بين فرضه مجدداً والتوسع به.. ما سبب انتعاش التجنيد الإجباري في أوروبا؟
سواء نُظر إلى التجنيد الإجباري بوصفه استجابة لتحديات دفاعية وأمنية جديدة أو وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية، فإنه يعود إلى الظهور كأداة سياسية في أوروبا مع القدرة على إعادة تشكيل الديناميكيات العسكرية والمجتمعية في السنوات القادمة.
زادت أوروبا من استنفارها العسكري مع الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022. وبينما كثفت دول الاتحاد من إنفاقها العسكري لتعزيز جيوشها وتحديث عتادها، بدأ الكثير من الحكومات الغربية بمختلف تلاوينها السياسية تتساءل عما إذا كان التجنيد الإجباري هو الحل لمخاوفها الأمنية، مما أشعل في بعض الأحيان جدلاً حاداً.
وفي حين أن الكثير من الدول الأوروبية قد ابتعدت تدريجياً عن الخدمة العسكرية الإلزامية لصالح القوات المسلحة المهنية على مدى العقود القليلة الماضية، فإن عودة ظهور التجنيد الإجباري أثار تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الاتجاه.
نستعرض في هذا التقرير أبرز العوامل التي تسهم في عودة التجنيد الإجباري في جميع أنحاء أوروبا، مع تسليط الضوء على دوافع هذا التحول في السياسة وآثاره.
السياق التاريخي
التجنيد الإجباري له تاريخ طويل في أوروبا، حيث يعود تاريخه إلى أوائل العصر الحديث. ومع ذلك، مع انهيار الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة والتغيرات اللاحقة في الديناميكيات الأمنية، بدأ الكثير من الدول الأوروبية في التخلص التدريجي من التجنيد الإجباري لصالح قوات عسكرية أصغر حجماً وأكثر احترافية.
كان هذا التحول مدفوعاً بعدة عوامل، بما في ذلك الانخفاض الملحوظ في التهديدات العسكرية التقليدية والرغبة في خفض ميزانيات الدفاع.
ولكن في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، شهدت أوروبا عودة ملحوظة للتجنيد الإجباري في الكثير من البلدان، مما يمثل تحولاً في سياسات التجنيد العسكري.
كما سجل الإنفاق العسكري في أوروبا عام 2022 ارتفاعاً إلى مستويات غير مسبوقة لم تشهدها القارة منذ الحرب الباردة، وفق دراسة أعدها "معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، وجاء فيها أن الإنفاق العسكري الأوروبي في عام 2022 قد ازداد بنسبة 13% مقارنةً بالأشهر الـ12 السابقة.
الحرب الأوكرانية
بعد سقوط سور برلين ونهاية الحرب الباردة، بدا أن التجنيد الإجباري الشامل أصبح في طريقه إلى الزوال في أوروبا. على مدى السنوات العشرين الماضية، إن لم يكن قبل ذلك، أُلغيت الخدمة العسكرية الإجبارية في معظم دول القارة.
ومن بين الدول الـ29 الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك تركيا، حافظ 6 فقط على الخدمة العسكرية الإجبارية منذ عام 1993.
أحد الأسباب الرئيسية وراء عودة التجنيد الإجباري في أوروبا هو المشهد الأمني المتطور. ويأتي هذا الانبعاث في وقت تواجه أوروبا تحديات جديدة، مثل التوترات المتزايدة مع روسيا على حدود القارة الشرقية. التي بدورها عززت من فكرة أن السلام في المنطقة لم يعد أمراً مسلّماً به.
وفي سياق هذه المخاوف الأمنية، يرى بعض الدول الأوروبية الحاجة إلى تعزيز قدراتها العسكرية والحفاظ على مجموعة أكبر من المجندين المحتملين للرد بفاعلية على هذه التهديدات الناشئة. حيث اقترح ساسة ألمان وبريطانيون إحياء الخدمة العسكرية الإجبارية، في حين ترغب الدول التي تطبق التجنيد الإجباري بالفعل، مثل الدنمارك وليتوانيا، في تمديد تجنيدها، وفق ما أوردته يورونيوز.
عودة التجنيد الإجباري
يعكس عودة التجنيد الإلزامي في أوروبا تفاعلاً معقداً بين المخاوف الأمنية، واستراتيجيات الردع، وتحديات التجنيد، والاعتبارات الاجتماعية. ورغم أن الأمر قد يبدو كأنه عودة إلى الماضي، فإن الدوافع الكامنة وراء هذا التحول تضرب بجذورها في الحقائق الجيوسياسية المعاصرة والحاجة إلى التكيف مع التهديدات الأمنية المتطورة.
وبعد وقت قصير من ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، أعادت أوكرانيا تقديم الخدمة العسكرية الإجبارية للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عاماً. وتبعتها ليتوانيا في عام 2015 بالرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً.
وبعد هجوم روسيا على أوكرانيا في 20 فبراير/شباط 2022، بدأت ليتوانيا، الواقعة على حدود روسيا عبر جيب كالينينغراد الصغير، مؤخراً صياغة إصلاحات لنظام التجنيد الإجباري، الذي يمكن أن يؤدي إلى استدعاء الأشخاص الذين يعيشون ويدرسون في الخارج.
وإلى جانب ليتوانيا، فإن الدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا ولاتفيا والنمسا واليونان وإستونيا لديها حالياً شكل من أشكال الخدمة العسكرية الإجبارية. فيما تخطط لاتفيا لإعادة تقديم الخدمة العسكرية الإجبارية.
أحد الأسباب التي تدفع أوروبا إلى اللجوء إلى التجنيد الإجباري -حيث يكون الرجال والنساء عادةً ملزمين قانوناً بالقتال- هو أن حملات التجنيد التقليدية غير ناجحة. فالجيش الألماني، على سبيل المثال، يفشل في اجتذاب جنود جدد، على الرغم من المبادرة الواسعة لتعزيز نفسه وسط الحرب الأوكرانية، حسبما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية في أغسطس/آب، وفق يورونيوز.
هل التجنيد الإجباري هو النهج الصحيح؟
قال فينتشنزو بوف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة وارويك والمتخصص في التجنيد الإجباري، إن "القوات المسلحة الأوروبية، وبخاصة تلك الموجودة على الحدود مع روسيا، تدرك الآن أنها لا تملك ما يكفي من القوة البشرية. من الواضح أنهم يرون التجنيد الإجباري حلاً لذلك"، وفقاً لما نقلته يورونيوز.
وتابع بوف قائلاً: "سواء كانت هذه فكرة جيدة من حيث ردع الغزو الروسي المحتمل أم لا، فنحن لسنا متأكدين حقاً"، مشيراً إلى عدم وجود أدلة حول فاعلية الجيوش المجندة مقارنةً بالقوات النظامية.
ونظراً لتعقيد الحرب الحديثة، تساءل بوف عما إذا كان من الممكن تدريب المجندين بشكل صحيح على استخدام المعدات أو التكتيكات المتقدمة المستخدمة اليوم في الوقت القصير المتاح.