البشر ليسوا وحدهم المسؤولين.. ما علاقة البراكين والغبار في احترار كوكبنا؟

مناخ الأرض نسيجٌ معقّد منسوج من عدد لا يحصى من القوى الطبيعية والأنشطة البشرية، على حين أن تأثير الإجراءات البشرية في تغيّر المناخ لا يمكن إنكاره، فمن المهم أن ندرك أن الطبيعة تلعب دوراً مهماً أيضاً.

By حسام خضر
البشر ليسوا وحدهم المسؤولين.. ما علاقة البراكين والغبار في احترار كوكبنا؟ / صورة: AP / AP

ذكرت وكالة المناخ الأوروبية "كوبرنيكوس" أن شهر يوليو/تموز كان أكثر الشهور حرارة على مستوى العالم بعد عدة موجات حر ضربت أجزاء من أوروبا. وبلغ متوسط درجة الحرارة العالمية 16.95 درجة مئوية الشهر الماضي، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2019 بمقدار 0.33 درجة مئوية. بينما تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية الأسبوع الماضي في عدة دول في أنحاء أوروبا، بما في ذلك اليونان وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، حسب الغارديان.

ويتفق العلماء على أن السبب الأكبر للاحترار الشديد الأخير هو تغير المناخ الناجم عن حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي الذي أدى إلى اتجاه تصاعدي طويل في درجات الحرارة. وقالوا إن ظاهرة النينيو الطبيعية، وهي ظاهرة الاحتباس الحراري المؤقتة لأجزاء من المحيط الهادئ التي تُغير الطقس في جميع أنحاء العالم، تضيف دفعة أقل.

لكن بعض الباحثين يقولون إنه لا بدّ من وجود عوامل أخرى وراء ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية هذا الصيف، وخصوصاً أن الأرض عبارة عن نظام معقد ومترابط، إذ تلعب الظواهر الطبيعية المختلفة أدواراً حيوية في تشكيل بيئتها، وفقاً لتقرير نشره موقع يورو نيوز، يشير إلى أن البراكين والغبار قد تكون من بين هذه العوامل.

البراكين: موقد الأرض

تعد البراكين إحدى هذه القوى الطبيعية التي تؤثر في مناخنا، وهي كيانات مهيبة وشديدة السخونة، لها علاقة عميقة بأنماط الطقس على الكوكب، بما في ذلك موجات الحرارة. وتؤثر الانفجارات البركانية في المناخ عبر الغازات وجزيئات الغبار التي تُلقى.

بالعادة، معظم الجسيمات المنبعثة من البراكين تبرد الكوكب عن طريق تظليل الإشعاع الشمسي القادم، ومن الممكن أن يستمر تأثير التبريد من أشهر إلى سنوات اعتماداً على خصائص الثوران. ومع ذلك، تتسبب البراكين أيضاً في ارتفاع درجة حرارة الأرض عن طريق إطلاق الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

وفي 15 يناير/كانون الثاني 2022، ثار بركان هونغ تونغا الواقع تحت الماء جنوب المحيط الهادئ بشكل عنيف، وأطلق أعمدة من السخام وبخار الماء وثاني أكسيد الكبريت عالياً في الغلاف الجوي. وعادةً ما تبرد الانفجارات البركانية الكبرى الكوكب مؤقتاً، لأنه حتى تتبدد، تعكس جزيئات ثاني أكسيد الكبريت ضوء الشمس بعيداً عن الكوكب. ومع ذلك، وجدت الدراسة - المنشورة في Nature Climate Change - أن ثوران تونغا أدى إلى طرد كمية غير مسبوقة من الماء في الغلاف الجوي.

ويُعد بخار الماء أحد غازات الدفيئة، وبالتالي "من الممكن أن يتسبب هونغ تونغا - هونغ هاباي على مدى عدة سنوات بزيادة مؤقتة في درجات حرارة سطح الأرض"، كما تقول الورقة البحثية التي أشارت إلى أنه قبل اندلاع البركان، كان هناك احتمال بنسبة 50% أن تتجاوز درجات الحرارة العالمية 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة مرة واحدة على الأقل بحلول عام 2026. وفي أعقاب ذلك، زادت احتمالية تجاوز هذه العتبة بـ7 نقاط مئوية - جعل "التجاوز الوشيك 1.5%" أكثر احتمالاً من عدمه.

الغبار: حجاب الطبيعة

كما ذُكر سابقاً، لا تطلق الانفجارات البركانية العنان للحمم البركانية والرماد فحسب، بل تطلق أيضاً كميات هائلة من الجسيمات الدقيقة المعروفة باسم الغبار البركاني أو الرماد. ويحتوي هذا الغبار على معادن وعناصر مختلفة من داخل قشرة الأرض، وعندما يُدفع عالياً في الغلاف الجوي في أثناء ثوران البركان، يمكن نقله عبر القارات بوساطة الرياح السائدة، ويعمل هذا الغبار البركاني المعلق في الغلاف الجوي، كعامل فعال في تشكيل أنماط الطقس هو الآخر.

على سبيل المثال، تسبب بركان هونغ تونغا الذي أرسل أكثر من 150 مليون طن متري من الماء -غاز دفيئة يحبس الحرارة على شكل بخار- في الغلاف الجوي، في تفجير 500 ألف طن متري من ثاني أكسيد الكبريت في الغلاف الجوي العلوي، وفقاً لما نقله موقع يورو نيوز عن الباحثة المناخية بجامعة كولورادو مارغوت كلاين.

ويؤدي وجود هذه الجسيمات في الغلاف الجوي إلى تشتيت ضوء الشمس، ما يعكسه مرة أخرى في الفضاء. وهذا يمكن أن يخفف مؤقتاً من شدة الموجة الحرارية عن طريق تقليل كمية الإشعاع الشمسي التي يمتصها سطح الأرض. لكن على العكس من ذلك، فإن اللون الداكن للغبار البركاني يمكن أن يمتص أشعة الشمس، ويسخن الهواء ويسهم في التسخين الموضعي. ويكون هذا التأثير واضحاً بشكل خاص إذا استقر الغبار على الثلج أو الجليد، ما يسرع ذوبانه ويؤثر في درجات الحرارة المحلية.

صيف ملتهب

أصبحت موجات الحر، التي تتميز بفترات طويلة من الحرارة الشديدة أكثر تواتراً وشدة بسبب تغير المناخ وبقية العوامل الطبيعية. فقد أجبرت حرائق الغابات على إجلاء آلاف السكان والسياح من عدة جزر يونانية، بما في ذلك جزيرة رودس. كما كانت هناك درجات حرارة عالية في دول أمريكا الجنوبية، على الرغم من الشتاء هناك.

وتشير التقديرات إلى أن شهر يوليو كان أكثر دفئاً بنحو 1.5 درجة مئوية عن المتوسط في الفترة من 1850 إلى 1900، وفقاً لخدمة "كوبرنيكوس لتغير المناخ" (C3S)، و0.72 درجة مئوية أكثر دفئاً من متوسط 1991-2020.

معلقةً على هذه الأرقام، قالت الدكتورة سامانثا بورغيس، نائبة مدير (C3S): "لقد شهدنا للتو درجات حرارة الهواء العالمية ودرجات حرارة سطح المحيطات العالمية سجلت أرقاماً قياسية جديدة على الإطلاق في يوليو. هذه السجلات لها عواقب وخيمة على كل من الناس والكوكب المعرضين لأحداث متطرفة أكثر تواتراً وشدة".

يذكر أن الجليد البحري في القطب الجنوبي أيضاً كان عند أدنى مستوياته في شهر يوليو، إذ كان التجمد أقل من أي شتاء آخر منذ أن بدأت الأقمار الصناعية عمليات المراقبة في عام 1979. وهي الظاهرة التي يقول الخبراء إنه من الصعب معرفة ما إذا كانت تغيرات طبيعية أم بشرية أو مزيجاً من الاثنتين.

وبحسب مجلة التايمز، كانت آخر مرة كانت فيها الأرض أكثر سخونة مما هي عليه اليوم منذ 125000 عام على الأقل، قبل وقت طويل من ظهور أي شيء يشبه الحضارة الإنسانية. فيما كانت السنوات الثماني بين 2015 و2022 هي الأكثر حرارة على الإطلاق، ففي عام 2022، كان يعيش 850 مليون شخص في مناطق شهدت درجات حرارة عالية على الإطلاق.

وبينما تظل الأنشطة البشرية قوة دافعة وراء ظاهرة الاحتباس الحراري، فإن آليات العالم الطبيعي لا تقل أهمية. ففي السيمفونية الكبرى لمناخ الأرض، تلعب البراكين وجزيئات الغبار المرتبطة بها أدواراً مميزة كعوامل للتغيير ومساهمةً في الاستقرار. ويعد فهم الرقص المعقد بين البراكين والغبار وموجات الحرارة غير المسبوقة أمراً ضرورياً لفهم مدى تعقيد مناخنا الذي يزداد تطرفاً يوماً بعد آخر.