قرى الجنوب اللبناني.. حياة معلّقة على إيقاع تصعيد واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي
تشهد البلدات الحدودية في جنوب لبنان أوضاعاً إنسانية واقتصادية متفاقمة، في ظل استمرار الغارات والاستهدافات الإسرائيلية، رغم مرور أكثر من عام ونصف على إعلان وقف إطلاق النار.
هذا الواقع الأمني المضطرب انعكس مباشرة على سبل عيش السكان، فباتت مصادر دخلهم الأساسية مهددة، وتراجعت قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في مناطق لطالما شكّلت خط تماس مباشراً مع إسرائيل.
وتتواصل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم مع حزب الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى، بالتوازي مع استمرار سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على خمسة تلال لبنانية استولى عليها خلال الحرب الاخيرة، إضافة إلى أراض أخرى لا تزال تحت الاحتلال منذ عقود.
ويأتي ذلك في سياق تداعيات العدوان الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحول في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة، أودت بحياة أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 الفاً، قبل أن يتوقف القتال بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لا تزال خروقاته مستمرة.
في ظل هذا المناخ الأمني الهش، تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، وبات سكان القرى الجنوبية يخوضون معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وتتصاعد المخاوف من أن يؤدي استمرار الوضع الراهن، من دون تدخلات رسمية عاجلة، إلى تفريغ تدريجي لهذه المناطق من سكانها، خصوصاً مع غياب خطط دعم واضحة تعزز صمودهم وتوفر لهم مقومات الاستقرار.
ويؤكد مسؤولون محليون وأهالٍ أن القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بالشريط الحدودي تعيش حالة شلل شبه كامل، نتيجة القيود الأمنية المفروضة من الجانب اللبناني، إلى جانب إطلاق النار المتكرر والتهديدات الإسرائيلية.
وأدى ذلك إلى تعطيل قطاعات حيوية، أبرزها الزراعة والرعي والتجارة، ما فاقم الأعباء المعيشية ورسّخ مناخاً من القلق وعدم اليقين.
في قضاء حاصبيا، أوضح قاسم القادري، رئيس اتحاد بلديات العرقوب، أن السكان عادوا إلى قراهم قبل نحو عام بعد موجات نزوح فرضتها التوترات الأمنية، ليجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وقال إنّ العودة كانت في فصل الشتاء، في ظل منازل متضررة بلا أبواب أو نوافذ، ومن دون كهرباء أو مياه، مشيراً إلى أن جهوداً محلية محدودة أسهمت في تأمين الحد الأدنى من الخدمات وإعادة فتح بعض الطرق.
وأضاف أن عدداً من المناطق لا يزال خارج الخدمة، في ظل ما وصفه بتوسع نطاق إطلاق النار، ما يحول دون وصول الأهالي إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم الطبيعية، في قرى تمتد من شبعا وكفرشوبا وكفرحمام وصولاً إلى راشيا والماري.
وأشار إلى أن مربي الماشية اضطروا إلى الاعتماد على الأعلاف بدلاً من الرعي في الجبال، وهو ما يشكل عبئاً مالياً إضافياً ويؤثر سلباً في الإنتاج الحيواني، في وقت أدى فيه تعطل الزراعة والرعي إلى شلل شبه كامل في فرص العمل، لتصبح إمكانية تحصيل الرزق محدودة للغاية.
وحذّر القادري من استمرار إطلاق النار باتجاه القرى الحدودية، موضحاً أن الاستهداف يطال المنازل والطرقات وحتى المدارس، بما يشكل تهديداً مباشراً للمدنيين، ولا سيما الأطفال.
وقال إن السكان نجوا في أكثر من مناسبة من حوادث خطيرة، مشيراً إلى أن تراجع وتيرة إطلاق النار خلال الأسبوعين الماضيين لم يُنهِ حالة القلق المستمرة. وأكد أن بقاء المدارس مفتوحة يشكل عنصراً أساسياً في تثبيت السكان في قراهم، محذراً من أن إغلاقها قد يؤدي إلى نزوح جماعي للعائلات.
وفي موازاة المخاطر الأمنية، تصاعدت المخاوف من استهداف الحياة الزراعية بعد تطور الاعتداءات إلى استخدام مواد كيميائية في المناطق الحدودية.
وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون أدان قيام طائرات إسرائيلية برشّ مواد سامة فوق أراضٍ وبساتين في قرى جنوبية، معتبراً ذلك انتهاكاً للسيادة وجريمة بيئية وصحية.
وطلب إعداد ملف موثق بالتنسيق مع الوزارات المعنية تمهيداً لاتخاذ إجراءات قانونية ودبلوماسية وتقديم شكاوى أمام الجهات الدولية المختصة.
كما اعتبرت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن أي نشاط جوي لإسقاط مواد كيميائية قرب الخط الأزرق غير مقبول، محذرة من مخاطره على صحة الأفراد والمدنيين، فضلاً عن تأثيراته المحتملة في الأراضي الزراعية وعودة السكان إلى منازلهم ومصادر رزقهم.
على المستوى المعيشي، يعكس سائق الحافلات المدرسية في شبعا، سلام غياض، حجم الانكماش الاقتصادي الذي أصاب المنطقة، مؤكداً أن غياب الاستقرار الأمني أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية، مع توقف أنشطة واسعة وتراجع مستوى الخدمات.
وقال إنّ العاملين في قطاع النقل المدرسي فقدوا مصادر دخلهم نتيجة انخفاض أعداد الطلاب وتراجع الحركة السكانية، ما زاد الضغوط على الأسر التي بات كثير منها عاجزاً عن تأمين احتياجاته الأساسية أو سداد الأقساط المدرسية.
وفي بلدة الخيام، وصف المواطن محمد عبد الله الوضع الاقتصادي بأنه مُزرٍ للغاية، مشيراً إلى أن البلدة كانت تشكّل ممراً حيوياً للحركة التجارية قبل أن يؤدي التصعيد الأمني إلى انكماش حاد في الأسواق.
وأضاف أن التفجيرات والاستهدافات الأخيرة دفعت عديداً من أصحاب المحال إلى إغلاق أعمالهم ومغادرة المنطقة، فيما أصبحت الطرق القريبة من الحدود شبه مهجورة بسبب المخاطر الأمنية المتكررة.
وأوضح أن بعض العائلات التي عادت بعد النزوح شرع في ترميم المنازل، غير أن التدهور الأمني أعاد طرح تساؤلات جدية حول جدوى البقاء، مؤكداً أن القلق المستمر وانعدام الإحساس بالأمان أصبحا العامل الحاسم في قرار السكان بشأن الاستمرار في العيش في هذه المناطق أو مغادرتها مجدداً.