الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

سايكلوجية الإرهاب.. كيف تقع النفوس الضائعة في شراك التطرف؟

سايكلوجية الإرهاب

قبل عقد أو عقدين، كانت سايكلوجية الإرهاب مجرد نظريات ليس إلا، نظرًا لأن الوصول لأعضاء الجماعات الإرهابية واستجوابهم بغية دراستهم، كان مروّعًا ويدخل في طابع الصعوبات، غير أن السنين الأخيرة، ومع تزايد ظهور الحركات الإرهابية، واستخدامها لشتى أنواع الدعايات، وتفانيها في الظهور أمام العامة بشتى الوسائل والطرق، بدءًا من تأليف الكتيبات المعرّفة بها وبأفكارها، مرورًا بسعيها لنشر أخبارها على وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، وليس آخرًا، ولوجهم إلى عالم الإعلام الجديد، ومواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، أصبحت دراسة الجماعات الإرهابية سايكلوجيًا، أسهل من ذي قبل.

ومنذ تأسيسه، حرص تنظيم داعش الإرهابي، على أن يكون من البارعين في نشر الدعايات والبروباغندا الإرهابية عبر الإنترنت، فقد نشر عبر قنواته على يوتيوب وحساباته على فيسبوك، المئات من الفيديوهات التي تحكي قصص المنتسبين إلى التنظيم، خاصة الأجانب منهم أو الذين دخلوا جديدًا في الإسلام، والأسباب التي دفعتهم لذلك، أو فيديوهات “دعوية”، وأخرى تتضمن كلمات لانتحاريين فجروا أنفسهم، إلى جانب مشاهد الذبح والحرق والقتل والترويع.

الخوض في نفسية الإرهابيين ليس بالأمر السهل، وتحليل الأسباب التي دفعتهم إلى الانضمام للجماعات الإرهابية والمتطرفة أو تنفيذ الأعمال والتفجيرات الانتحارية والإرهابية، يختلف من شخص لآخر، فبعضهم يأخذ الدين كمبرر له، وآخرون يحتمون تحت مظلة السياسة والسلطة، فيما ترجع العديد من الأسباب والدوافع للكثيرين منهم، إلى مجموعة من التأثيرات النفسية والاجتماعية.

في كتابه الذي يبحث في جذور الصراعات والإرهاب، يصنّف إرفين ستوب أستاذ علم النفس في جامعة ماساتشوستس، الإرهابيين إلى ثلاثة أصناف، النموذجيين: وهم الأشخاص الذين ينتمون للجماعات الإرهابية التي يرون أنها تتعرض للمعاناة، حتى وإن لم يكونوا يتعرضون للمعاناة ذاتها.

الصنف الآخر هم: المستجيبون، وهم الذين انضموا للجماعات الإرهابية والمتطرفة كردّ فعل على أحداث تعرضوا لها سابقًا، كأن يكون المتطرف قد تعرض لصدمة نفسية عنيفة بينما كان طفلًا، أما الصنف الأخير، فهم كما يسميهم د. ستوب: النفوس الضائعة،  وهم الذين يسيرون على غير هدىً وانحرفوا عن الطريق الصحيح لتعرضهم للنبذ أو الاستحقار، فوجدوا أنفسهم أقوى ضمن الجماعات الإرهابية، ويصف ستوب هذه المجموعة بأنها “الحصاد الجاهز للقطف من قبل المتطرِّفين”.

تأثير المجموعة

يرى كثير من علماء النفس، أن إسقاط النظريات الفردية، على الجماعات الإرهابية وأفرادها، لا يفيد في تفسير هذه الظواهر، بل إن فهم ودراسة أثر المجموعة أو الجماعة والقرائن، على أولئك الأفراد، هو المفتاح لمحاولة فهمها.

فخلال السنوات الأخيرة، كان للجماعات الأثر الأكبر في تشكيل هوية الفرد، ويرى كثير من الباحثين، أن تبرير العمليات المتطرفة لكثير من الإرهابيين، سواء كانت تحت غطاء ديني أو عِلماني، غُذي بديناميات الجماعة.

ووفقًا لإحدى نظريات علم النفس الاجتماعي، فإن الأفراد عادة ما يميلون لاتخاذ قرارات أكثر خطرًا وتطرفًا ما داموا في نطاق المجموعة، وكلما زادت المجموعة تطرفًا، يصبح الفرد أكثر عرضة للضغط الاجتماعي الذي تفرضه عليه، وبالتالي على أفكاره وقراراته وأسلوب حياته.

السؤال الأخلاقي

يرى معظم المتطرفين والإرهابيين، أن ممارسة العنف والأعمال الإرهابية ضد من يسمونهم “أعداء”، لا تدخل في نطاق الأعمال “غير الأخلاقية”، حتى وإن أدت أعمالهم الإرهابية إلى قتل واستهداف العديد من الأشخاص ليسوا على قائمة مستَهدفي جماعتهم، إذ لا يعترفون بوجود أشخاص “أبرياء”، و يعتقد كثيرون منهم، أن قتل الأبرياء إن كان خطوة في تحقيق مرادهم والوصول لأهدافهم، لا يُعد انتهاكًا للقواعد الأخلاقية أو الدينية.

التخبط والحيرة

معظم المنتمين للجماعات الإرهابية ومنفذي العمليات الانتحارية هم من الشباب والمراهقين، ونادرًا ما يكونون فوق سنّ الـ30، نظرًا لأن هذه الفترة تعد صعبة جدًا من ناحية تكوين الهوية وبناء الأفكار، ما يجعل المراهقين، خاصة الذكور منهم، عرضةً للانتماء للعصابات والجماعات المتطرفة، سعيًا منهم لتكوين هويتهم الفكرية وشخصيتهم المستقلة، بعيدًا عن نمطية الأسرة والمجتمع التي يرونها مقيِّدة.

ويدفع تنامي الشعور بالعزلة والاستغراب  من المجتمع وعاداته، الإنسان للبحث عن مجموعات تحتويه ويرى أنها تشبهه، وتؤمن بإمكانياته، وبدورها، تجد الجماعات المتطرفة والإرهابية، ذلك الشخص فريسة سهلة لها وأرضًا خصبة لزرع أفكارها ومبادئها داخله، ومن ثم استقطابه ودفعه للقيام بأعمالها الإرهابية ضد الأشخاص والمجتمع.

وقد انتهج تنظيم داعش الإرهابي، منهجًا قويًا في سبيل جلب واستقطاب الشباب المتخبطين إلى أحضانه، فلم يتوانَ بأي طريقة من الطرق في نشر مواده الدعائية والبروباغندا التحريضة التي تعمل على هدم أفكار الأفراد، وخاصة الشباب والمراهقين منهم، على الرغم من أن الكثير منهم لم يكن لديه يومًا أي بذور إرهابية أو ميول عدوانية أو أصناف من الاضطرابات النفسية، غير أن الطرق التي تتبعها تلك الجماعة، أثبتت قدرتها على هدم الأفكار، وتغيير القناعات، وغسل الدماغ، وإيجاد كافة التبريرات والتعليلات التي تجعل المنتمي لها، يرى التنظيم وأفعاله من قتل وهدم وتفجيرات، تبدو منطقية، أو حتى يكاد لا يرى سواها منطقًا  في هذا العالم.

غيداء أبو خيران – TRT العربية