الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

في مناجم “بوروندي”.. الحياة مقابل الذّهب!

4-kilo-gold-bars-jpg20130129162729

مناجم الذهب في “بوروندي” تحوّلت إلى ما يشبه المقابر التي تلتهم العمّال الباحثين بنهمٍ عن المعدن الثمين.

الذهب من أجل الحياة.. معادلة انقلبت موازينها لتصبح “الحياة مقابل  الذهب”، جرّاء العمل دون استخدام معدّات الحماية اللازمة لمثل هذا النوع من الأنشطة.

“سيتيبوك” إقليم يقع شمالي غربي “بوروندي” يزخر بالثروات المعدنية أبرزها الذهب خصوصًا في قرى “مابايي وموروي وبومينانيانا” المجاورة.

“جوناتون هابيمانا”، مستثمر وتاجر ذهب، قال “إنّ هذه المواقع كانت مسرحًا لعدد كبير من المآسي. حيث يلج في العادة نحو 5 عمالٍ في حفرة واحدة؛ وليس  من النادر أن يجدَ 3 منهم أنفسهم عالقين بسبب صخرةٍ في عمق 20 أو 30 مترًا. في هذه الحالة، نحاول الحفر لنجدتهم، وفي بعض الأحيان، تحصل المعجزة ونعثر عليهم أحياءً. لكنْ في أغلب الأحيان، وعند وقوع انهيار أرضي من النادر العثور على أحياء. نسجّل ما معدّله 3 ضحايا سنويًا، وإذا ما علمنا أنّ بلدة “موروي” تضمّ لوحدها أكثر من 100 وحدةٍ للبحث عن المعدن النفيس، فإنّ المعدّل يرتفع إلى 300 قتيلٍ سنويًا في المتوسط في هذه البلدة لوحدها”.

شيخٌ من البلدة نفسها، روى بكل حرقةٍ تفاصيل مصرع أحفاده الأربعة معا؛ “لم نعثر على جثثهم”، يقول بمرارة ويضيف: “هذا المعدن الثمين أضحى لعنةً على الباحثين عنه!”

عمّال مناجم آخرين قالوا إنّ عدد الحوادث أكبر من العدد الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام، والسبب هو أنّ مواقع التنقيب تقع في مناطق مغلقة.

وتعود الذاكرة بـ “أوسكار كابورا”، أحد العمال المنقّبين عن الذهب في المنطقة،  إلى شهر شباط/فبراير من عام 2013، حين هلك 7 أشخاص في موقع “غافموبيجيتي”. أما في حزيران/يوليو الماضي، فقال إنّ 4 أشخاص لقوا مصرعهم مختنقين في حفرة بموقع “نياروسيبيي” من نفس البلدة فيما أصيب 9 آخرون.

وتبدي السلطات المحلية قلقها إزاء ارتفاع عدد هذه الحوادث. وقال “جون ماري هاكيزيمانا”، حاكم بلدة “ماباي”، إنّ الانهيارات الأرضية تحدث بشكل متواتر بالمنطقة خصوصا خلال  موسم الامطار. مضيفًا: “ندعو باستمرار عمال المناجم إلى توخّي الحذر، غير أنَّ تعصير هذا القطاع يظلّ السبيل الأمثل لتفادي هذه الحوادث”. وأبدى المسؤول أمله في أن يسهم قانون المناجم الذي سنّته الدولة في 2013 في الدفع نحو تعصير طرق عمل القطاع.

زابولون باكوموكونزي، مستثمر في مجال استخراج الذهب، يرى نفس الرأي. فقد أشار من جانبه إلى أنّ تفادي هذه المآسي يستوجب “القيام ببحوث في محال التنقيب وتوفير  تجهيزات أفضل للعمال” خصوصا وأنّ تقنيات التنقيب تظل بدائية فضلا عن نقص الموارد. ويقول: “العمال لا يمتلكون -للأسف- مصابيح آلية أو مطارق أو أوعية لفصل غبار الذهب عن الماء، كما أنهم لا يمتلكون قفازات أو خوذات ونظارات للقيام  بمهمّتهم في أحسن الظروف”.

وفضلا عن الخطر الذي تشكله عملية التنقيب عن الذهب في مثل هذه الظروف تطفو إلى الواجهة معضلة أخرى، وهي إقبال عدد من تلاميذ المدارس على مهنة التنقيب غير مبالين بالأخطار. فيقومون بالبحث عن المعدن النفيس الذي سيمكنهم من ابتياع كراس أو اقلام للتحضير للعودة المدرسية. وفي هذا الشأن قال أوداس روكوندو، تلميذ بالسنة الثالثة من التعليم الابتدائي، وقد قبض على عصا يستعين بها في عملية التنقيب: “بفضل الله، تمكنت من  الحصول على بعض غبار الذهب أبيعها على عين المكان وأقدم الأموال لأمي لابتياع قلم أو قميص”.

ويشكل الأطفال بالنسبة للمستثمرين يدا عاملة أقل تكلفة؛ وإن كانت الأخطار تشملهم أيضا بنفس الدرجة. وعن ذلك يقول أحد سكان كيروكا إن “الأطفال لا يطالبون بأكثر من دولارين في اليوم، في حين يحصل العامل العادي على 8 دولارات يوميا”.

ورغم جملة هذه الأخطار، فإن عمال المناجم في بوروندي يقبلون على هذه المهنة ويغامرون بالنزول إلى تحت الأرض بغرض الحصول على المعدن الثمين دون خوف أو وجل.. “لقد نزلت إلى عمق 50 مترا ولا أجد إشكالا في إمضاء كامل اليوم تحت الأرض، حتى الثعابين التي يمكن أن نجدها  هناك، لا تخيفنا”.. يقول بكل فخر شاب في الثلاثين من عمره وقد مسح حبات العرق المتناثرة على جبينه.

ثادي سافييمانا، زميله في العمل ورئيس فريق العمل، وهو أيضا أب لـ 3 أطفال، أشار من جهته إلى أنه “منذ 18 عاما لم أمارس مهنة غير هذه. فأنا أنزل إلى الحفرة كل صباح، ولا أخرج منها قبل 5 ساعات على الأقل”؛ مضيفا أنه يحصل على 12 دولار في اليوم على الأقل. وقد تمكّن بفضل ذلك من تشييد بيت من الصفيح.

ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من الذهب في حدود 53 ألف دولار وفقا لـ هابيمانا. غير أن هذا السعر يخضع لمبدأ التفاوض اليومي بما أنه يباع بالغرام. ومن النادر بل من المستحيل جمع كمية كيلوغرام من الذهب. وقال المستثمر البورندي أيضا: “في حال احتاج أحدهم إلى المال بشكل عاجل، فإنه سيفرط بالبيع في أي كمية يتحصل عليها يوميا. وفي هذه الحالة نقوم بالتفاوض”؛ مؤكدا أنّ الرابح الأكبر في العملية هم كبار المستثمرين.

مهنة تنطوي على أخطار كبيرة، غير أن العاملين فيها لا ينوون التخلي عنها. بل يأملون في أن تضخ الحكومة استثمارات أكبر في القطاع ليحصل على بعض الضمانات التي تكفل للعاملين فيه حياتهم وكرامتهم؛ خصوصا وأنه يعدّ من القطاعات التي توفّر رزق آلاف العائلات في بوروندي.

وكالة الأناضول