وأعلن ترمب الثلاثاء تعيين بولت، الذي يشغل منصب مدير الوكالة الفدرالية لتمويل الإسكان، مديراً بالوكالة للاستخبارات الوطنية، في خطوة أثارت انتقادات من أعضاء في الحزبين الجمهوري والديمقراطي بسبب افتقاره إلى الخلفية الاستخباراتية المطلوبة للمنصب.
وبموجب القوانين الأمريكية، يحق لبولت شغل المنصب لمدة تصل إلى 210 أيام من دون الحاجة إلى تصديق مجلس الشيوخ، مما يتيح له البقاء في موقعه حتى انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، التي يسعى الجمهوريون خلالها إلى الحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس.
وأوضح ترمب أن بولت سيحتفظ بمسؤولياته الحالية على رأس الوكالة الفدرالية لتمويل الإسكان، إضافة إلى رئاسة مجلسي إدارة شركتي "فاني ماي" و"فريدي ماك"، بالتوازي مع إشرافه على الوكالات الثماني عشرة التي يتألف منها مجتمع الاستخبارات الأمريكي.
وقال الرئيس الأمريكي في منشور عبر منصة "تروث سوشيال" إن بولت يمتلك خبرة واسعة في إدارة الملفات الحساسة والأسواق المالية، مشيراً إلى إشرافه على أصول تتجاوز قيمتها 10 تريليونات دولار ضمن مؤسستي "فاني ماي" و"فريدي ماك".
ورغم ذلك، سيصبح بولت مسؤولاً عن تنسيق عمل أبرز الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA)، على الرغم من عدم امتلاكه أي خبرة سابقة في مجالات الاستخبارات أو الأمن القومي.
وقال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون إن بولت قد يواجه صعوبات في الحصول على موافقة المجلس إذا قرر ترمب ترشيحه للمنصب بصورة دائمة بعد انتهاء فترة التكليف المؤقت.
في المقابل، انتقد زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشارلز شومر القرار، واصفاً بولت بأنه "شخصية حزبية متشددة"، معتبراً أن من يوجه اتهامات سياسية غير مثبتة لخصومه لا ينبغي أن يتولى مسؤولية حماية الأمن القومي الأمريكي.
ويخلف بولت تولسي غابارد، التي شغلت منصب مديرة الاستخبارات الوطنية منذ فبراير/شباط 2025، وأعلنت الشهر الماضي مغادرتها المنصب اعتباراً من 30 يونيو/حزيران. وبحسب تقارير إعلامية، جاء رحيلها على خلفية خلافات مع البيت الأبيض، فيما أكدت غابارد أن قرارها مرتبط بالتفرغ لرعاية زوجها بعد تشخيص إصابته بالسرطان.
مهام المكتب
ويشترط القانون الذي أنشأ مكتب مدير الاستخبارات الوطنية عام 2004 أن يتمتع أي مرشح للمنصب بخبرة واسعة في قضايا الأمن القومي. ويتولى مدير الاستخبارات الوطنية تنسيق عمل 18 وكالة ومؤسسة استخباراتية أمريكية، من دون أن يضطلع بدور تنفيذي مباشر في عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية السرية.
وفي هذا السياق، قالت بيث سانر، النائبة السابقة لمدير الاستخبارات الوطنية خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب، إن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية يفترض أن يؤدي دور "الزيت الذي يحافظ على تدفق شرايين مجتمع الاستخبارات ويزيل العوائق التي تعرقل عمله".
وأضافت أن غياب هذا الدور يدفع الوكالات المختلفة للعودة إلى العمل داخل قنواتها المنعزلة، الأمر الذي يرفع احتمالات وقوع إخفاقات استخباراتية.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، برز بولت خلال العام الماضي بوصفه أحد أكثر الشخصيات المقربة من ترمب نشاطاً في ملاحقة خصومه السياسيين، إذ دعم فتح تحقيقات ووجّه اتهامات تتعلق باحتيال مزعوم في قروض الرهن العقاري ضد عدد من الشخصيات الديمقراطية البارزة، من بينهم المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، والسيناتور عن ولاية كاليفورنيا آدم شيف، إضافة إلى ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي التي عيّنها الرئيس السابق جو بايدن.
وينحدر بولت من عائلة معروفة في قطاع التطوير العقاري، إذ يعد وريث شركة "بولت غروب" التي أسسها جده في خمسينيات القرن الماضي. كما سبق أن أسس شركة الاستثمار الخاصة "بولت كابيتال"، إلى جانب انخراطه في عدد من المبادرات والأنشطة الخيرية واسعة النطاق.
إعادة الهيكلة
وكشفت مجلة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية، في تقرير نشرته خلال مايو/أيار الماضي، عن تنامي توجه داخل الكونغرس الأمريكي يدعو إلى تقليص صلاحيات مكتب مدير الاستخبارات الوطنية وإعادة النظر في حجمه ودوره داخل المنظومة الاستخباراتية الأمريكية.
وبحسب التقرير، فإن جلسة عقدتها لجنة الاستخبارات في مجلس النواب لمراجعة الإصلاحات التي أُقرت عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول أظهرت وجود توافق متزايد بين الجمهوريين والديمقراطيين على ضرورة مواصلة إعادة هيكلة المكتب. ووصف النائب الديمقراطي جيم هايمز، نائب رئيس اللجنة، هذا التوجه بأنه يعكس "إجماعاً ناشئاً" حول الحاجة إلى إصلاح المؤسسة وإعادة ضبط حجمها.
وأشار التقرير إلى أن تولسي غابارد أشرفت خلال فترة توليها المنصب على خفض عدد موظفي المكتب إلى نحو النصف مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما كان يضم قرابة ألفي موظف. كما ألغت أو أعادت هيكلة عدد من الوحدات المتخصصة، من بينها "مجموعة المستقبل الاستراتيجي" التابعة لمجلس الاستخبارات الوطني، إلى جانب تقليص دور "مركز مواجهة النفوذ الأجنبي الخبيث" و"مركز دمج استخبارات التهديدات السيبرانية".
ورأت المجلة أن تراجع نفوذ غابارد داخل إدارة ترمب عزز الانتقادات الموجهة إلى المنصب ذاته، الذي أُنشئ عام 2004 ليكون مسؤولاً عن تنسيق عمل أجهزة الاستخبارات الأمريكية والمستشار الاستخباراتي الأول للرئيس.
كما لفت التقرير إلى أن غياب الدعم السياسي من البيت الأبيض جعل مكتب مدير الاستخبارات الوطنية أقل تأثيراً مقارنة بوكالة الاستخبارات المركزية بقيادة جون راتكليف، التي تتمتع بقدرات عملياتية ونفوذ مؤسسي أكبر.
وبحسب التقرير، ارتبطت الخلافات بين ترمب وغابارد إلى حد كبير بالموقف من إيران والتدخلات العسكرية الخارجية، إذ جاءت استقالتها بعد فترة وجيزة من مغادرة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، المعروف بمعارضته للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
كما استقالت أماريس فوكس كينيدي، نائبة مدير الاستخبارات الوطنية للسياسات والقدرات، في التوقيت نفسه تقريباً، وهي من الشخصيات التي عُرفت بمواقفها الرافضة للتدخل العسكري.
وأشار التقرير أيضاً إلى أن السيناتور الجمهوري توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، يقود جهوداً لتقليص صلاحيات المكتب، بعدما وصفه سابقاً بأنه "جهاز بيروقراطي متخم بالموظفين".
ويدعو كوتون إلى توجيه الموارد نحو الاستخبارات البشرية والعمليات السرية التي تنفذها وكالة الاستخبارات المركزية، بدلاً من التركيز على مهام التنسيق والتحليل الاستراتيجي التي يتولاها مكتب مدير الاستخبارات الوطنية.
في هذا السياق أوضح التقرير أن مشروع قانون تفويض الاستخبارات لعام 2027، الذي أقرته لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في 21 مايو/أيار، يتضمن مقترحات لإلغاء عدد من الهياكل التابعة للمكتب، بينها مجلس إدارة الاستخبارات الوطنية ووحدة الابتكار التابعة لمجتمع الاستخبارات ومنصب كبير مسؤولي البيانات.
كما ذكّر التقرير بمقترح قدمه كوتون في يونيو/حزيران 2025 يقضي بخفض عدد موظفي المكتب إلى 650 موظفاً فقط، وتجريد مدير الاستخبارات الوطنية من صلاحية إنشاء مراكز المهام المشتركة بين الوكالات المختلفة، في إطار مساعٍ أوسع لإعادة تعريف دور المؤسسة داخل المنظومة الاستخباراتية الأمريكية.
التصادم مع وكالة الاستخبارات المركزية
وفي خضم الجدل المثار حول تعيين بولت، كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن مصادر مطلعة، عن تصاعد الخلافات بين وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية، وهي خلافات استمرت لأكثر من عام وأثرت في مستوى التعاون بين المؤسستين في إعداد التقديرات والتحليلات الأمنية التي يعتمد عليها صانع القرار الأمريكي في إدارة الملفات الدولية الحساسة.
وتعود جذور هذه الأزمة، بحسب المصادر، إلى "مجموعة مبادرات مدير الاستخبارات الوطنية" (Director's Initiatives Group - DIG)، التي أنشأتها تولسي غابارد في أبريل/نيسان 2025 بهدف مراجعة ما اعتبرته مظاهر تسييس داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي.
وترى وكالة الاستخبارات المركزية، بقيادة مديرها جون راتكليف، أن المجموعة تجاوزت الإجراءات المتبعة في تبادل المعلومات الاستخباراتية ورفع السرية عن الوثائق، بينما يتهم مسؤولو مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الوكالة بعرقلة وصول المجموعة إلى المعلومات والمواد اللازمة لإنجاز مهامها.
وأدى هذا التوتر إلى تراجع مستوى التنسيق بين الجانبين، إذ اعتبرت المصادر أن قرار وكالة الاستخبارات المركزية تقليص مساهمتها في التقديرات الصادرة عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية يمثل أحد أبرز مظاهر أزمة الثقة المتفاقمة بين المؤسستين.
وكانت وكالة الاستخبارات المركزية من أهم الجهات المشاركة في إعداد تقارير مجلس الاستخبارات الوطني، الهيئة التحليلية الأبرز داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، التي تكتسب تقاريرها أهمية خاصة خلال فترات الأزمات والصراعات العسكرية.
وبحسب المصادر، أصبحت الملفات المتعلقة بإيران، التي تشهد انخراطاً عسكرياً أمريكياً منذ فبراير/شباط الماضي، من بين القضايا التي لم تعد الوكالة تشارك بصورة منتظمة في إعداد تقييماتها، ما دفع بعض المسؤولين إلى وصف العلاقة الحالية بين المؤسستين بأنها أقرب إلى عمل جهازين تحليليين منفصلين.
وبدأت بوادر الخلاف بالظهور بعد فترة وجيزة من تولي غابارد منصبها في فبراير/شباط 2025، عندما شددت إشرافها على إعداد "الإحاطة اليومية للرئيس"، وهي الوثيقة الاستخباراتية الأكثر حساسية التي اضطلعت وكالة الاستخبارات المركزية تاريخياً بالدور الرئيسي في إعدادها.
وتعمقت الخلافات مع اتساع نطاق عمل "مجموعة مبادرات مدير الاستخبارات الوطنية"، إذ لم يقتصر نشاطها على مراجعة أداء مجتمع الاستخبارات، بل شمل أيضاً رفع السرية عن وثائق مرتبطة باغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون إف. كينيدي، والتحقيق في أمن أنظمة التصويت الانتخابية، ودراسة أصول جائحة كوفيد-19.
وفي مايو/أيار 2025، أقالت غابارد مسؤولين بارزين في وكالة الاستخبارات المركزية كانا يتوليان قيادة مجلس الاستخبارات الوطني. وقال مسؤول استخباراتي، طلب عدم الكشف عن هويته، إن القرار جاء بسبب ما وصفه بخلق "بيئة عمل سامة" داخل المجلس، إضافة إلى وجود سجل سابق لهما في تسييس العمل الاستخباراتي، وفق نتائج استطلاع داخلي للموظفين.
وفي خطوة أخرى أثارت جدلاً واسعاً، سحبت غابارد التصاريح الأمنية لـ37 مسؤولاً حاليين وسابقين، وهو إجراء أدى إلى كشف هوية ضابط سري في وكالة الاستخبارات المركزية كان يعمل خارج الولايات المتحدة.
واتهمت غابارد المسؤولين المعنيين بتسييس المعلومات الاستخباراتية وتسريبها، لكنها لم تقدم أدلة علنية تدعم تلك الاتهامات. وفي المقابل، رأى مسؤولون سابقون أن هذه الإجراءات جاءت، جزئياً على الأقل، رداً على التقييم الاستخباراتي الصادر عام 2017، الذي خلص إلى أن روسيا نفذت حملة تأثير واسعة للتأثير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 بما يخدم فرص دونالد ترمب.













