الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

الجمهورية التركية.. سياسة تحكمها الأخلاق

الجمهورية التركية

” لا علاقة بين السياسة والأخلاق”، هكذا لخص المفكر والفيلسوف السياسي الإيطالي ميكافيلي، المشهد السياسي عقب أعوام من البحث في الساسة والسياسيين، وتقديم الأطروحات الفكرية حول الواقعية السياسية، وهي الجملة التي لطالما رددها السياسيون عند سقطاتهم وزلاتهم، بيد أن تركيا بسياستها وتوجهاتها استطاعت مؤخرًا كسر هذه القاعدة، من خلال تقديم طرح جديد للعالم وتغيير الصورة النمطية عن سياسة الدول والقادة، مقدمة أفقًا جديدًا ومشهدًا آخر تحكمه “الاخلاق” في سبيل تحقيق المصالح.

وظلت السياسة التي يتجه بها حزب العدالة والتنمية بتركيا، رهنًا للاختبارات والتكنهات على أكثر من عشرة سنوات منذ توليه الحكم عام 2002، وقيامه بإصلاحات واسعة النطاق على صعيد داخلي، إلى أن اندلعت شرارة الربيع العربي، التي كانت بمثابة امتحان لمدى واقعية شعارات الحزب والحكومات التي شكلها.

وقبيل ذلك بقليل، وفي الـ31 من مايو عام 2010 بالتحديد، اتضحت معالم السياسة التركية تجاه إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة، حين هاجمت قوات الاحتلال الإسرائيلي سفينة تركية كانت في طريقها لكسر الحصار المفروض عن قطاع غزة في فلسطين، فقتلت 10 مواطنين أتراك وجرحت عشرات آخرين.

الحكومة التركية التي ترأسها الرئيس الحالي للبلاد رجب طيب أردوغان، كانت قد أعلنت غير مرة منذ صعود نجمها وتسلمها لدفة الحكم في تركيا، وقوفها إلى جانب المظلومين في جميع أنحاء العالم وسعيها إلى مساندتهم، وهو ما اتضحت أولى معالمه في محاولات كسر العزلة المفروضة إسرائيليًا على قطاع غزة، وما تبعه من خطوات هادفة إلى نصرة القضية الفلسطينية.

واكتسبت تركيا خلال سنوات قصيرة الأمد حضورًا قويًا على الشارع الفلسطيني، حيث وقفت إلى جانب أهالي قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية عام 2008، وانتقدت الاحتلال بشكل بالغ، ما كاد يؤدي إلى اندلاع أزمة بالعلاقات بين تل أبيب وأنقرة، فيما أعلنت تبنيها لآلاف الأيتام الذيت فقدوا ذويهم في الحرب الأخيرة عام 2014، وأعلنت تبنيها لمشروع بناء 9 مساجد هدمتها الغارات الإسرائيلية.

إلى جانب ذلك، تتبنى جهات تركية حتى اليوم مشاريع إغاثية وتنموية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، حيث تعمل من خلال جمعية “ميراثنا” على دعم صمود المقدسيين من جهة، وتوعية الشعب التركي تجاه قضية القدس والأقصى من جهة أخرى، فيما شجعت المجتمع على زيارة القدس بشكل مستمر، عبر برامج كثيرة أهمها “الإحرام” من الأقصى في الطريق إلى مكة المكرمة.

الربيع العربي وتركيا .. علاقة تقارب مع الشعوب

ولدى اندلاع شرارة الربيع العربي، وقفت الجمهورية التركية إلى جانب الشعوب العربية في ثوراتها، وبدا ذلك واضحًا في مصر تحديدًا والتي ما زالت العلاقات معها متوترة إلى أبعد حدود حتى اليوم، نتيجة رفض تركيا للانقلاب العسكري الذي نفذه وزير الدفاع السابق الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي على محمد مرسي أول رئيس منتخب ديمقراطيًا.

وسبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن رفض الاعتراف بسلطات الانقلاب المصري، فيما انتقد بشدة المجازر التي نفذها بحق المعارضين المعتصمين في ميداني “رابعة” والنهضة”، بينما فتحت البلاد أبوابها لاستقبال الآلاف من الملاحقين سياسيًا، وعمدت إلى السفارة المصرية في إسطنبول، فطردت السفير، معبرة بذلك عن موقف حازم، عبر فعل يصدق القول، ويؤكد على التزام تركيا بميثاقها الهادف إلى دعم المظلومين، والذي تشدد عليها قيادتها لدى كل خطاب.

على صعيد آخر، ما زالت العلاقات التركية السورية في قطيعة تامة منذ اندلاع الثورة على نظام بشار الأسد قبل نحو خمسة سنوات وحتى اليوم، وذلك نتيحة لاتخاذ أنقرة موقفًا حازمًا من النظام، والإشارة إلى مجازره التي يرتكبها بحث المواطنين العزل بشكل واضح، وتقديمها الدعم لفصائل المعارضة، وتدريب القوات “المعتدلة” منها، بتنسيق مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وتشير آخر التقديرات إلى أن تركيا تحتضن وحدها نحو 2 مليون لاجئ سوري، تسمح لهم بالتنقل على أرضها، فيما أقامت المخيمات المجهزة بأحدث التجهيزات العصرية، ومدتهم بالخدمات الإنسانية والإغاثية، وسمحت لهم بإقامة المدارس وساهمت باندماجهم في المجتمع التركي من خلال حملات توعية واسعة النطاق.

وفي العراق أيضًا، أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، استبدالها 400 خيمة تالفة بأخرى جديدة مقدمة من تركيا، في مخيم “اكرام زوبع” غربي العاصمة بغداد، حيث يقيم نازحون من محافظة الأنبار، وهو ما يؤكد دعم تركيا وتبنيها بشكل رسمي للنازحين العراقيين، ووقوفها إلى جانبهم في محنتهم.

“تركيا وقفت إلى جانب كل المظلومين في العالم، في فلسطين، وسوريا، وأفريقيا، وستظل إلى جانبهم، وهذا شرف لها”، كلمات أردوغان هذه، تترجم مقولة “السياسة التي تحكمها الأخلاق”، حيث بدا واضحًا أن تركيا سعت خلال السنوات الماضية إلى دعم الشعوب الفقيرة والمظلومة حول العام دون مقابل، فكانت الدولة شبه الوحيدة التي تدخل في أزمة دولة ما دون البقاء فيها، أو تقييدها باتفاقيات اقتصادية مجهدة غير منصفة أو علاقات سياسية أو عسكرية موجه، بينما أعلن الرئيس أيضا نية تركيا استضافة قمة خاصة تهدف لتقديم المساعدات للدول الفقيرة والمظلومة.

تركيا وأفريقيا .. مساعدات بلا مقابل

وعلى صعد أخرى، برزت السياسة التركية في أفريقيا مع اندلاع الأزمات في نيجيريا وبورما والصومال وغيرها خلال السنوات الأخيرة الماضية، وهي السياسة التي نحت منحى إغاثيًا وتعليميًا وحملت بعدًا اقتصاديًا.

وفي الصومال، افتتح أردوغان مستشفى يحتوي على 200 سرير، وتؤدي هذه المستشفى التي بنتها مجموعة البيرقلار خدماتها من خلال ما يقارب الـ10 أطباء أتراك تحت إشراف وزارة الصحة التركية، وهي التي قررت تسليم المستشفى تمامًا إلى الصومال، فيما حفرت المديرية العامة للمياه في تركيا وبالتعاون مع وكالى “تيكا” للتنسيق والتعاون نحو 20 بئر مياه في العاصمة مقديشو، وهي تكفي لمد 400 ألف مواطن بالمياه.

وغير بعيد في بورما، التي شهدت أزمة واسعة النطاق بسبب تضييق الحكومة الرسمي على الأقلية المسلمة من الروهينغيا، وحرق المئات منهم أحياءً ومساعي استئصالهم وتطهير البلاد عرقيًا، كانت تركيا في مقدمة الدول التي تزور البلاد وتقدم المساعدات للمنكوبين وتقف على معاناتهم.

وكان وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو وأمينة أردوغان زوجة الرئيس رجب طيب أردوغان زارا بورما في منتصف العام 2012، وهي الزيارة التي شهدها العالم نتيجة الصور التي نقلت لزوجة أرودغان تذرف الدموع بينما تتوسط أطفالًا مشردين.

وجندت إدارة الكوارث التابعة للحكومة التركية نحو 3 ملايين ونصف المليون ليرة لدعم المسلمين المضطهدين في إقليم أركان في بورما، فيما ما زالت المساعدات مستمرة حتى اليوم.

ومؤخرًا، قررت جمعيات تركية بناء عدد من المساجد في أربعة دول أفريقية، من ضمنها مالي، وتشاد، والكاميرون، وتوغو، فيما أعلنت عن توزيعها نحو 30 الف أضحية على عشرات الدول في أفريقيا والبلقان والتي وصلت إلى نحو 200 ألف عائلة خلال عيد الأضحى الماضي.

محمد خيري TRT  العربية