تأكيد فان التغلب على ثلاثة عقود و نصف من القطيعة الدبلوماسية يحتاج لجهد كبير من جميع الأطراف.

و قبل الخوض في التكهنات المنتشرة حالياً عن الزيادة في الانتاج النفطي، او عن زيادة قدرة ايران على دعم حلفائها في المنطقة، أو حتى احتمالية ان تمتلك ايران قنبلة نووية في يوم ما، دعونا نلقي الضوء أكثر على ما يهم فعلاً، و هو التطورات المباشرة و المقبلة التي تعقب هذا الاتفاق.

التطورات اليومية الجيو-سياسية:

أولاً، دعونا ننطلق الى التسلسل الزمني لتطبيق الاتفاق مباشرة. هناك  “سطر” استراتيجي هام جداً في مقدمة الاتفاق ينص على :” سينتج عن هذا الاتفاق رفع شامل لجميع العقوبات سواءً التي فرضها مجلس الأمن الدولي أو تلك التي فرضتها أطراف أخرى بسبب برنامج إيران النووي.”  كانت ايران تطالب دوماً و بشكل متكرر برفع كامل للعقوبات المفروضة عليها، و وصف هذا المطلب سابقاً بغير الواقعي و لكنه الآن أصبح بيد ايران.

يمكن للمفاوضين الايرانيين تسويق هذا السطر بالذات داخلياً على أنه انتصار دبلوماسي عظيم و وعد برفع جميع العقوبات و تحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، خاصة مع ابراز تفاصيل الجدول الزمني لتطبيق هذا القرار بشكل أكثر دقة.

بالنسبة لللغرب، فان الكونغرس الامريكي يتمتع بمهلة تصل ل 60 يوماً لمناقشة الاتفاق بين اروقته، و تحسباً لأي رفض من الهيئة التشريعية الأمريكية،أعلن الرئيس الأمريكي باراك اوباما أنه في حال رفض الكونغرس الاتفاق مع ايران فانه سيتجه الى استخدام حق النقض الخاص به لحماية هذا الاتفاق.

على صعيد متصل، فان الاتفاق ينتظر لجان الأمم المتحدة للمصادقة عليها رسمياً  خلال الأيام المقبلة، لتفتح هذه المصادقة الباب امام اعتماد الاتفاق رسمياً خلال مدة لا تتجاوز ال 90 يوماً. أما الجانب التنفيذي منه، فلن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ الا بعد ان تصدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ال 15 من ديسمبر تقريرها المفصل و المتعلق بالتحقق من تجاوز ايران النقاط العالقة المتعلقة بالبرنامج النووي و التأكد من اتخاذ طهران كافة التدابير المتعلقة بالبرنامج النووي كما نص الاتفاق.

و بناء عليه، ستبدأ ايران في تنفيذ الاتفاق الممتد 8 سنوات،حيث ستراقب خلالها الوكالة الدولية للطاقة الذرية النشاطات النووية الايرانية عن كثب، و بموجب الاتفاق فانها ستسمح لايران بامتلاك نشاط نووي محدود و لأغراض مدنية فقط. يتضمن تنفيذ الصفقة اصدار الأمم المتحدة لقرار يقضي بانهاء العقوبات المفروضة على ايران و المتعلقة بالأسلحة النووية، بما في ذلك العقوبات المتعلقة بالحظر على الاسلحة و استيرادها. من جهته فان الاتحاد الاوروبي سيعلن عن انهاء العقوبات المفروضة على ايران ايضاً.

و في حال لم يتمكن الرئيس الأمريكي من الحصول على موافقة الكونغرس على الاتفاق، فانه سيشرع الى الغاء الأوامر التنفيذية المرتبطة بالبرنامج النووي الايراني، و سيوقف اصدار قوانين جديدة تتعلق بالعقوبات. و لن تصدر تشريعات امريكية جديدة تتعلق بانهاء العقوبات الا بعد اصدار الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما يضمن انه البرنامج النووي الايراني سلمي بالكامل – هذا سيستغرق 8 سنوات كاملة-. و حينها ستتم مناقشة هذه القوانين ضمن الكونغرس الامريكي.

و هذا يعني ان تطبيق الاتفاق قد يتأجل حتى أول عام 2016، و بعد ذلك الحين فقط، سيتمكن العالم أخيراً من رؤية أثر الاحتياطي النفطي العالي الذي تملكه ايران (40 الى 50 مليون برميل نفط).و بانتاج يقدر ب 300 الف برميل نفط يومياً سيصبح بالامكان اضافتها الى المخزونات العالمية الحالية خلال بضعة أشهر.

يعاني قطاع النفط و الطاقة في ايران ترهلاً كبيراً، فقد تأثر بشكل كبير بعد سنوات الحصار و القطيعة، و سيحتاج الى اعادة تأهيل و بناء كبيرة خلال الفترة القادمة.  و من المتوقع ان يشهد هذا القطاع تنافساً حاداً بين مختلف الشركات للاستثمار فيه، و ستظهر في تلك الفترة معاناة الشركات الامريكية من القيود القانونية المكبلة لنشاطها الاقتصادي هناك، مما يفتح الباب على مصراعية امام الشركات الاوروبية و الاسيوية للاستثمار  في القطاع النفطي الايراني، مع مراعاة انه في  حال دخول اي مستثمر الى السوق النفطي الايراني، فان عليه التعامل مع قطاع البناء و الطاقة الذي يهمن عليه الحرس الثوري الايراني بشكل تام، و الذي سيبدي بدوره مقاومة للتغيرات الجديدة مفضلاً ايام الاقتصاد المغلق و الذي كان يخضع بشكل تام لسيطرة الفيلق العسكري.

و يبدو أن الآثار المترتبة على الصفقة ستتعدى الأبعاد الاقتصادية هذه، فنهاية هذه المفاوضات الشاقة سيكون ايذاناً ببدء فترة تقلب جديدة في الشرق الأوسط تختلف فيها المعادلات عن السابق. ستشكل تركيا و السعودية و القوى السنية المختلفة صدارة العاملين على ايجاد توازن للقوى مع ايران في المنطقة .أما بالنسبة لاسرائيل فستجد نفسها مضطرة لتوسيع علاقاتها و تنويعها مع محيطها من اجل البحث عن حلفاء جدد تجمعهم بها مصالح مشتركة باحتواء ايران المتشددة و الحد من خطرها.

بالنسبة للولايات المتحدة، فان الاتفاق النووي مع ايران يشكل تقدماً  سياسياً  مرناً تجاه الشرق الاوسط، سيعمل هذا الاتفاق على جعل ايران اداة لادارة النزاعات الاقليمية هناك، بدل ان تكون شريكة فيها. فبالنسبة للحرب ضد داعش، فان الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على الميليشيات الشيعية في العراق لتنفيذ هذه المهمة، اما بالنسبة لسوريا، فمن المؤكد ان يكون هناك حوار جاد بين طهران و واشنطن من اجل الوصول الى حل هناك و اقتسام السلطة عندما يحين الوقت المناسب.

الشرق الاوسط يحتوي على مجموعة من التناقضات و العلاقات ذات الصلة بالولايات المتحدة، و لا تشكل العلاقة مع ايران فيه العامل الوحيد، لذا يتوجب على امريكا على تحقيق توازن مع القوى السنية في المنطقة بشكل مواز لتطوير علاقتها مع ايران. هذا التوازن سيحتاج للكثير من الصبر و الحكمة و حسن الادارة في سبيل تجنيب المنطقة  انهياراً كبيراً في المستقبل.