الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

التكلفة الإنسانية للهجوم على إدلب.. هل تدخل في الحساب؟

صبي صغير يخرج من خيمة في مخيم للنازحين في محافظة إدلب - أ ف ب
صبي صغير يخرج من خيمة في مخيم للنازحين في محافظة إدلب - أ ف ب

تلبدت أجواء محافظة إدلب بغيوم الحرب، وتحتشد قوات النظام السوري على مشارفها منذ أوائل أغسطس/ آب الجاري، وترسل التعزيزات إلى جوانب المدن والقرى، يُلقي جيش النظام قبل أيام منشورات على المدينة، داعيًا سُكانها إلى الالتزام باتفاقات المصالحة المحلية كما فعلت المناطق السورية الأخرى.

في الوقت الذي حذر فيه الأمين العام للأمم المتحدة من كارثة تلوح في الأفق، حيث لا زالت تصر روسيا ومن خلفها الأسد على الاستعداد لشن هجوم على مراحل يستهدف المحافظة، والمناطق المحيطة بها في شمال غرب البلاد، التي تعد آخر منطقة كبيرة خاضعة للمعارضة السورية المسلحة.

ترى روسيا الداعم الرئيس من خارج المنطقة لنظام الأسد، أنه يجب “تصفية المسلحين” هناك، بعدما وصفهم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بأنهم “خراج متقيح” في إشارة إلى تواجد عناصر تنظيم “هيئة تحرير الشام” -النصرة سابقًا-.

في حين تحذر تركيا المتاخمة لإدلب من شن مثل هذا الهجوم الذي ستكون عواقبه الإنسانية كارثية، كما ترى أن مثل هذا الهجوم سوف يدمر العملية السياسية برمتها في سوريا، وهو ما جاء على لسان وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، الذي أكد بدوره إن الهجوم العشوائي على إدلب سيدمر العملية السياسية في سوريا، وكل الجهود التي بذلت.

وقال وزير الخارجية التركي: “يقطن 3.5 مليون مدني في إدلب، وتوجد هناك بعض الجماعات المتطرفة، والسبيل الأفضل هو تحديدهم وفصلهم عن البقية وبعدها القضاء عليهم”.، لافتًا إلى لقاء بين الرئيسين التركي والروسي في السابع من الشهر المقبل في طهران لبحث الملف السوري.

رغم كل هذه التحذيرات التركية والأممية، ربما يظن العالم أن هذا الهجوم ستكون آثاره وقتية ويمكن معالجتها، لكن الحساب الحقيقي لهذا الهجوم يشير إلى أن العالم على مشارف “مجزرة” مكتملة الأركان سوف تؤسس لمرحلة جديدة من مآسي الصراع في سوريا الممتد منذ 7 سنوات.

تحذيرات ما قبل الهجوم

دعت الأمم المتحدة في السابق روسيا وإيران وتركيا إلى الحيلولة دون اندلاع معركة إدلب التي ستؤثر على ملايين المدنيين، خاصة مع وجود احتمالية استخدام النظام غاز الكلور كسلاح كيماوي.

وعرض مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، الخميس الماضي، إقامة “ممر إنساني” من أجل إجلاء السكان المدنيين قبيل هجوم يعد له جيش النظام السوري.

وأضاف أنه لا يمكن أن يكون هناك ما يبرر استخدام أسلحة ثقيلة ضد البؤر المتطرفة في مناطق ذات كثافة سكانية عالية. ويمكن أن تؤدي الأخطاء في الحسابات إلى عواقب غير مقصودة، بما في ذلك الاستخدام المحتمل للأسلحة الكيميائية.

لكن هل حسب العالم التكلفة الحقيقية لوقوع هذه المجزرة في هذه البقعة المكتظة بالسكان؟

ديموغرافيا إدلب

تقع محافظة إدلب في أقصى الشمال الغربي لسوريا، وتُحاذي جزءًا من الحدود السورية-التركية، وقد بلغ عدد سكانها في 2011 حوالي 2.072.266 نسمة، وبلغت مساحتها 5464 كيلو متر مربع.

شاركت المحافظة بالثورة منذ أيامها الأولى لتخرج عن سيطرة النظام بشكل كامل في مارس/آذار 2015، بعد سيطرة قوات معارضة ومجموعات أخرى على مركزها. وبقيت كل من كفريا والفوعة “الشيعيتين” المحاصَرَتَيْن تحت سيطرة النظام ورهنًا لاتفاقية “المدن الأربعة” (كفريا-الفوعة/الزبداني-مضايا) بين إيران وأحرار الشام وهيئة تحرير الشام في أبريل/نيسان 2017.

مع استكمال ترتيبات الأستانة في 15 سبتمبر/أيلول 2017 واتفاقيات خفض التصعيد في إدلب، تمكَّن النظام وحلفاؤه الروس من السيطرة على أجزاء شرق سكة الحديد جنوب شرقي المحافظة، وتقدر مساحة المناطق التي سيطر عليها بما معدله 17.5% من مساحة المحافظة.

نزح عشرات الآلاف بداية من مدينة حلب الواقعة شرق البلاد فرارًا من القصف العشوائي والحصار، وانتهى بهم المقام في إدلب، حيث أشارت تقديرات الأمم المتحدة وقتها إلى أن نصف السكان بمدينة إدلب البالغ عددهم مليوني نسمة، هم في الأصل من النازحين داخليًا، ومكدسون في مخيماتهم المتهالكة.

Çalışma Yüzeyi 1

تواصلت موجة نزوح المدنيين إلى محافظة إدلب مع تصاعد وتيرة الاشتباكات والقصف الشديدين من قبل النظام على مواقع المعارضة السورية المسلحة، وعلى إثر ذلك نزح أهالي ريف إدلب الشرقي والجنوبي وريف حماه الشرقي باتجاه ريف إدلب الشمالي ونحو المخيمات القريبة من الحدود التركية ليصل عدد النازحين إلى أكثر من 212 ألف نازح بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، والعديد منهم يقعون تحت وطأة النزوح للمرة الثانية وبعضهم للمرة الثالثة.

كما كشف تقرير شهري صادر عن مجموعة من وكالات الإغاثة التي تقودها الأمم المتحدة، بأن هجومًا مرتقبًا للنظام السوري على مقاتلي المعارضة في محافظة إدلب قد يشرد ما يربو من 700 ألف شخص.

في مطلع هذا العام أكدت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 210 آلاف شخص من مناطق إقامتهم في محافظة إدلب بشمال سوريا منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول العام الماضي بسبب المعارك والقصف.

ومما يزيد الأمر مأساوية أن الكثير من هؤلاء النازحين جرى تهجيرهم أكثر من مرة، وهم منتشرون حول المناطق المفتوحة في المناطق الوسطى والغربية والشمالية من المحافظة بما في ذلك المواقع العشوائية المزدحمة.

غزة جديدة في سوريا

أصبحت إدلب، كمحافظة وحيدة خاضعة لسيطرة المعارضة، وجهة للمهجرين والنازحين من المناطق التي تخضع لسيناريو التهجير القسري إضافة إلى تلك التي تتعرض لحملات عسكرية، حيث أبدى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية تخوفه منذ هذا الوقت، من أن تتحول هذه المنطقة التي يشبهها الناشطون بـ”غزة” إلى “هولوكست سوريا”.

هذا ما أشار إليه نائب رئيس الائتلاف السوري السابق هشام مروة في تصريحات صحفية عام 2016 لـ”الشرق الأوسط”، قائلا: “الخطة التي يقوم النظام السوري، ومن خلفه موسكو، بتنفيذها اليوم في سوريا عبر إفراغ المناطق من المعارضين وتجميعهم في منطقة واحدة هي للقول في ما بعد إنها باتت موطن الإرهابيين، ومن ثم تحويل هؤلاء إلى هدف مشروع للقصف». وأضاف مروة: «في ظل الحديث عن إفراغ حلب أيضا يبدو واضحا أن الخطة المقبلة بعد فرز المعارضين هي محاصرة إدلب، كما حصل قبل ذلك مع حمص وحماه ودمشق، ومن ثم تنفيذ مذابح بحقهم بحجة أن المحافظة (وعاصمتها الإدارية) مقر للفصائل الإرهابية، وبالتالي تكرار مشهد (الهولوكست) في سوريا.

وأمام هذه الأزمة الإنسانية باتت الجمعيات الدولية والمنافذ الخيرية المحلية في المحافظة تواجه صعوبات جمة، لاستيعاب هذا الكم الكبير من الأسر النازحة، لتلبية متطلباتها من مسكن ومأكل ومصدر للحياة، الأمر الذي زاد الأعباء بشكل كبير وبدأت المنظمات والجمعيات تقف عاجزة عن تلبية الاحتياجات.

كارثة الحرب

منظمات إغاثية دولية حذرت من تداعيات جسيمة على الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها 800 ألف نازح في محافظة إدلب في عشرات المخيمات ومعظمها يفتقر لأدنى مقومات الحياة العادية، في ظل معاناة في الخدمات الأساسية لا سيما المياه والكهرباء.

وأعرب رئيس الهلال الأحمر التركي، كرم قينيك، وقتها عن أمله في توسيع رقعة عمليات الإغاثة الإنسانية الدولية في محافظة إدلب، بعد إطلاق الجيش التركي عملية عسكرية بهدف إقامة منطقة خفض تصعيد فيها بالتعاون مع روسيا وإيران. حيث قال في مؤتمر صحفي في إسطنبول: “للأسف الأوضاع الإنسانية في إدلب صعبة إلى أبعد الحدود”.

 مع اندلاع أي هجمات على المحافظة ستكون التداعيات كارثية بما إن الصورة الحالية للأوضاع الإنسانية مأساوية بما فيه الكفاية طبقًا للراهن، يُضاف ذلك إلى قصف الطائرات الحربية التابعة لنظام الأسد لعشرات المشافي في ريف ادلب، الأمر الذي أحدث فجوة في الخدمات الطبية المقدمة لهذا الخزان البشري، وهو الأمر الذي سيتفاقم مع حدوث أي حرب، لعدم وجود قدرة طبية تتحمل طوارئ الحرب.

TRTالعربية