الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

في تركيا.. لا يوجد لاجئون سوريون!!

Untitled

“في تركيا لا يوجد لاجئون سوريون”.. ليس هذا تعبير خادع من قبيل الفذلكة الكلامية، وإنما هو عنوان كاشف للحقيقة لا أكثر.

ففي “مركز البيلي للأخوة”، الذي يضم حوالي 13 ألف لاجيء سوري، أغلبهم من النساء والأطفال٬ بمدينة كليس التركية الحدودية، لا شيء يوحي بأن هناك لاجئون يسكنون المكان.

وحين تقع عيناك على أطفال في فصول الدراسة بالمركز يستقبلونك بابتسامة عريضة تكسو وجوههم وبأغاني سورية مبهجة تصدح في الجنبات، في أجواء من المرح والسعادة، قد لا تتصور أن أغلب هؤلاء الأبرياء فقدوا آباءهم ودفعتهم مآسي الحرب وخطايا الظالمين، للفرار مع أمهاتهم بحثاً عن الأمان، ليجدوه في أكناف تركيا.

ولكن، مع إحساس الأمان هذا، تبددت من ذاكراتهم لحظات الحزن والرعب التي عاشوها، وعادت براءة الأطفال مشرقة على محيّاهم، وعلت ضحكاتهم مفعمة بصيحات الفرح في أرجاء المركز.

وفي هذه الأجواء، ربما لو لم تقرأ اللافتة التي تدل على المكان، لقلت إنك داخل مدرسة تركية أو حتى سورية، ولكن ليس مركزاً للاجئين في كل الأحوال.

كذلك، حين ترى ما يتلقاه الأطفال من خدمات بشكل حضاري مميز، بدءاً من عبوات الحليب ذاتها التي توزع على أطفال المدارس التركية، مروراً بالطعام الصحي والحلوى المغلّفة، وانتهاءً بالملابس اللائقة التي يرتدونها، لن يطاوعك لسانك بأن تصفهم باللاجئين.

“حوالي مائة طفل جاؤوا مع أمهاتهم يتلقون هنا نفس مستوى التعليم المخصص للأطفال الأتراك”.. يؤكد جمعة تركماز، مدير الأنشطة الاجتماعية بالمركز لوفد محرري الأناضول الذي زار المكان، الجمعة الماضي.

أيضاً، حين يبصر الناظر ما يجري داخل مركز الخدمات والتشغيل “رقم ٢” بمركز الإخوة، سيأتيه حتماً الانطباع نفسه.

ويوجد ما يقرب من ألف سورية عاملة موزعات على أربعة مراكز للخدمات والتشغيل في “الإخوة”، يوضح تركماز.

“خلية نحل” وليس مخيما للاجئين.. هذا هو الوصف الموضوعي الدقيق لمركز التشغيل رقم٢.

داخل أحد غرف المركز، جلست ثماني نساء سوريات حول منضدة مستطيلة وضعت عليها سجاجيد ناعمة الملمس، زاهية الألوان، في حجم سجادة الصلاة، وبجوارها أثواب للأطفال قيد التطريز.

جميعهن يعملن بجد ونشاط في هذه الخلية، سواء “حليمة” السبعينية، القادمة من ريف حلب، أو “رنا باكير”، العشرينية الوافدة من “جسر الشغور”.

الصمت يغلف المكان.. أول ما يمكن أن تلاحظه حين تلج الغرفة، فلا وقت لتبادل الحديث كما هو شائع بين النساء عندما يجتمعن، بل هو وقت العمل والإنتاج.

قد تبدو مسحة الحزن حاضرة في خلفية النظرات وفي نبرة الحديث كما في الابتسامات الخجولة لأولئك السوريات، لكن علامات الإرادة والزهو بكونهن عاملات منتجات، يسهمن ولو بالقدر اليسير في تمويل نفقات المركز، تتصدر الوجوه لتبدد قسمات الحزن.

وما يساعد أيضاً على التخفيف من ألم الذكريات على ساكني المركز، وجود مركز للتاهيل النفسي تعقد فيه جلسات للسوريات مع متخصصين نفسيين، كما يشير تركماز.

“راضية بقضاء الله، والله يعافيكي يا تركيا.. يا من أنقذتنا واحتضنتنا”، هكذا تلخص المشهد “حليمة”، حكيمة الغرفة بمركز الخدمات والتشغيل، وكبيرتها.

حليمة التي لقى زوجها ربه في عدوان الظالمين، مثل قريناتها، تربح في كل سجادة تصنعها كل شهرين، ما لا يقل عن 200 ليرة تركية.

أما “زهيرة” الأرملة، من جسر الشغور، فلأنها أكثر شباباً، فمن الطبيعي أن تكون أكثر نشاطاً، فهي تنتج سجادة كل عشرة أيام.

وعادةً ما تباع السجادة في الأسواق التركية في حدود 1200 ليرة، يخصص جزء منها للعاملات، فيما يوجه باقي المبلغ لخدمات المخيم.

بدورها، “ضياء” الحلبية، فقد جاءت رفقة زوجها وأولادها، وتتخصص في تطريز أثواب الأطفال بلمسات فنية جميلة.

“أربح 50 ليرة عن كل ثوب..أكيد الوضع هنا أفضل (من نظيره في سوريا).. يكفي أنه بعيداً عن خراب الحرب وفي رعاية أهل الخير الأتراك”، تقول “ضياء”.

من جهتها، وبلهجة يطغى عليها الإرادة والتصميم، تقول رنا باكير، التي تعمل أيضاً في تطريز الثياب، “عندما تنتهي الحرب سأعود إلى دياري بإذن الله.. لكن لن أنسى أبداً ما قدمته لنا تركيا”.

وما أن يهمّ الزائر بمغادرة المكان والوقوف برهة ليتأمل اسم مركز “الأخوة”، يدرك يقيناً أنه “اسم على مسمى”، وأن ضيوف المكان هم، قولا وفعلا، أشقاء لتركيا وليسوا لاجئين.

“لا يوجد لاجئون في كيليس، بل وفي سائر أنحاء تركيا”.. ذلك هو شعار القائمين على المركز، لكن تلك الحقيقة الماثلة قد يتعمد تجاهلها بعض الصحفيين الغربيين ممن يزورون المركز من آن لآخر.

يتذكر نائب والي كليس، عمر يلماز، واقعة تشي بذلك، فيحدّث وفد الأناضول قائلاً: “زارني مؤخراً صحفي من إحدى دول غرب أوروبا، وأمطرني بأسئلة استفزازية”.

واستطرد يلماز سرده “فقلت له (للصحفي): دعني أسالك سؤالاً واحداً، كم عدد اللاجئين الذين تستضيفهم بلدكم؟ فأجابني: قليل جداً ربما 150 أو 200 لاجئ، فقلت له: يمكنني أن استضيف هؤلاء في بيتي”.

وتابع نائب الوالي: “عندما رأيته مندهشاً، أوضحت له أن من تستضيف بلاده أكثر من 3.5 مليون لاجيء على أراضيها، وتعاملهم معاملة الأشقاء تماماً كمواطنيها، ليس مستغرباً أن يفعل شخص لوحده ذلك وليس دولتكم بكاملها!”.

TRT العربية – وكالات