الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

حي “بلاط” في إسطنبول..ملحمة عشق وتاريخ خالدة

حي البلاط

بإمكان المرء الغوص في الكتب ومشاهدة الأفلام، لأوقات طويلة، يقرأ التاريخ ويتطلع إلى الحاضر، محاولًا فهم الحياة وسيرورتها، أو بإمكانه ببساطة، زيارة إسطنبول، حيث يُعدّ المشي على القدمين في ثناياها، وبين أزقتها وأحيائها، ملحمة عشق خالدة.

إسطنبول، سحر الشرق القادم من عبق التاريخ، لا تكلّ ولا تمل ولا تنام ولا تهدأ، تستقبل زوارها من جميع بقاع الأرض، وتفتح ذراعيها لهم للتمتع بجمالها وسحرها الشرقي العتيق، المندمج بانسابية وتلقائية ممتنعة مع الحداثة التي تبهر الأنظار وتخطف الألباب. هذا السحر تجمع خيوط حكايته أحياء المدينة، وأعتقها حي “بلاط” باذخ وفخم التاريخ كاسمه.

هل رأيتَ يومًا حيًا ما زال يحافظ على نسيجه التاريخي دون أن تمسه يد البشر؟ أنا رأيت.

ما لا يعرفه معظم زائري إسطنبول وسياحها، أن هناك حيًا عريقًا، يحمل اسم “بلاط” مخبأ بين أزقة المدينة العريقة، يحمل بين بناياته الملونة، ومنازله شبه المتهالكة، وأبوابه الصدئة، جزءًا من تاريخها، لا يشاركه فيه أي حيٍّ آخر.

07-Le-case-di-Fener

بلاط.. حيث يتزين التاريخ بأجمل قالب من الألوان

 يقع حيّ بلاط في مدينة إسطنبول في منطقة “الفاتح”، بين منطقتي “أيوان سراي” و”فنار” التاريخيتين، إلى الغرب من “إمينونو”، مطلًا على القرن الذهبي، ومتميزًا بمنازله القديمة الملونة، ومبانيه التاريخية والكنائس الأرثوذكسية، ومدارس ومعابد الجاليات والأقليات اليهودية واليونانية والأرمنية، ما جعله يدخل قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

Cities___A_city_in_Turkey_041743_

medium_balatneighbourhood

يرجع تاريخ الحي إلى عهد السلطان العثماني “بايزيد الثاني”، حيث استقبل فيه الجماعات اليهودية الهاربة من الأندلس، بعد إجبارها على الجلاء منها عام 1492 على يد حكام إسبانيا المسيحيين، ما جعل الحي  أحد أكبر الأدلة على التعايش بين الأديان وقيم احترام الآخر، التي رسختها الخلافة العثمانية، وحافظ عليها الأتراك سنين طويلة.

يضم الحي ثلاثة معابد وكنائس لليهود، أبرزها “معبد أهريدا”، الذي لا يزال يؤدي دوره وتتم إدارته من قبل أحد الحاخامات، ويمكن دخوله بإذن مسبق.

بُني “معبد أهريدا” في القرن الخامس عشر، ويتميز بشكله المشابه لمقدمة السفينة، يُشبّهه البعض بسفينة نوح، في حين يظن البعض أن شكل السفينة ترمز إلى السفن العثمانية التي حملت المهاجرين اليهود الذين تم طردهم من الأندلس إلى الأرصفة العثمانية.

Untitled-5

وإذا أكملتَ السير في شوارع الحي، فستجد أمامك كنيسًا يهوديًا آخر، اسمه “كنيس يانبول”، يرجع اسمه إلى اليهود المهاجرين من حي يانبولو في مقدونيا، وهو المبنى اليهودي القديم الثاني في المنطقة، وتحوي جدرانه وأسقفه لوحاتٍ يُعتقد أنها تصور الحي المقدونيّ.

بدأ اليهود بمغادرة الحي بعد الزلزال الذي ضربه عام 1894، منتقلين إلى الأحياء القريبة من برج غلاطة، قبل بدء هجرتهم إبان الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بعد نكبة عام 1948.

أما مَن تبقى من يهود الحيّ، فقد انتقلوا عام 1960 إلى منطقة “شيشلي”، أحد أحياء مدينة إسطنبول، في شطرها الأوروبي، الأمر الذي يُعد تحولًا كاملًا في تاريخ الحي، غير أن الزائر له والماشي في شوارعه هذه الأيام، سيلاحظ “نجمة داود” على كثير من المنازل والبنايات، كدليل واضح على تاريخها اليهوديّ.

أصبح الحي لاحقًا مستقرًا للعديد من الأشخاص ذوي الدخل المحدود، والطبقات الاجتماعية الفقيرة، ونتيجة لذلك، أُهملت بيوته ومعالمه بشكل كبير، قبل أن يصبح محور مشروع إعادة تطوير وتجديد برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”.

أما في حال حديثنا عن اللمسة البيزنطية والأرثوذكسية، فلعلّ أبرز ما تركت من أثر كانت “كنيسة ومتحف شورا” أو “خورا”، أحد الشواهد البيزنطية الباقية.

كان المتحف يسمى بِـ”كنيسة المخلص المقدس”، وتحول من كنيسة بيزنطية إلى جامع في القرن السادس عشر، ومن بعده إلى متحف سُمي بمتحف “شورا”، عام 1948.

يحتوي المتحف على الكثير من اللوحات الفنية والفسيفساء، واللوحات الجدارية التي تصور حياة يسوع وأمه مريم، وفقًا للعقيدة الأرثوذكسية، وينقسم المبنى إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: مدخل القاعة أو صحن الكنيسة، الجسم الرئيسي للكنيسة، ومصلى جانبي، وللمبنى 6 قباب.

7879_ 1

1280px-Chora_Christ_south_coupole

ليكتمل المشهد، وعلى بعد خطوات من المعابد اليهودية والكنيسة الأرثوذكسية، تلمح عيناك مئذنة جامع عثماني عريق، هو جامع “فرّوح كتهدا”، الذي بُني عام 1562، في عهد السلطان سليمان القانوني، وصممه المعماري الشهير “سِنان”، وقد كان الجامع مخصصًا للدراويش على مدى سنين طويلة، وكانت بجواره زاوية للصوفيين، ما جعله يبدو منعزلًا عن العالم الخارجي المحيط به.

zküaz

وإذا تعبتَ من السير على قدميك، ورغبت في أخذ قسط من الراحة، فالحيّ مليء بالمقاهي والمطاعم الشعبية، التي بإمكانك فيها احتساء كوب من الشاي وفنجان من القهوة التركية، أو تناول وجبة من الشاورما والكفتة الشهيرة بهما البلاد، وربما لا ضير ببعض من الدجاج واللحوم المشوية، التي تشتهر المطاعم التركية التقليدية بإعدادها.

وفي حال واصلت مسيرك باتجاه قمة الحي، لمسافة 10 أو 15 دقيقة، ستصل إلى أحد أجمل تلال إسطنبول، تلة “المُلّا عشقي”، المطلة على مضيق البوسفور وخليج القرن الذهبي، والتمتع برؤية برج “غلاطة” البيزنطي”، وتلة “تشامليجا” في الطرف الآسيوي من المدينة.

وهناك، من على قمة التلة، لا بأس بكوب من الشاي التركي وقت الغروب، حيث تزدان إسطنبول بأشعة الشمس حين تتوارى خلف الجبال، صابغةً السماء والبوسفور بلون ذهبي ممزوج بتلاوين الشفق الأحمر، أمام صفحات التاريخ العتيق، المحمّل بأسرار وخبايا أقوام وشعوب، كانت يومًا ما هنا، وتركت آثارًا لا يمكن نسيانها.

ZAMANA DIRENEN SEMTLER: AYVANSARAY VE EDIRNEKAPI

oütüz

وسيبقى هذا الحي، أحد المعالم العتيدة والشواهد الكثيرة، على أن إسطنبول عاصمة العالم، وملكة جمال المدن.

غيداء أبو خيران – TRT العربية