الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

لماذا يتنصل الغرب من الملف السوري في هذه المرحلة؟

ترامب - أ ف ب
ترامب - أ ف ب

“الولايات المتحدة أنهت دعمها المادي السنوي المثير للسخرية لسوريا والذي تبلغ قيمته 230 مليون دولار، وستبدأ المملكة العربية السعودية والبلدان الغنيّة الأخرى بالشرق الأوسط في تقديم تلك الأموال بدلاً من الولايات المتحدة، إنني أريد تطوير الولايات المتحدة وجيشنا والدول التي تساعدنا”.

 

 

بهذه التغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أطل الرئيس الأميركي دونالد ترامب منفذًا وعده الذي قطعه قبل أشهر، فلم تكشف تغريدته المثيرة للجدل شيئًا جديدًا بحال، وإنما كانت بمثابة الإعلان عن بدء التنصل من الوضع السوري كما أراد، سبق ذلك في شهر مايو/ أيار وأن أعلنت الولايات المتحدة سحب كافة مساعداتها من شمال غرب سوريا ما رجح عزم إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، على الانسحاب من الالتزامات في سوريا وخاصة المالية منها.

وفي هذا الصدد نقلت شبكة “سي.بي.إس نيوز” التلفزيونية الإخبارية وقتها عن مسؤولين بالإدارة الأميركية لم تسمهم، عزم ترامب تخفيض عشرات ملايين الدولارات من الجهود السابقة المدعومة من الولايات المتحدة لما أسمته التصدي للتطرف العنيف ودعم المنظمات المستقلة ووسائل الإعلام المستقلة ودعم التعليم، أضافت الشبكة حينها أن القرار اتخذ خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد أن طلب ترامب مراجعة لكل المساعدات الأميركية لسوريا، وتابعت “ينظر إلى المساعدات الأمريكية في المنطقة الشمالية الغربية على أنها غير مؤثرة بشكل كبير في سوريا على المدى البعيد”.

لم يرد البيت الأبيض أو وزارة الخارجية على طلبات من وكالة رويترز للتعليق على هذه الأنباء، حتى خرج ترامب بتغريدته التي أعلنت وقف ٢٣٠ مليون دولار من الدعم السنوي إلى سوريا ليُحيله إلى حلفائه في الخليج.

تنصل غربي

ما لبث الرئيس الأميركي أن ينفذ تصريحه حتى خرجت بريطانيا هي الأخرى، لتعلن اليوم الإثنين  20 أغسطس/آب 2018، أنها أوقفت تمويل بعض برامج المساعدات في مناطق يسيطر عليها مقاتلو المعارضة في سوريا.

وقالت متحدثة باسم الحكومة البريطانية في بيان: “بعد أن أصبح الوضع على الأرض في بعض المناطق صعبًا على نحو متزايد، قلَّصنا دعم بعض برامجنا غير الإنسانية، ولكن سنواصل تقديم الدعم المهم، لمساعدة الذين هم في أمَسّ الحاجة للدعم، ولتحسين الأمن والاستقرار في هذا البلد”.

جدير بالذكر أن هذا الإلغاء لم يكن جديدًا هو الآخر، بعدما ظهرت إرهاصاته على صحيفة تايمز البريطانية من قبل، والتي ذكرت في وقت سابق، أن محاولة تشكيل قوة شرطة مستقلة في مناطق المعارضة ستُلغى من سبتمبر/أيلول، في وقت تجري فيه مراجعة مشروعات تمويل المجالس المحلية، التي من المرجح وقفها بحلول نهاية السنة المالية. وأضاف تقرير التايمز أن وزارة الخارجية وإدارة التنمية الدولية البريطانية قررتا أن برامج المساعدات في المناطق الشمالية الغربية من سوريا «يتعذر استمرارها»، وهي نفس المناطق التي أوقف ترامب عنها المساعدات.

وكانت الحكومة البريطانية قد أنفقت 152 مليون جنيه إسترليني (193.85 مليون دولار) على البرامج الإنسانية في سوريا خلال السنة المالية 2017 – 2018، كانت بريطانيا قد زادت كذلك من مساعداتها لهذه المناطق، بالإضافة إلى تزويد المعارضة السورية بالمركبات المدرعة، والتدريب في العام 2013.

يشير هذا التزامن الأميركي البريطاني إلى وجود ما يمكن تسميته “نية غربية مشتركة” للتنصل التدريجي من دعم مناطق المعارضة السورية في انقلاب على السياسات الغربية القديمة في الملف السوري، وربما يشير أيضًا إلى قبول علني ببقاء الأسد دون مواربات بل حرمان جانب المعارضة من أي دعم وهو الأمر الذي سيضعف موقفها أمام الأسد وحلفائه.

لم يكن هذا جديدًا بعدما تنصلت الولايات المتحدة وشركائها من فصائل “الجيش الحر” في درعا، حينما بدأ الهجوم من النظام السوري مدعومًا من روسيا، وقتها وجهت الولايات المتحدة للفصائل المعارضة رسالة تحديدًا، يوم السبت 23 من يونيو/ حزيران، جاء فيها “نحن في حكومة الولايات المتحدة نتفهم الظروف الصعبة التي تواجهونها الآن، ولا نزال ننصح الروس والنظام السوري بعدم القيام بأي عمل عسكري يخرق منطقة تخفيف التوتر في جنوب غربي سوريا”.

وأوضحت أميركا موقفها “نفهم أنكم يجب اتخاذ قراركم حسب مصالحكم ومصالح أهاليكم وفصيلكم كما ترونها، وينبغي ألا تسندوا قراركم على افتراض أو توقع بتدخل عسكري من قبلنا”.

وعدت هذه الرسالة انسحابًا واضحًا من قبل أميركا من ملف الجنوب السوري ومن دعم الفصائل العسكرية، واليوم يأتي التنصل من ملف دعم الشمال السوري.

من سيتحمل فاتورة التنصل الغربي؟

كما العادة ألقى ترامب الكرة في الملعب الخليجي الذي تحمل جزءًا من الفاتورة الأميركية قبيل إعلان ترامب إلغاء المساعدات الأميركية، بعدما أعلنت السعودية الجمعة 17 أغسطس/آب 2018 أنها قدمت مساهمة تبلغ 100 مليون دولار، لصالح “مشاريع استعادة سبل العيش والخدمات الأساسية”، التي ينفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مناطق شمال شرق سوريا، والتي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي.

جاء ذلك في بيان رسمي نشرته وكالة الأنباء السعودية “واس”، قال إن المساهمة “هي امتداد لعهد قطعته السعودية خلال المؤتمر الوزاري للتحالف الدولي الذي عُقد في بروكسل في 12 تموز/يوليو 2018″، وأضاف البيان أن “هذه المساهمة الكبيرة تهدف إلى دعم جهود التحالف”.

المساعدات السعودية، وفق البيان، جاءت لإعادة تنشيط المجتمعات المحلية مثل مدينة الرقة التي دمرها تنظيم داعش الإرهابي، وذلك “في مجالات الصحة والزراعة والكهرباء والمياه والتعليم والنقل (الطرق والجسور الرئيسية) وإزالة الأنقاض”.

رحبت الولايات المتحدة سريعًا بالخطوة السعودية على لسان وزارة الخارجية الأميركية في بيان قالت فيه: “هذه المساهمة المهمة ضرورية لإعادة الاستقرار وجهود التعافي المبكرة في وقت مهم في الحملة”، مضيفةً أن الأراضي التي يسيطر عليها “داعش” تقلصت إلى ألف كيلومتر مربع في سوريا وأن نحو 150 ألف شخص عادوا إلى مدينة الرقة بعد هزيمة التنظيم.

كذلك في وقت سابق جمّد مبلغ 200 مليون دولار وعد بها وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون لدعم جهود الاستقرار، وطلب من الدول الحليفة، مثل السعودية، تقديم المال لهذه الجهود، بعدما طالبت السعودية، على لسان ولي عهدها في مقابلة مع مجلة “تايم” الإدارة الأميركية بعدم سحب قواتها من سوريا، وهو الطلب الذي رد عليه ترامب قائلًا: “حسنًا تريدون منا البقاء، فربما وجب عليكم الدفع”.

السياق السوري

تأتي هذه الخطوات الغربية الأخيرة في ظل سياق سوري مضطرب، استعاد فيه نظام الأسد السيطرة على غالبية الأراضي السورية ما عدا الجيب الشمالي تحديدًا، والذي يحاول الانقضاض عليه كآخر معاقل المعارضة السورية، لكنه يواجه رفضا تركيا قاطعا، ومع هذا التنصل الغربي من المعارضة السورية ربما ستقف تركيا وحدها في وجه حملة مرتقبة على إدلب، بعدما حسم نظام الأسد معركة الجنوب، برعاية إسرائيلية.

هذا القبول الإسرائيلي بسيطرة الأسد على حدود الجولان المحتل، وهذا التراجع الغربي في هذه اللحظة تحديدًا يعني مزيدًا من تغول قوات الأسد على المدنيين في الشمال السوري، في حال استمرت وتيرة التنصل الغربي من الملف السوري.

TRTالعربية