الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

“لماذا لا تنتحر؟”.. في ذكرى الحرب العالمية الثانية

صورة لأطفال ناجين من معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية - أ ف ب
صورة لأطفال ناجين من معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية - أ ف ب

لم تتسبب الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) كحدث هائل في تغيير شكل الحياة وحدود الدول والقوى السياسية المتصارعة فحسب، بل أحدثت الكثير من التحولات في القيم العليا حيث أعادت مساءلة الطبيعة الإنسانية ومهدّت لظهور موجة جديدة من التيارات الفكرية والفلسفية والنفسية، ليس فقط كرد فعل عنيف يتساوى مع هول الحدث الذي أودى بحياة ما يزيد عن 60 مليون إنسان خلال 6 سنوات، بل أيضا كإعادة صياغة للحياة وفقا لمعطيات جديدة، حيث لم تعد التفسيرات القديمة كافية للإجابة على المأساة.

وفي الوقت الذي مهدت فيه الحرب العالمية الثانية لظهور التيار العدمي الذي صبع الفكر الأوروبي الحديث، وذلك بما فتحته من رعب في روح البشرية، كنتيجة للتدمير الجنوني لملايين البشر بلا مساءلة، ظهرت أيضا مجموعة من الإسهامات المعرفية التي حاولت مقاربة المأساة الإنسانية من زوايا أخرى، وهي إسهامات، على الرغم من اتسامها بطابع التجربة الفردية، إلا أنها اكتسبت قوتها وقدرتها على التأثير انطلاقا من حقيقية التجربة ذاتها، وقدرتها الاستثنائية على التسامي بالإنسان وقيمه وسط الدمار الكلي.

الإنسان يبحث عن المعنى

إحدى أشهر تلك التجارب كانت تجربة الدكتور فيكتور فرانكل، مؤسس المدرسة النمساوية الثالثة في العلاج النفسي وهي مدرسة “العلاج بالمعنى”، وهو الذي كان أستاذا لعلم الأعصاب والطب النفسي بجامعة فيينا، قبل أن يتم تجريده من كل شيء وقتل زوجته وعائلته تزامنا مع إلقاءه في إحدى معسكرات الاعتقال النازية في أربعينيات القرن الماضي، وهي التجربة التي قادته، على عنفها، إلى ابتكار مدرسة جديدة في علم النفس هي “العلاج بالمعنى”.

ففي الوقت الذي رفع فيه التيار العدمي الانتحار كحل وحيد لبؤس الحياة في أعقاب الحرب، انطلق فرانكل من سؤال “لماذا لا تنتحر؟!” والذي أصبح يعرضه لاحقا بعد مرور سنوات على خروجه من المعتقل، على مرضاه النفسيين، ومن خلال إجاباتهم يمكن له إضاءة إمكانيات أخرى لحياتهم الخاصة، من خلال البحث عن الدافع الأصيل المحرك لحياة كل فرد منهم، والذي قد يكون الحب، أو الموهبة التي تدفع صاحبها للفعل، أو حتى الذكريات الجميلة التي تستحق الدفاع عنها وإبقاءها حية.

يمكن فعل ذلك، وفقا لنظرية العلاج بالمعنى والتي نُشرت في كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى” في خمسينيات القرن الماضي، من خلال النظر إلى الأمام، حيث تكون “الخاصية المميزة للإنسان هي أنه يستطيع أن يحيا بواسطة تطلّعه إلى المستقبل”، واستثارة إرادة المعنى بداخله، وهي الإرادة التي يؤمن الدكتور فرانكل بتأصلها في الطبيعة البشرية، وفقط من خلال الوعي بها يمكن للإنسان أن يواجه “الإحباط الوجودي” الذي تسببه كوارث الحياة المتتالية، ويوجه طاقته النفسية في المقاومة وإعادة البناء من خلال البحث داخل النفس عن غاياتها ودوافعها الأساسية.

وفي هذا الإطار يلفت فرانكل لتمييز ضروري بين البحث عن المعنى من خلال التسامي بالذات وليس تحقيق الذات، أي عدم اختزال العالم الخارجي في كونه مجرد تعبير عن ذات فردية محدودة وهنا يمكن النظر للحياة بشكل مختلف.

فإذا كان معنى الحياة يتغير باستمرار وفقا لظروفها المتغيرة، إلا أنه لا يمكن أن يختفي تماما، ووفقا لنظرية العلاج بالمعنى يمكن اكتشاف غاية الحياة من خلال الإتيان بفعل وعمل، أو اختبار قيمة من القيم، أو عيش حالة من المعاناة تقود لاكتشاف المعنى بعد تجاوز الألم.

من ضحية إلى جلاد

ومن بين ما تحدث عنه فرانكل في كتابه، الأطوار النفسية التي يمرّ بها من تعرضوا للظلم، هو الطور الذي سمّاه “اختلال الشخصية”، حين تحدّث عن زملاءه من معسكر الاعتقال وقد تحرروا للمرة الأولى، مدفوعين برغبة شديدة في ارتكاب الظلم تجاه من هم أضعف منهم، ليتحولوا من موقف المقموع إلى القامع، حيث بإمكانهم دوما تبرير أقل ظلم يقومون بارتكابه بما تعرضوا له من بشاعة طوال سنوات الاعتقال. ومن خلال هذا التفسير، يمكن فهم الكثير عن سيكولوجية الضحية الذي يتحول إلى جلاد ما إن تتاح له الفرصة.

TRTالعربية