الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

هجوم أم تسوية؟.. خلافات حول إدلب تسبق الدول الضامنة إلى قمّة طهران

لقاء ثلاثي بين الرئيس التركي والرئيس الروسي والرئيس الإيراني في أنقرة شهر إبريل الماضي - أ ف ب
لقاء ثلاثي بين الرئيس التركي والرئيس الروسي والرئيس الإيراني في أنقرة شهر إبريل الماضي - أ ف ب

“حل المشكلة في إدلب يبدو معقدًا، ولن نصل إليه باجتماع واحد”، بهذه الكلمات استبقت الخارجية الإيرانية انعقاد الاجتماع الثلاثي الذي يضم كلًّا من تركيا وروسيا وإيران، والمقرر عقده الجمعة، لبحث تطورات الأزمة السورية، والخوض بشكل أكثر عمقًا في مسألة إدلب.

لم يكن هذا التصريح الوحيد الذي يُستقبل الاجتماع المذكور على وقعه، ففي الوقت الذي تعوّل فيه تركيا على القمة الثلاثية في طهران، لإيجاد حل لمسألة إدلب وتجنيب المدينة وسكانها سفك الدماء، تبدو المواقف الإيرانية والروسية متطابقة، بعيدة أو تكاد عن مشهد السلم، ما يعني بالضرورة أن قمّة طهران لن تكون سهلة على تركيا.

تهديدات النظام السوري بمهاجمة إدلب تحت شعار “مكافحة الإرهاب”، وحشد القوات الواضح لأجل تحقيق هذه الغاية، قلب المنطقة رأسًا على عقب، ودفع الدول الثلاث للمسارعة لتحقيق أهدافها ورؤيتها.

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أقلع متجهًا نحو دمشق للقاء رئيس النظام بشار الأسد، وقال لدى وصوله: إنّ “سوريا تقوم بتطهير أراضيها من الإرهاب، وبقية الإرهابيين بمن فيهم تحرير الشام يجب أن يغادروا إدلب”. وهو ما يتوافق مع الرؤية الروسية.

وعلى الرغم من حالة التنائي الواضحة بين تركيا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، حول إدلب خاصة، إلا أن نقاطًا كثيرة كانت قد جمعتهم في سوريا، وعلى إثرها عُقدت ما عُرف بـ”اجتماعات أستانا” التي شملت 10 جولات من الحوار، وخرجت باتفاقيات وتفاهمات كثيرة.

رؤى مشتركة

كانت المحادثات التي انطلقت في 23 يناير/ كانون الثاني في العاصمة الكازاخية “أستانا” وسُميّت على اسمها، محطة مفصلية على صعيد التنسيق الثلاثي (الإيراني، التركي، الروسي) بما يتعلق بالأزمة السورية، ولعلها كانت بداية بلورة مشهد جديد.

وتعرّض مسار المحادثات في أستانا إلى هزات مختلفة منذ انطلاقه بسبب عدم تطبيق قراراته على أرض الواقع، وإخلال النظام وروسيا ببعض ما اتفق عليه، خاصة عندما كان يتعلق الأمر بـ”مناطق خفض التصعيد”، حيث سرعان ما أخل بالتفاهمات كافة، وهاجم تلك مناطق ابتداءً من حلب، فالغوطة، ووصولًا إلى درعا، ما أثار استياء أنقرة، ودفع وزير خارجيتها مولود تشاوش أوغلو للتحذير من انهيار مسار أستانا.

وبدا واضحًا أن كلًّا من أنقرة وطهران وموسكو متفقون حول جوانب أخرى في سوريا، لعل أبرزها ضرورة مكافحة التمدد الانفصالي الذي تقوده الولايات المتحدة ، بواسطة دعم تنظيمات يقف على رأسها “ب ي د” المُصنف إرهابيًّا في تركيا.

KAZAKHSTAN-SYRIA-CONFLICT-DIPLOMACY-TALKS

معالم الخلاف

لم تكن إدلب أوّل محافظة تثير الخلافات بين الدول الثلاث الضامنة، هذه الدول التي ما إن خرجت بتفاهمات حول الأزمة السورية والتي كان أهم ما توصلت إليه هو الاتفاق على “مناطق خفض التصعيد”، حتى بدت معالم خرق التفاهمات تلوح في الأفق، ما حوّل إدلب نقطة الخلاف الأبرز، ولعلها استحالت إلى ما يشبه الاختبار لتفاهمات أستانا.

منذ مطلع العالم الحالي، بدأ كل من نظام الأسد وروسيا القيام بعلميات استفزازية في إدلب تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وحماية القواعد العسكرية الروسية، حيث قصفت القوات الروسية وقوات الأسد بلدات عدة في ريف المدينة، فيما استمرت العمليات الاستفزازية طيلة الأشهر الماضية.

ويحشد نظام الأسد قواته ويعلن استعداده للهجوم على إدلب التي تقع ضمن مناطق خفض التوتر المتفق عليها، تدعمه كل من روسيا وإيران، وهو ما يشكل إحدى أهم نقاط الخلاف المطروحة بين “الدول الضامنة الثلاث”.

ويثير الموقف الإيراني من الوجود التركي في المناطق السورية، نقطة خلاف جوهرية بين طهران وأنقرة، وهو الخلاف الذي وإن تم تجاوزه لما تقتضيه مصلحة البلدين، إلا أنه ما يزال عالقًا، معرضًا للاشتعال بين الفينة والأخرى، حيث دعا وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي، تركيا إلى الانسحاب من كافة الأراضي السورية، وهي دعوة صدرت عن الوزير نهاية شهر أبريل الماضي، أي بعد نحو عام ونصف على انطلاق مباحثات أستانا.

وبعد قمة أنقرة، التي انطلقت في الرابع من أبريل الماضي، وجمعت رؤساء الدول الضامنة الثلاث، باغت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافرور المجتمع الدولي، بدعوته تركيا إلى “إعادة سيطرة نظام الأسد على مدينة عفرين”.

تركيا من ناحيتها، لم تعبّر يومًا عن ارتياحها من التدخل الإيراني والروسي في سوريا، حيث دعت الجمهورية التركية وعلى لسان رئيسها رجب طيب أردوغان روسيا وإيران غير مرة إلى وقف دعم نظام الأسد.

إسرائيل تفرّق الحلفاء

وطفت على السطح مؤخرًا معالم خلاف واضحة بين حليفي نظام الأسد، روسيا وإيران، خلاف حاد كانت إسرائيل إحدى مكوناته الأساسية، بسبب موقفها من الوجود الإيراني على الأراضي السورية، وهو ما تخشى من توسعه في اتجاه حدودها، إلى جانب القلق من الدعم الذي توفّره طهران لعدوها الأوّل حزب الله اللبناني.

ومع انطلاق حملة نظام الأسد وحلفائه على درعا في الجنوب، بدأت إسرائيل تحشد قواتها وتتأهب. تل أبيب تدرك جيدًا أن نظام الأسد لا يحارب وحده في تلك المعركة، ورفضت أي انتشار إيراني في المناطق المحاذية لحدودها.

تلك الفترة شهدت زيارات كثيرة ومتواصلة قام بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع أفغيدور ليبرمان إلى موسكو.

لم يعد نتنياهو وليبرمان من موسكو خاويي الوفاض، بعد أن توصلت روسيا وإسرائيل في حينه إلى اتفاق لتحجيم الدور الإيراني في سوريا وإخراج قواتها، وفق الموقع الإلكتروني لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية.

الموقع الإسرائيلي أشار إلى أن المحادثات التي دارت بين وزير الدفاع الإسرائيلي ونظيره الروسي في موسكو أفضت إلى ضرورة إخراج إيران وقواتها من سوريا، “لكن روسيا رأت أن المسألة بحاجة إلى وقت” واقترحت البدء في عملية الطرد الجزئي لإيران.

ولفت تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية براهم قاسمي مؤخرًا الأنظار، حين قال معلقًا على تصريحات نسبت لمسؤولين روس قالوا فيها إن “هناك مخططًا لانسحاب القوات الإيرانية من سوريا” بأنه “لا یمكن لأحد أن یجبر إیران على القیام بذلك؛ لأن لدینا سیاسات مستقلة خاصة بنا”.

إدلب.. الورقة الأخيرة

وسط هذا الكم من التناقضات، يترقب نحو 4 ملايين شخص في إدلب مصير محافظتهم، التي تهدد قوات الأسد ببدء شن هجوم واسع عليها، بذريعة تحرير المنطقة من هيئة تحرير الشام المحسوبة على تنظيم القاعدة في سوريا.

يقول الكاتب المختص في الشأن التركي سعيد الحاج إن “تركيا ترفض العملية في إدلب وتحاول قدر الإمكان تجنبها وتجنيبها، أولًا لما ستسببه من كارثة إنسانية كبيرة بالنظر إلى الكثافة السكانية المرتفعة، وثانيًا بسبب موجات اللجوء والنزوح الكبيرة المتوقعة في حال حصلت، والتي سيكون نصيب الأسد فيها لتركيا”.

SYRIA-CONFLICT-IDLIB

مساعي تركيا.. هل تكفي إدلب شر القتال؟

بذلت تركيا مساع حثيثة لتجنيب إدلب الهجوم المحتمل، حيث سعت بالتعاون مع فصائل معارضة إلى تشكيل ما عُرف بـ”الجبهة الوطنية للتحرير”، وعملت على تصنيف “جبهة تحرير الشام” على أنها منظمة إرهابية في مسعى إلى تشكيل ضغط على الهيئة بغية الانسحاب من إدلب وسحب الذرائع من النظام.

ويرى الحاج أن تركيا تعوّل كثيرًا على عامل الزمن وعلى القمة الثلاثية المقبلة في إيران، إن لم تبدأ العملية العسكرية قبلها، لاجتراح حل بديل عن التدخل العسكري، لتثبت الأيام لاحقًا هل يكون حلًّا مستدامًا أو مؤقتًا لتعود بعده تهديدات النظام وروسيا أو خططهما البديلة”.

وعلى الرغم من اقتراب اجتماع طهران، شنّت القوات الروسية غارات جوية على مناطق في المحافظة بعد توقفها لعدة أسابيع، وهي الضربات التي وجهت إلى منطقة الريف على مقربة من جسر الشغور عند الطرف الغربي من المنطقة الخاضعة للمعارضة.

هل تشتعل الحرب؟

الوضع في إدلب يزداد سخونة يومًا بعد يوم، ومن حوله تزداد المواقف الأممية، لكنها مواقف تشير إلى أن المحافظة مقبلة على حرب لا محالة، أو تكاد، في حال لم تتوصل الدول الضامنة إلى حل ما يبدو خياليًّا في الوقت الراهن.

ولعل أكثر ما يثير الشكوك باقتراب اشتعال الجبهة، هي تلك التصريحات منخفضة السقف، القادمة من الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة. ففي الوقت الذي حذر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من مغبة شن هجوم متهور على إدلب، لم يقل إن بلاده التي تقود قوات التحالف بسوريا ستحول دون ذلك، إنما عبّر عن خشيته من سقوط مئات الآلاف من القتلى فقط.

وفي نفس الوقت، اكتفى المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا بالتأكيد على أهمية تجنب وقوع معارك في إدلب السورية، مشيرا إلى أن تركيا وروسيا تملكان القدرة على إنهاء تلك الأزمة.

TRTالعربية