الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

تركيا وأوروبا.. هل تساهم سياسات ترمب بلم شمل الفرقاء؟

thumbs_b_c_45aa3cef59d0876c458ffced0827fed0

لم يأت إعلان ألمانيا عن زيارة وشيكة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى برلين أواخر سبتمبر/أيلول المقبل محض صدفة، ولم يكن مجرد إعلان طبيعي لزيارة رسمية يجريها رئيس دولة إلى دولة أخرى في ظروف اعتيادية، خاصة في ظل علاقات دبلوماسية متدهورة كانت تلقي بظلالها على الجانبين وترخي بسدولها على منطقة متخمة بالأزمات.

الزيارة المزمعة لأردوغان إلى المانيا، ليست المؤشر الجديد والوحيد على إرادة واضحة وَقَرَتْ في قلب دول الاتحاد الأوروبي لتحسين العلاقات مع تركيا، ففي الوقت الذي تُجرى فيه مباحثات اقتصادية وسياسية رفيعة بين برلين وأنقرة، تُجري دول عدة من دول الاتحاد مباحثات مشابهة، أهمها فرنسا، وبريطانيا، وهولندا، هذه الأخيرة التي تدهورت علاقاتها بتركيا خلال السنوات الماضية إلى حد طرد السفراء.

ويأتي التقارب التركي الأوروبي بعد سنوات من الجمود في ظل الأزمات التي تشعل فتيلها سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب السياسية والاقتصادية، فقد أبعد ترمب الذي وصل إلى البيت الأبيض عبر شعار حملته الانتخابية “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” بلاده على وجه كبير عن النظام العالمي.

ترمب أوصل الولايات المتحدة إلى “بلد لا يتوافق حتى مع حلفائه”، حيث يتعرض لانتقادات لاذعة من الرأي العام العالمي، بعد أن بات يعرف بشخصيته التي “لا تعترف بالمؤسسات والاتفاقات الدولية”.

وأخرج الرئيس الأمريكي بلاده من اتفاقيات دولية تحمل توقيع الولايات المتحدة، كاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، واتفاق باريس للمناخ، واتفاقية الشراكة في التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي (تي تي آي بي)، وأخير من الاتفاق النووي الإيراني.

وشهدت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي حالة من التوتر عقب إعلان ترمب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران في الثامن من أيار/مايو الماضي، ودعوته دول العالم إلى الانسحاب مهددا بفرض عقوبات على كل ما لا يتبع خطاه، إلى جانب إعلانه اعتزام بلاده فرض ضرائب باهظة على واردات الصلب والسيارات وغيرها القادمة من أوروبا.

أما تركيا، فلم تسلم هي الأخرى من عقوبات ترمب وتهديداته المستمرة، فقد سعى إلى فرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين، بزعم تعنت تركيا ورفضها الافراج عن القس الأمريكي المحتجز لديها أندرو برانسون بتهم تتعلق بإقامته علاقات مع تنظيمات إرهابية.

وهدد ترمب تركيا، بفرض المزيد من العقوبات، في حال ” قررت المضي قدما وعدم الاستجابة، ورفض الإفراج عن القس المحتجز”.

لم ترضخ تركيا للتهديدات الأمريكية، فبعد أن ردت بعقوبات ممثالة تتعلق بوزيري العدل والداخلية الأمريكيين، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده ” لن تتراجع عن موقفها أبدًا أمام التهديدات الأمريكية”، مشيرًا إلى أن واشنطن تضع بهذه العقوبات العلاقات مع أنقرة على المحك.

وفي ظل الخلاف المتصاعد بين أنقرة وواشنطن، فقدت الليرة التركية نحو 40% من قيمتها، وهو ما اعتبرته تركيا حربا اقتصادية تستهدفها، ولعله كان سببا رئيسا في تأكيدها من جديد على بناء علاقات أقوى مع الاتحاد الأوروبي، ما يتضح ويتجسد في تصريحات وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو، الذي قال مؤخرا إنّ المشاكل التي تواجه العلاقات التركية الأمريكية تسري أيضًا على علاقات واشنطن مع البلدان الأوروبية”، مشيرًا إلى أنّ “العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي بدأت تتطور من جديد، على أسس أكثر صلابة”.

أزمة تحيط بالجميع 

المشهد الاقتصادي المتدهور، والأزمات المتتابعة، لم تكن من نصيب تركيا فقط أو شغلها الشاغل وحدها، فقد وجدت دول الاتحاد الأوروبي التي بدأت تلوح معالم الأزمات بينها وبين واشنطن في الآفاق نفسها مضطرة إلى إعادة إعادة بلورة مشهد جديد يتعلق بعلاقاتها مع أنقرة، ما دفع عددا منها إلى تحسين الخطاب، وتبديله بخطاب تقارب لا عهد له منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وبدأت معالم التقارب التركي الأوروبي تلوح بالأفق بعد دعوة الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير نظيره التركي رجب طيب أردوغان لزيارة برلين بشكل رسمي، تلك الدعوة التي جاءت بعد توتر كبير ساد العلاقات بين البلدين، على إثره سحبت ألمانيا جنودها من قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا، ومنعت سياسيين أتراك بينهم وزراء من لقاء أبناء الجالية على أرضها.

على صعيد آخر، شهدت العلاقات بين تركيا وهولندا حالة من القطيعة منذ نحو عامين، بعد رفض هولندا هبوط طائرة وزير الخارجية التركي ووزيرة شؤون الأسرة فاطمة بتول صايان كايا على أرضها للقاء أبناء الجالية قبيل انتخابات عام 2017، ثم اعتدت شرطتها بالضرب على محتجين أتراك أمام قنصلية بلادهم في روتردام، وهو ما قوبل بغضب تركيا، دفع أنقرة إلى طرد السفير الهولندي.

وخفضت العلاقات بين أنقرة وأمستردام إلى حد يشبه القطيعة، بيد أنها عادت لتنمو من جديد في الآونة الأخيرة، في ظل التهديدات المستمرة للرئيس الأمريكي، الذي دفع دول العالم المتفرقة إلى الشعور بأهمية الوحدة فيما بينها خاصة على صعيد اقتصادي، حيث قررت الدولتان مؤخرا  إعادة المياه إلى مجاريها، وأعلنتا إعادة السفراء.

وقبل أيام قليلة فقط، طرأ اختراق جديد في العلاقات بين تركيا وبريطانيا أيضا، فعلى الرغم من أنّ العلاقات بين الجانبين لم تكُ متدهورة، إلا أنها كانت تشبه إلى حد بعيد العلاقات المُجمّدة أو لعلها “علاقات غير قابلة للتطور”، حيث أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مباحثات وصفت بـ” الهامة” مع رئيس الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

وبحسب مصادر في رئاسة الجمهورية التركية، فإن أردوغان وماي بحثا في اتصال هاتفي العلاقات الاقتصادية والتجارية المشتركة بين الجانبين، وأكدا على أهمية تطوير الاستثمارات المتبادلة”، وهو ما يشير إلى أنّ المباحثات جاءت في إطار حالة التقارب التي باتت تسيطر على الأجواء.

ومما يزيد الأمر وضوحا، هو إعلان تركيا عن اتفاق جرى بين أردوغان وماي، على أن يعقد وزير الخزانة والمالية التركي براءت البيرق ونظيره البريطاني فيليب هاموند لقاءً ” في أقرب وقت ممكن”.

رئيسة الوزراء البريطانية، والتي تتقف سياسة بلادها مع أمريكا أكثر من اتفاقها مع تركيا، اتفقت هذه المرة مع أردوغان على غير موعد في تصريحات اعتبرت بأنها مشابهة، ففي الوقت الذي انتقد فيه أردوغان عقوبات ترمب وتهديدات ضد تركيا، وما سمّاه بالحرب الاقتصادية، انتقدت ماي سياسة ترمب الاقتصادية وقراره بتطبيق التعريفات على واردات الصلب والألمومنيوم القادمة من أوروبا، وأشارت إلى أن بلادها ” ستعمل جاهدة من أجل حماية وتأمين الصناعات والعالمين”.

تركيا وأوروبا، الآفاق الواسعة 

أما وزير الخزانة والمالية التركي الذي أعلن بأنه سيجري لقاءً قريبا مع نظيره البريطاني، فقد اجتمع بشكل مبكر بداية ذي بدء مع نظيره الفرنسي برونو لومير في باريس، حيث أجرى الوزيران مباحثات اقتصادية رفيعة المستوى أفضت إلى إبرام اتفاق لرفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى 20 مليار دولار مقابل 14 مليارا في الوقت الراهن.

وقال الوزير التركي إنّه يؤمن بأنّ “التبادل التجاري بين تركيا وفرنسا من جهة، وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، من شأنه أن يفتح آفاقًا واسعة للعلاقات الاقتصادية.”

ولفت إلى أنّ “الخطوات الأحادية الجانب التي اتخذتها الولايات المتحدة أظهرت أن العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وخصوصا فرنسا، أكثر أهمية من ذي قبل”.

وقال البيرق إن بلاده ترغب في نقل علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي إلى مرحلة جديدة في وقت تزداد فيه أهمية تجارتها مع الاتحاد، موضحا أن فرنسا تشارك تركيا في موقفها المعارض للقرارات الأحادية الجانب التي تتخذها الولايات المتحدة بشأن إيران وأن الحليفتين قررتا اتخاذ خطوات مشتركة في هذا الصدد”.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي تطور مفاجئ أعلنت تركيا إخلاء سبيل عسكريين يونانيين كانا قد سجنا بسبب دخولها منطقة عسكرية محظورة في ولاية أدرنة غربي تركيا، وقد كانت تمسكت بعدم الإفراج عنهما من ذي قبل.

القرار التركي المذكور، بدا على شكل خطوة حسن نية تجاه اليونان التي تشوب علاقاتها بتركيا شوائب كثيرة منذ عشرات السنين، وهو ما جعل الاتحاد الأوربي ينظر إلى الأمر بإيجابية كبيرة، ويأخذه على محمل الجد، ويرى فيه إقبالا تركيا جديدا، من شأنه أن يفتح صفحات جديدة من التعاون بين الجانبين.

ورحب رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي جان كلود يونكر بالإفراج عن العسكريين اليونانيين، وقال إن “الاتحاد الأوروبي سيواصل شراكته الاستراتيجية مع تركيا”.

الاقتصاد وإيران..ولم الشمل 

العلاقات التركية الأوروبية، والتي أخذت بالتراجع إلى حد بعيد خلال السنوات الماضية حتى صارت إلى ما يشبه الجمود، بدأت تشق طريقها نحو الإزدهار من جديد، تحيط بها ملفات يتفق عليها الطرفان أكثر من أي وقت مضى، خاصة تلك الملفات المتعلقة بالعقوبات على إيران، والأزمة الاقتصادية، أزمات أشعلها ترمب بسياسات وصفت بالمتهورة أربكت العالم من جهة، لكنها جمعت شمل الفرقاء من جهة أخرى.

وترى دول الاتحاد الأوروبي وتركيا أن الاتفاق النووي مع إيران يمكن انقاذه على الرغم من قرار الإنسحاب الأمريكي، لما في ذلك من مصالح للجهات كافة مساهمة في استقرار المنطقة، حيث تحركت دول الاتحاد الأوروبي بشكل محموم لانقاذ الاتفاق المذكور، في ظل سعيها إلى احتواء تداعياته على مصالحها التجارية مع إيران.

TRT العريية