الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

حنا مينه .. عميد أدب البحر الذي لم يخشَ الحياة

الكاتب السوري حنا مينه - الشرق الأوسط أونلاين
الكاتب السوري حنا مينه - الشرق الأوسط أونلاين

ما يميز الكاتب ذو التجربة الحياتية الحافلة عن غيره، هي قدرته على استيعاب تلك التجربة، ثم العمل على التعبير عنها بطريقة إبداعية من خلال وسيط الكتابة.

حين نتحدث عن روائي بقامة الكاتب السوري حنا مينه، الذي رحل عن عالمنا اليوم عن عمر يناهز ٩٤ عاما، فنحن لا نتحدث فقط عن أسلوب أدبي استثنائي، وشخوص روائية عادية، تحوّل بعضها إلى أعمال درامية بقيت في الأذهان مثل المسلسل السوري “نهاية رجل شجاع”، بل نتحدث أيضا عن رجل عاش صراعا جريئا مع حياة بالغة القسوة، كانت كفيلة بردم موهبته تحت وطأة محاولته للنجاة والاكتفاء بالعيش، لكنه كان محاربا عنيدا، اتخذّ من تلك المعاناة الحياتية وقودا لموهبته، مُخلفاً وراءه ما يزيد عن أربعين مؤلفا، بين القصة القصيرة والرواية وغيرها.

تنقّل حنا مينه (١٩٢٤ – ٢٠١٨) بين الكثير من البلدان والعوالم، بدء من انتقاله بعد ولادته في مدينة اللاذقية إلى لواء اسكندرون، ثم عودته إلى اللاذقية مجددا ليسكن في أحد أحيائها الفقيرة، والذي حمل عنوان إحدى رواياته لاحقا “المستنقع”، وصولاً لسفره إلى أوروبا والصين، الذي ترتب عليه انخراطه بالعمل السياسي، ومقاومة المستعمر الفرنسي، وملاحقة السلطات له بوصفه شيوعيا، مما أدي إلى خروجه من وطنه، قبل عودته واستقراره بدمشق عام ١٩٤٧.

قبل التحاقه للعمل بجريدة الإنشاء السورية، كان حنا مينه قد تنقل بين العديد من المهن المختلفة منذ أن كان صبيا، فعمل حلّاقا ومربيا للأطفال وفي المرافئ وعلى أسطح السفن، وهو ما كشف عن شغفه بالبحر وعوالمه وصراعاته وألهمه الكثير من موضوعات رواياته، حتى لُقّب بعميد أدب البحر.

بعد تنقله بين الكتابة الصحفية والقصص القصيرة وبعض المسرحيات، كتب أولى رواياته “المصابيح الزرق” عام ١٩٥٤، لتتوالى بعدها عشرات الروايات التي تنوعت موضوعاتها بين الأدب الذاتي والملحمي، والتي اشتبك فيها الصراع الإنساني الداخلي بالأوضاع السياسية والمجتمعية المختلفة.

وعن علاقاته بشخوصه الروائية، قال الأديب الراحل في لقاء تلفزيوني قديم: “هل يمكن للخالق الأدبي أن يتعلم من مخلوقاته الأدبية؟ نعم أنا أتعلم منهم”. وربما هذا ما يبرر حقيقية شخصياته وواقعيتها، كونه تعامل معها لا كشخصيات تخييلية بل شخصيات حية لها رؤاها الخاصة وحياتها، وهو ما خلّدها في الذاكرة العربية.

لم يودع العام حنا مينه بذكر وصيته التي شدّد فيها على عدم إذاعة خبر موته، أو إقامة حفل تأبيني له، وذلك احتراما منّا لرغبته الأخيرة في مغادرة حياة باذخة وطويلة كالتي عاشها برأس مرفوع وبلا مرثيات، وهو الذي سيبقى حيّا بكلماته التي كتبها بنفسه، بل ودعه بما قاله عن خلاصة تجربته في إحدى حواراته: “الحياة لم تهادنني، وأنا ما هادنت الحياة، هذه الحياة لا تخيفني، وخلاصة تجاربي هي ألا نخاف الحياة”.

TRT العربية