حرب إيران تسلّط الضوء على مفاهيم السيادة الجوية والتفوّق الجوي
انتهت جولة جديدة من القتال بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية بإعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، بعد حرب دارت بشكل رئيسي في الأجواء، عبر ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية وعمليات قصف صاروخي إيرانية.
وجاء الحدث الأبرز قبل نهاية القتال بأيام، مع إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية مقاتلة أمريكية من طراز F-15 فوق الأراضي الإيرانية، في واقعة أعادت تسليط الضوء على قدرة إيران على تنفيذ "كمائن دفاع جوي"، مقابل قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض سيطرة جوية واسعة وقمع منظومات الدفاع الجوي الإيراني.
وفي هذا السياق، أشار تقرير نشره موقع The War Zone الشهر الماضي إلى أن الإعلانات المتعلقة بتحقيق السيادة الجوية تبقى نسبية، إذ تمتلك إيران دفاعات جوية متحركة يمكنها الاختباء وإعادة التموضع والظهور المفاجئ. وبالتالي، فإن إدخال المقاتلات لتنفيذ هجمات مباشرة لا يعني قدرتها على العمل بحرية كاملة ومن دون تهديد، ولا سيما في بعض المناطق.
وأضاف التقرير أن العمليات الجوية ما تزال تحتاج إلى دعم مستمر من مهام قمع الدفاعات الجوية المعادية والحرب الإلكترونية، وأن المخاطر تبقى مرتفعة، خصوصاً لمقاتلات الجيل الرابع.
كما شدّد على أن إيران تمتلك أنظمة صواريخ أرض-جو تعتمد على تقنيات كهروبصرية/الأشعة تحت الحمراء، وهي من أكثر التهديدات تعقيداً، إذ إن مقاتلات الجيل الرابع الأمريكية قد لا تدرك تعرضها لهجوم إلا بعد الإصابة، ما لم تتمكن من رصد إطلاق الصاروخ بصرياً.
وأوضح أن هذه المقاتلات تفتقر إلى أنظمة تحذير متقدمة من اقتراب الصواريخ، بخلاف مقاتلات الجيل الخامس مثل F-22 وF-35 التي تمتلك قدرات إنذار أفضل.
كما أن أنظمة الصواريخ الكهروبصرية/الأشعة تحت الحمراء لا تتأثر بالتشويش على الترددات الراديوية، ما لم تعتمد على رادار في مرحلة التوجيه الأولي.
وتُصنف المقاتلة F-15 ضمن مقاتلات الجيل الرابع، وتستخدمها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد لعبت دوراً مهماً في العمليات القتالية فوق إيران.
وفي هذا الإطار، حذّر خبراء عسكريون تحدثوا إلى صحيفة نيويورك تايمز من أن التفوق الجوي لا يعني غياب التهديدات، إذ قال ضابط سابق في سلاح الجو الأمريكي، إن هذا التفوق يعني أن التهديدات لا تعوق تنفيذ العمليات، لكنه لا يلغي المخاطر، مشيراً إلى أن خطر إسقاط الطائرات يبقى قائماً حتى في ظل هذا التفوق.
وفي قراءة لطبيعة المشهد الجوي فوق إيران، يرى الباحث عمر الصفدي، في حديثه لـTRT عربي، أن الحديث عن "السيادة الجوية" بالمعنى التقليدي لا يعكس بدقة الواقع القائم، رغم التفوق الواضح الذي حققته الولايات المتحدة وإسرائيل في الأجواء الإيرانية.
ويشير الصفدي إلى أنّ الصورة الكلاسيكية للسيادة الجوية، التي تفترض سماءً مفتوحة لطرف واحد وانهياراً كاملاً للدفاعات، بدأت تتعرض للاهتزاز مع تكرار مؤشرات ميدانية، من بينها إصابة طائرات، واستمرار عمل بعض المنظومات الدفاعية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة السيطرة الجوية الفعلية.
وفي تفسيره لكيفية عمل الدفاع الجوي الإيراني، يوضح الصفدي أن هذه المنظومة لم تكن في الأصل بنية مركزية يمكن شلّها بضربة واحدة، بل شبكة موزعة تضم رادارات وأنظمة متعددة المديات. ومع الضربات التي استهدفت الرادارات ومراكز القيادة والاتصالات، لم يختفِ الدفاع الجوي بالكامل، بل فقد تماسكه وتحول إلى وحدات متفرقة تعمل بشكل جزئي ومحدود، ما يعني أن الأجواء باتت مخترقة، لكنها لم تصبح خالية من التهديد.
من جانبه، يرى الخبير العسكري، العقيد المتقاعد نضال أبو زيد، في حديثه لـTRT عربي، أن هذا الواقع يفسر طبيعة الحوادث الميدانية، بما في ذلك إسقاط المقاتلة الأمريكية من طراز "إف-15"، الذي يمكن تفسيره بعاملين رئيسيين، أحدهما يتعلق بسلوك الطيار، والآخر بطبيعة الوسائل التي استخدمها الجانب الإيراني.
وفيما يتعلق بالوسائل المستخدمة، يتقاطع تحليل الصفدي وأبو زيد عند الإشارة إلى طبيعة التهديدات المتبقية. إذ يشير الصفدي إلى غياب منظومة حاسمة بعينها، مقابل وجود خليط من الأنظمة، تشمل منظومات متوسطة مثل "خرداد"، وبقايا منظومات بعيدة المدى مثل S-300 أو نظيراتها المحلية، إلى جانب أنظمة أقدم تُستخدم لسد الفراغ، فضلاً عن صواريخ الكتف المحمولة التي لا تعتمد على بنية تحتية أو رادارات، ويمكن استخدامها من مواقع غير متوقعة.
ويشير الصفدي إلى أن تقارير تحدثت عن إصابات فعلية، من بينها إسقاط F-15E وإصابة طائرة A-10، معتبراً أن دلالة هذه الحوادث تكمن في استمرار وجود التهديد، حتى بعد استهداف منظومات الدفاع الجوي التقليدية.
كما يبرز الصفدي تحولاً نوعياً في طبيعة التهديدات، مع استخدام أنظمة بصرية وحرارية مثل "مجيد"، التي لا تعتمد على الرادار بل على التتبع البصري، ما يجعل الطائرات عرضة للرصد حتى في حال اعتمادها على التخفي أو التشويش الإلكتروني. ويضيف أن الذخائر المتسكعة، مثل الصاروخ "358"، تمثل نمطاً مختلفاً من التهديد، إذ تبقى في الجو بانتظار الهدف.
ويتقاطع ذلك مع تقديرات أبو زيد بشأن تراجع فاعلية الدفاعات التقليدية وبقاء تهديدات غير تقليدية، في ظل مؤشرات على أن ما تبقى من منظومات الدفاع الجوي يعاني من قصور واضح في الأداء، مع تدمير معظمها، إن لم يكن جميعها.
ويعزز هذا التقدير ما أورده أبو زيد حول حرية المناورة الجوية التي تتمتع بها الطائرات الأمريكية والإسرائيلية، وخاصة في المناطق الشمالية، إذ أظهرت مقاطع مصورة طائرات، بينها F-15، تحلق على ارتفاعات منخفضة مرئية بالعين المجردة، إلى جانب مروحيات وطائرات للتزود بالوقود جواً، ما يعكس مستوى السيطرة الجوية القائمة.
ورغم ذلك، يرى الصفدي أن هذه المنظومات المتبقية لا تمنع العمليات الجوية بشكل كامل، لكنها تفرض قيوداً واضحة على طبيعتها، إذ لم يعد التحليق على ارتفاعات منخفضة أو البقاء لفترات طويلة فوق الأهداف خياراً آمناً، في ظل انتشار تهديدات غير متوقعة.
ويكمن تأثيرها، بحسبه، ليس في عدد الطائرات التي يجري إسقاطها، بل في تقليص خيارات العمل أمام القوة الجوية المهاجمة، وهو ما يتقاطع مع تقدير أبو زيد بأن صواريخ الكتف، رغم محدودية فاعليتها، ما تزال تمثل تهديداً قائماً.
وعلى صعيد المفاهيم العسكرية، يفرّق الصفدي بين "السيادة الجوية" و"التفوق الجوي"، موضحاً أن الأولى تعني غياب التهديد تقريباً، في حين تعني الثانية القدرة على تنفيذ العمليات رغم وجوده. ويؤكد أن الحالة الإيرانية تعكس تفوقاً جوياً أمريكياً-إسرائيلياً، لكنه لا يرقى إلى مستوى السيادة الكاملة.