الصفحة التي تحاولون زيارتها قد تم أرشفتها ولا يمكن الوصول إليها. زوروا موقعنا الجديد trtarabi.com

هكذا تخلص السيسي من شركائه

EGYPT-YEMEN-POLITICS-CONFLICT

لم تكتمل دورة الانقلاب في مصر تماما لكنها اقتربت من ذلك، وأحد أهم أركان هذه الدورة هو تغيير بنية النظام القائمة، وانفراد قائد الانقلاب بالسلطة وتخلصه من أعوانه وشركائه سواء كانوا أفرادا أم مؤسسات يمثلونها.

يوم 3 يوليو/تموز 2013 تجلى مشهد إعلان الانقلاب على السلطة المدنية المنتخبة ديمقراطيا في قائد الانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي (المشير بعد ذلك) وحوله 14 شخصية هم شركاؤه في الانقلاب الذين كانوا يعبرون بشكل رئيس عن مؤسساتهم فضلا عن شخوصهم، حيث استطاع مع مرور الوقت أن يتخلص من الأشخاص أو يقلص من وجودهم وتأثيرهم ومن ورائهم المؤسسات التي يمثلونها.

اختار السيسي أسلوب التدرج في التخلص من شركائه سواء كانوا أشخاصا أم مؤسسات فبدأ بالتيار المدني بتنوعاته ثم تلاه بالمؤسستين القضائية والدينية وأخيرا المؤسسة العسكرية.

ربما كان التخلص من محمد البرادعي الشخص سهلا بالنسبة للسيسي فالتهم جاهزة وموقف مؤسسات الدولة منه معروف منذ أن قدمته المعارضة بديلا للرئيس المخلوع مبارك في نهايات حكمه، إلا أن التخلص من التيار المدني بشكل عام جاء على مراحل فمن تحالف تام بعد الانقلاب مباشرة لمدة عام من خلال منحهم حقائب وزارية، منها تعيين حازم الببلاوي رئيسا للوزراء، إلا أنهم من جانب أخر تحملوا مع السيسي تبعات المجازر التي وقعت في حق رافضي الانقلاب حيث كان الببلاوي رئيسا للحكومة والبرادعي نائبا لرئيس الجمهورية فضلا عن عدد من الوزراء ممثلي التيار المدني بتوجهاته المختلفة مثل كمال أبو عيطة وزياد بهاء الدين وغيرهم.

وبعد وصول السيسي للحكم رسميا عام 2014 تخلص من هؤلاء وقام بتعيين رئيس وزراء جديد ووزراء تكنوقراط أو من رموز نظام مبارك بدءا من إبراهيم محلب رئيس الوزراء ثم خلفه شريف إسماعيل ثم حاليا مصطفى مدبولي.

أما القوى الشبابية، فإن حركة 6 أبريل أحد المشاركين الرئيسيين في ثورة 25 يناير2011 قد نالها من التحجيم واعتقال قياداتها مثل أحمد ماهر ومحمد عادل وغيرهم، مما أدى فعليا لغيابها عن الساحة، كما أن حركة تمرد التي ظهرت بدعم من الأجهزة السيادية لم يعد لها وجود ككيان منظم وتم استيعاب قائدها ” محمود بدر” بتعيينه عضوا في مجلس النواب، كما أن الشباب كقوة فاعلة في الثورة والشارع تم استبعادهم ككتلة مقابل عمليات فرز شديدة تقوم بها الأجهزة السيادية لانتقاء شباب أقرب للتكنوقراط لتصعيدهم في مؤسسات الدولة.

أما التيار الفكري والثقافي الذي كانت تمثله الكاتبة سكينة فؤاد، فهي على المستوى الشخصي شبه غائبة عن الساحة كما أن أصحاب التيار الثقافي والفكري الذي يمثل الوجه الفكري والإعلامي للتيار المدني بتنوعاته الفكرية تراجعت حصتهم في السلطة، ولم تقدم لهم السلطة ما سعوا اليه، فهم ضحوا بالديمقراطية مقابل الانتصار لعلمانيتهم حتى لو جاءت على ظهر دبابة ولكن السلطة بعد استقرار الأمر لها عادت لتوازناتها التقليدية.

أما الإعلام فإن حاله لم يختلف كثيرا عن غيره، حيث واجهت مؤسساته ما يشبه التأميم وأصبحت ملكيتها بشكل معلن لمؤسسات سيادية بدلا من رجال أعمال معروفين بدعم الانقلاب وتأسست شركات احتكرت المجال الإعلامي تابعة بشكل صريح لمؤسسات سيادية استخباراتية، كما أن النظام أقر قوانين مقيدة للحريات تحد من مساحات الحركة التي كانت متاحة لها بالرغم من أن معظمها في يد النظام، بعد إغلاق كل الصحف والفضائيات المعارضة.

أما القضاء، فقد حضر المستشار حامد عبد الله في مشهد الانقلاب ليلقى الله عز وجل بعدها بعامين، بينما قام نظام السيسي بإصدار قانون جديد للسلطة القضائية يتدخل بشكل مباشر في أعمالها، كما تمنح التعديلات الجديدة الرئيس الحق في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وهو ما رفضه نادي القضاة لما رأى فيه من مخالفة للدستور وانتقاص من استقلال القضاء، ولكن لا يستطيع أحد ان يتحرك فبطش السلطة التنفيذية حاضر في الأذهان، ولم يعد الحديث عن الحفاظ على استقلالية السلطة القضائية بل ما يمكن الإبقاء عليه من امتيازاتهم التي حصلوا عليها من قبل.

أما المؤسسة الدينية، فإن خلفية شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي المذهبية-الصوفية-والسياسية حيث كان عضوا بلجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم قبل ثورة يناير إضافة إلى وجود تيار كبير داخل المؤسسة رافض لثورة يناير وما نتج عنها أدى كل ذلك لموقف سلبي من الرئيس المنتخب وصل إلى حد المشاركة بشخص شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في مشهد 3 يوليو وإلقاء كلمة في نفس المشهد تؤيد الإجراءات المتخذة.

لم ينتظر السيسي كثيرا لتحجيم الأزهر وشيخه، فقد أطلق العنان للإعلام للهجوم على شيخ الازهر الذي اختفى تقريبا من المشهد لصالح وزير الأوقاف، وتم تحميل المؤسسة المسؤولية عن عدم مواجهة التطرف، وأصبح الأزهر كمؤسسة وشيخه في موقف لا يحسدان عليه، وصولا إلى تقديم مشروع قانون جديد في البرلمان لتنظيم شئون الأزهر، يجعل تعيين الإمام الأكبر من بين 3 ترشحهم هيئة كبار العلماء، وليس حقا مطلقا للهيئة ويخضع الإمام الأكبر للمساءلة ويجعله قابلا للعزل ويحدد مدة ولايته بدلا من أن تكون مدى الحياة وهو القانون الذي يتوقع أن يتم تمريره.

أما الكنيسة الأرثوذوكسية التي حققت بعض مطالبها الخاصة بصدور قانون البناء الموحد لدور العبادة فإنها لم تحقق ما تريده بشكل كامل.

يكفي أن عدد الهجمات والقتلى المسيحيين منذ الانقلاب، كانفجار الكنيسة البطرسية ومار جرجس في طنطا وكنيسة حلوان واتوبيس المنيا وكنيسة العريش، كل ذلك أدى لان يكون عدد ومعدل القتلى والمصابين هو الأعلى في تاريخ الكنيسة، التي لم تحصل على الأمن الذي لم تفتقده من قبل ولم تحقق مصالحها حتى الآن.

وعكس ما يتوقع البعض، فإن مسيرة التخلص من الشركاء طالت الطرف الأقوى وهو المؤسسة العسكرية، التي مثلها 7 من قياداتها من بينهم السيسي في مشهد الانقلاب من بين الحضور الـ 15.

ورغم السلطات والمخصصات الواسعة الممنوحة للمؤسسة العسكرية فإن المتابع لتسلسل الأحداث منذ مشهد 3 يوليو وحتى الآن يرى أن هناك استهدافا لقيادات المؤسسة بداية من المجلس العسكري ووصولا لتوقعات بأن ينتهي السيسي إلى ما انتهى اليه نظام مبارك قبل ثورة يناير باستبعاد المؤسسة العسكرية من المجال العام مع احتفاظها بمصالحها الاقتصادية.

لم يبق من المجلس العسكري الذي كان موجودا يوم مشهد 3 يوليو أحد تقريبا فالفريق صدقي صبحي، تمت ترقيته وزيرا للدفاع مع تولي السيسي للسلطة في 2014 حتى اقصائه في يونيو 2018 بالمخالفة لدستور 2012 ثم دستور 2014 الذي يعطي حصانة لمنصب وزير الدفاع.

أما اللواء محمود حجازي فقد تمت ترقيته رئيسا للأركان في وزارة صدقي صبحي إلى أن تم اقصاؤه من المشهد تماما دون معرفة الأسباب حتى الآن رغم علاقة المصاهرة مع السيسي، بينما تم تعيين اللواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع لشئون التسليح، وزيرا للإنتاج الحربي بعد أن كان مهندس صفقات التسليح منذ عهد مبارك تقريبا.

أما رؤساء الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة فقد تم عزلهم وتعيينهم في مناصب مدنية واخرهم قائد القوات الجوية يونس المصري الذي أصبح وزيرا للطيران.

أما القانون الذي تم إصداره مؤخرا في مجلس النواب لتحصين قيادات عسكرية من المحاكمة داخليا وخارجيا، فيراه البعض دليلا على تحصين المؤسسة وقياداتها بينما يراه أخرون اعترافا بتورط هؤلاء في قضايا جنائية. والتحصين دليل اتهام كما أن مصيرهم تم ربطه بقرار من رئيس الجمهورية لتحصينهم، كما يمنعهم في ذات الوقت من الترشح في الانتخابات باعتبارهم على قوة القوات المسلحة حتى بعد انتهاء خدمتهم مما يعني وأدهم سياسيا على غرار ما تم مع رئيس الأركان الأسبق سامي عنان.

ويتوقع البعض أن يستمر مسلسل التخلص من القيادات القوية في المؤسسة العسكرية وتقليص دورها في المجال العام مقابل الحفاظ على بعض الامتيازات الاقتصادية لمنتسبي المؤسسة.

الأمر الأخير، وهو أن ما تعرضت له المؤسسة العسكرية معنويا وماديا لم تتعرض له منذ نكسة 1967، فدخولها بشكل مباشر في العمل السياسي وليس من وراء الستار أدى إلى ما يطلق عليه المصريون “حرق” المؤسسة ونزع القداسة الشعبية التي كانت ترى فيها مؤسسة وطنية ملكا للشعب كله وأصبح الفشل العسكري والاقتصادي الحالي محسوبا على المؤسسة.

تبدو عملية التخلص من الشركاء طبيعية في دورة الانقلابات سواء جهلها المشاركون او خدعوا واعتقدوا انها لن تسري عليهم، لكن قائد الانقلاب أيضا ربما نسي أن الدورة تنتهي به، أو كمال يقول د. خليل العناني فإن “دورة الانقلابات تنتهي بمرحلة المآلات والنهايات التي يصل فيها الانقلاب إلى محطته الأخيرة”، وأن “من اللافت أن نهايات الانقلابات ومآلاتها تبدو قاسية ومأساوية للقائمين بها”.

رجب عبد النبي – TRT العربية
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT العربية