الحروب الحديثة تعيد تشكيل الدفاع الجوي التركي.. القبة الفولاذية في الواجهة
تركيا
6 دقيقة قراءة
الحروب الحديثة تعيد تشكيل الدفاع الجوي التركي.. القبة الفولاذية في الواجهةسلطت الحرب الدائرة في المنطقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، الضوء مجدداً على مساعي تركيا لبناء درع دفاعية متكاملة لحماية مجالها الجوي وتعزيز قدراتها المحلية في مجالي الدفاع والهجوم.
برز مشروع "القبة الفولاذية" بوصفه منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة ومتعددة الطبقات / AA
منذ 4 ساعات

وفي هذا السياق تشهد العقيدة الجوية التركية تحولاً لافتاً، إذ لم يعُد التركيز مقتصراً على القدرات الهجومية الجوية التقليدية، بل اتجه نحو بناء منظومة دفاع متعددة الطبقات تجمع بين الصواريخ والرادارات وأنظمة الطاقة الموجهة والمنصات غير المأهولة.

ويبرز مشروع القبة الفولاذية بوصفه التعبير الأوضح عن هذا التحول، إذ يمثل محاولة لبناء بنية دفاع جوي وصاروخي متكاملة تتجاوز مفهوم الدفاع التقليدي نحو منظومة ردع شاملة متعددة المجالات.

تغير التهديدات

تشير أستاذة العلوم السياسية في جامعة أنقرة يلدرم بيازيد، مروة سيرن، إلى أن طبيعة الصراعات الدولية خلال السنوات الأخيرة دفعت إلى تحول جوهري في العقيدة الجوية التركية، فقد منحت القوات الجوية التركية لعقود أولوية للردع الاستراتيجي عبر الاستثمار في قدرات الهجوم الجوي، سواء من خلال شراء منصات جوية متطورة أو تطويرها، مع التركيز على "الهجوم الجوي" باعتباره وسيلة أساسية للدفاع.

وترجع سيرن هذا التوجه إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولها يتعلق بكيفية قراءة تركيا لبيئة التهديدات المحيطة بها. فعمليات ما وراء الحدود التي نُفذت في إطار سياسة مكافحة الإرهاب المستمرة لعقود دفعت القوات الجوية إلى تعزيز استثماراتها في الطائرات المقاتلة والمنصات الجوية المتقدمة. ومن جهة أخرى ظل إدراك التهديدات القادمة من الجوار، باستثناء عملية قبرص، مرتبطاً في الغالب بالتوتر المزمن مع اليونان وخطابها التصعيدي.

أما السبب الثاني فيرتبط بانضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، إذ وضعت أنقرة دفاعها الجوي منذ ذلك الحين ضمن المظلة الأمنية للحلف. ويتمثل السبب الثالث في أن تقنيات "الأنظمة غير المأهولة" و"التخفي" كانت لا تزال في مراحلها الأولى خلال تلك المرحلة، الأمر الذي أبقى الأنظمة المأهولة الخيار الأكثر اعتماداً لعقود.

غير أن هذا النهج بدأ يتغير في السنوات الأخيرة، فوفقاً لسيرن أعادت أنقرة صياغة بنية منظومتها للدفاع الجوي والصاروخي، ليس بوصفها مجرد أداة دفاعية، بل باعتبارها جزءاً من منظومة ردع شاملة. فقد أظهرت التجارب الحديثة أن الاعتماد على الطائرات المقاتلة مثل Eurofighter Typhoon أو F-35، أو على طائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي HİK، إلى جانب الدوريات الجوية المستمرة أو عمليات الإقلاع السريع scramble، لم يعُد كافياً بمفرده لمواجهة التهديدات المتزايدة وتعقيداتها.

ومن هذا التحول برز مشروع القبة الفولاذية بوصفه منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة ومتعددة الطبقات. وخلافاً لما هو شائع، لم يصمم هذا النظام لخدمة القوات الجوية التركية فقط، بل ليكون جزءاً من بنية أمنية شاملة تشمل أيضاً القوات البرية والبحرية، إلى جانب المجالين السيبراني والفضائي.

ويعكس هذا المشروع، من حيث فلسفة تصميمه وإطاره الاستراتيجي، ما يصفه الباحث والمحلل في معهد هدسون جان قصاب أوغلو بأنه تجسيد لـ"روح العصر".

مكونات القبة

تتكون منظومة القبة الفولاذية من طيف واسع من أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، يبدأ بالمديات القصيرة المصممة للتعامل مع التهديدات الصغيرة وقصيرة المدى، ويمتد عبر الطبقات المتوسطة وصولاً إلى المنظومات بعيدة المدى المخصصة لمواجهة التهديدات على ارتفاعات ومسافات أكبر. ويعكس هذا التدرج بنية دفاعية متعددة الطبقات تهدف إلى تأمين المجال الجوي ضد طيف واسع من المخاطر.

فعند أدنى مستويات هذا الطيف يأتي نظام كوركوت (KORKUT)، وهو نظام دفاع جوي منخفض الارتفاع للغاية من إنتاج شركة أسيلسان (ASELSAN)، مزود بمدفعين عيار 35 ملم. وبفضل معدل إطلاق النار المرتفع والذخائر المتشظية التي يستخدمها يتوقع أن يؤدي هذا النظام دوراً متزايد الأهمية، خصوصاً في مواجهة تهديد الطائرات المسيرة الانتحارية.

ولا تقتصر أهمية كوركوت على كونه منظومة دفاع جوي تقليدية، إذ يعمل أيضاً ضمن فئة C-RAM، أي الأنظمة المضادة للصواريخ والقذائف المدفعية وقذائف الهاون.

أما في الطرف الآخر من هذا الطيف، من حيث الارتفاع والمدى، فيأتي نظام سيبر (SİPER)، وهو أول منظومة صواريخ استراتيجية أرض–جو تطورها تركيا. ويبلغ مدى هذا النظام أكثر من 150 كيلومتراً، وقد خضعت النسخة الثانية منه لاختبارات إطلاق خلال العام الماضي. وبين هذين الطرفين، أي بين كوركوت وسيبر، تقع الطبقات الوسطى التي تمثل عنصراً أساسياً في بنية الدفاع متعددة المستويات.

ومن أبرز هذه القدرات منظومتا حصار-أ (HİSAR-A) وحصار-أو (HİSAR-O) للدفاع الجوي منخفض ومتوسط الارتفاع. كما يبرز في هذا السياق نظام غوكدمير (GÖKDEMİR)، الذي يقوم على مفهوم عملياتي مشابه لمنظومة NASAMS الأمريكية–النرويجية.

ويتيح هذا النظام استخدام صواريخ الجو–جو عبر إطلاقها من منصات دفاع جوي أرضية في تكوين أرض–جو، وذلك باستخدام عائلة صواريخ غوكدوغان (GÖKDOĞAN) التي طورتها مؤسسة TÜBİTAK SAGE.

وتكتسب الأنظمة مثل غوكدمير وناسامز أهمية خاصة لأنها توفر حلاً أكثر كفاءة من حيث التكلفة مقارنة بالأنظمة الاستراتيجية للصواريخ أرض–جو، وهو عامل بالغ الأهمية في بيئات الصراع الممتدة زمنياً، حيث تصبح مسألة الذخائر أحد أكثر التحديات حساسية.

وإلى جانب هذه المنظومات يبرز نظام إيجدرها (EJDERHA)، وهو نظام كهرومغناطيسي طورته شركة أسيلسان ضمن إطار القبة الفولاذية، ويعمل على تعطيل الطائرات المسيرة باستخدام موجات عالية القدرة من دون الحاجة إلى انفجار وبكلفة تشغيل منخفضة. ويختلف هذا النظام عن الحلول الدفاعية التقليدية المعتمدة على الذخائر مثل الصواريخ والقذائف، إذ يندرج ضمن فئة أسلحة الطاقة الموجهة.

ويعمل نظام إيجدرها على تحييد الأهداف عبر بث موجات كهرومغناطيسية عالية القدرة تؤدي إلى إتلاف الدوائر الإلكترونية وتعطيلها من دون إحداث انفجار مادي. ونظراً إلى أن هذه الموجات تنتقل بسرعة الضوء يصبح تفادي تأثيرها أمراً بالغ الصعوبة، في حين تبقى كلفة التشغيل لكل استخدام منخفضة مقارنة بالأنظمة الصاروخية التقليدية. كما يتيح اعتماد النظام على مصدر طاقة إمكانية مواصلة العمل لفترات طويلة دون قيود مرتبطة بنفاد الذخيرة.

المنصات غير المأهولة

إلى جانب منظومات الدفاع الجوي الأرضية، تعمل الصناعات الدفاعية التركية على توظيف المنصات غير المأهولة بوصفها جزءاً أساسياً من منظومة الدفاع الجوي الحديثة.

وفي هذا السياق تشير مروة سيرن إلى أن تركيا أصبحت اليوم، إلى جانب الولايات المتحدة والصين، من بين أكبر ثلاثة منتجين في سوق الطائرات المسيرة عالمياً. وبفضل هذا التطور باتت تمتلك رأس مال معرفياً وتقنياً مهماً في تكنولوجيا الطائرات غير المأهولة، التي أُدمجت على نطاق واسع ومتعدد المهام في ساحات القتال الحديثة.

وتضيف سيرن أن الطائرة المسيرة المقاتلة KIZILELMA مرشحة لأن تتحول إلى "كابوس للطائرات الحربية"، خصوصاً بعد نجاحها في اختبار إصابة هدف يعمل بمحرك نفاث باستخدام صاروخ جو–جو خارج مدى الرؤية.

وترى أن فاعلية هذه المنصة قد تزداد في المستقبل إذا ارتفع سقف أدائها العملياتي ليصل إلى نحو 70 ألف قدم، أي إلى ارتفاع مماثل لارتفاع طائرات التجسس. وفي هذه الحالة قد يصبح تشغيل طائرات الاستطلاع المأهولة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الدول الأخرى. ومع الفارق الكبير بين تكلفة تشغيل الطائرات الحربية أو طائرات التجسس وبين تكلفة ومخاطر تشغيل KIZILELMA، فإن الاتجاه المتزايد نحو المنصات غير المأهولة يبدو أكثر وضوحاً في بنية الحروب المستقبلية.

ومع ذلك تشدد سيرن على أن منظومات الدفاع الجوي والمنصات الجوية المأهولة وغير المأهولة ليست بدائل يمكن أن يحل أحدها محل الآخر، بل ينبغي النظر إليها بوصفها عناصر متكاملة ضمن عقيدة عسكرية مشتركة وبنية عملياتية موحدة.

مصدر:TRT عربي - وكالات
اكتشف
حزب الله يعلن التصدي لتقدم إسرائيلي ويستهدف قواعد في الجليل وصفد
مقتل عسكريَّين بالإمارات وسط اعتراض خليجي لهجمات إيرانية.. والحرس الثوري يعلن استهداف قاعدة بالكويت
فرنسا تدعو إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن بشأن لبنان.. والمنسّقة الأممية في بيروت تبدأ زيارة لتل أبيب
دوران يجدّد تحذير تركيا كل الأطراف من تهديد الأمن الإقليمي إثر تحييد ذخيرة باليستية قادمة من إيران
17 قتيلاً بغارات في لبنان.. والاحتلال يطلق "عملية مداهمة مركزة" بالجنوب وحزب الله يتصدى لعملية إنزال
تركيا تعلن تحييد ذخيرة باليستية دخلت أجواءها قادمة من إيران وتحذر جميع الأطراف
عون: الاعتداءات الإسرائيلية لن تحقق أهدافها ولبنان مستعد للتفاوض
الشرطة النرويجية تبحث عن مشتبه به بعد انفجار قرب السفارة الأمريكية في أوسلو
قتلى وإصابات في إسرائيل بعد هجوم صاروخي إيراني وتل أبيب توسّع غاراتها على طهران
اقتحامات واعتقالات إسرائيلية واسعة في الضفة واعتداءات للمستوطنين بالأغوار الشمالية
تركيا تنشر مقاتلات "F-16" ومنظومات دفاع جوي في شمال قبرص التركية
وزير المالية التركي: الصدمات الاقتصادية الحالية مؤقتة والتقلبات النفطية عابرة
عشرات القتلى والمصابين في لبنان.. وأكثر من 400 صاروخ نحو إسرائيل في 24 ساعة
أسعار النفط تصل إلى نحو 120 دولاراً للبرميل والدولار يرتفع مع تصاعد الحرب على إيران
تصاعد الهجمات في الخليج.. 32 مصاباً في البحرين واعتراضات في السعودية والكويت وقطر والإمارات