وتبقى صورة التقطت في تلك الليلة من أكثر المشاهد رسوخاً في الذاكرة؛ دبابات وجنود يغلقون أحد مسارات الجسر المضاء فوق مضيق إسطنبول، وفي المقدمة رجل يجثو على ركبتيه إلى جانب جسد شخص فارقته الحياة، رافعاً إصبعه في إشارة تحدٍّ أصبحت رمزاً كونياً لإرادة الشعب في الدفاع عن الديمقراطية.
ويرى باحثون أن تلك الصورة لم تعد توثق لحظة عابرة، بل أصبحت تختصر موقفاً جماعياً للشعب التركي في مواجهة الانقلابيين، وأن الجسر نفسه تحول إلى شاهد على تلك الأحداث.
تاريخ يمتد لقرون
افتُتح الجسر عام 1973 ليربط بين شطري إسطنبول الأوروبي والآسيوي عبر مضيق إسطنبول، لكنه اكتسب بعد محاولة الانقلاب معنى جديداً، بعدما شهد إحدى أبرز المواجهات بين المدنيين وعناصر تنظيم غولن الإرهابي.
وعقب تلك الأحداث، أُطلق عليه اسم جسر "شهداء 15 تموز"، تخليداً لذكرى 253 شخصاً استشهدوا دفاعاً عن الجمهورية التركية، كان كثير منهم من المدنيين.
ويشير مختصون إلى أن فكرة ربط ضفتي إسطنبول تعود إلى عصور قديمة، إذ حاولت جيوش وإمبراطوريات مختلفة إيجاد وسائل لعبور هذا الممر المائي الاستراتيجي.
وقال الأستاذ المشارك في قسم العلاقات الدولية بجامعة بورصة التقنية، علي بوراك ضارجيللي، إن فكرة وصل جانبي المضيق "تعود إلى زمن بعيد في تاريخ إسطنبول"، موضحاً أن الدولة العثمانية اعتمدت على القلاع للسيطرة على المضيق بدلاً من إقامة الجسور الدائمة.
وأضاف لشبكة TRT، أن السلطان محمد الفاتح شيّد قلعة روملي على الضفة الأوروبية قبل فتح القسطنطينية عام 1453، وربطها بقلعة الأناضول على الضفة المقابلة بهدف السيطرة على المضيق ومنع وصول الإمدادات البيزنطية عبر البحر الأسود.
من جانبه، أوضح الأكاديمي أوزغور كوربه، من جامعة الدفاع الوطني التركية، لشبكة TRT، أن المهندسين العثمانيين تجنبوا إقامة جسور فوق مضيق إسطنبول بسبب عمقه وشدة تياراته، ولجؤوا بدلاً من ذلك إلى إنشاء جسور عائمة مؤقتة فوق القرن الذهبي عند الحاجة، كما حدث خلال حصار القسطنطينية عام 1453.
ليلة غيّرت معنى الجسر
حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان التنقل بين قارتي آسيا وأوروبا في إسطنبول يعتمد على العبارات البحرية، إلى أن تحقق حلم إنشاء جسر دائم فوق المضيق عام 1973.
لكن الباحثين يرون أن التحول الحقيقي في رمزية الجسر جاء ليلة 15 يوليو/تموز 2016. ففي تلك الليلة، بدأ عناصر تنظيم غولن الإرهابي محاولة انقلاب فاشلة للإطاحة بالحكومة المنتخبة برئاسة رجب طيب أردوغان، وأغلقوا الجسر نحو الساعة العاشرة مساء، مستخدمين دبابات وآليات عسكرية.
ويرى كوربه أن طريقة تنفيذ الإغلاق شكّلت خطأً استراتيجياً، إذ نُفذت مساء يوم جمعة وفي ذروة الازدحام، باستخدام عدد محدود من الآليات العسكرية الخفيفة.
ويقول إن هذا الإجراء لم يحقق سيطرة عسكرية حاسمة، بل أدى إلى احتجاز أعداد كبيرة من المدنيين، ما لفت انتباه الرأي العام وسهّل سرعة تحرك المواطنين، وسرعان ما تدفق آلاف المدنيين إلى الجسر والشوارع المحيطة به.
ويستعيد ضارجيللي تلك اللحظات قائلاً، إن المواطنين وقفوا في مواجهة الدبابات والعربات المدرعة والجنود المسلحين، رغم أن معظمهم كانوا غير مسلحين، معتبراً أن ذلك غيّر "الجانب النفسي" للأحداث.
وخلال المواجهات، أطلق عناصر تنظيم غولن الإرهابي النار على المدنيين، ما أسفر عن استشهاد 34 شخصاً على الجسر. ومع حلول الصباح، فقد الانقلابيون السيطرة على الموقع.
ويقول كوربه، إن القوات المحدودة التي نشرها الانقلابيون وجدت نفسها أمام أعداد متزايدة من المدنيين الذين استجابوا لدعوة الحكومة للنزول إلى الشوارع، ما أدى إلى انهيار الزخم النفسي والعملياتي لمحاولة الانقلاب، بعدما فشل منفذوها في فرض سيطرتهم على الأرض أو كسب أي قبول شعبي.
ويشير ضارجيللي إلى أن الانقلابات تنجح عادة عندما يسيطر الخوف على الناس في الساعات الأولى، لكن ما حدث في 15 يوليو/تموز كان العكس تماماً.
ويقول، إن المواطنين خرجوا إلى الشوارع وقاوموا في مواقع عديدة، بينها الجسر، وهو ما كسر حالة الخوف التي حاول الانقلابيون فرضها، مضيفاً: "قوة السلاح واجهت إرادة الشعب. كان لدى الانقلابيين الدبابات والأسلحة، لكنهم لم يمتلكوا الشرعية، بينما امتلك الشعب الشرعية والشجاعة والإصرار".
ويرى ضارجيللي أن إعادة تسمية الجسر تهدف إلى إبقاء ذكرى تلك الليلة حية في الوعي العام، مؤكداً أن الأجيال القادمة ستتذكر الجسر بمعنيين؛ الأول باعتباره جسراً يربط بين آسيا وأوروبا، والثاني بوصفه المكان الذي وقف فيه الشعب التركي في مواجهة منفذي محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز. وختم بالقول، إن هذا المعنى الثاني "سيزداد قوة مع مرور الزمن".
وأعلنت الحكومة التركية يوم 15 يوليو/تموز من كل عام يوم "الديمقراطية والوحدة الوطنية"، تخليداً لذكرى 253 شهيداً استشهدوا خلال التصدي لمحاولة الانقلاب الفاشلة.




















