"تومتاش".. تعرف مصنع الطائرات الذي أعادت تركيا تشغيله بعد عقود من إغلاقه
في قلب الثورة الصناعية التي تشعلها تركيا في مجال الطيران العسكري قصة رائعة من النهضة والتقدم، قصة "تومتاش"، مصنع الطائرات الذي ظل خاملاً لعقود من الزمن قبل أن يعاد تنشيطه.
في السنوات الأخيرة، جددت تركيا التزامها بتعزيز صناعة الطيران لديها، مدركة أهمية استراتيجية الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، لا سيما بعد الاختراقات المذهلة التي حققتها البلاد في مجال المنصات الجوية المسيّرة. وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة التركية مشروعاً طموحاً العام الماضي لتحديث وإعادة تنشيط مصنع "تومتاش" الذي تأسس أول مرة في قيصري عام 1926.
وعلى هامش مهرجان تكنوفيست الذي استضافته مدينة إزمير التركية مؤخراً، صرح عضو مجلس إدارة شركة "تومتاش" للطيران والتكنولوجيا علي إكشي قائلاً: "إن أول مصنع للطائرات في تركيا، وهو منشأة "تومتاش" المعاد إنشاؤها، سيستأنف إنتاجه من خلال تصنيع أجزاء من طائرة الهليكوبتر متعددة الأغراض "غوكباي" وطائرة التدريب "حركوش"، وفقاً لما نقله موقع TRT Haber.
يتطرق هذا التقرير إلى تاريخ مصنع "تومتاش"، الذي عاود الظهور بعد ما يقرب من 100 عام، ليصبح علامة بارزة ولاعباً رئيسياً في تطلعات تركيا في مجال الطيران.
أصل الحكاية
يعود تاريخ شركة "تومتاش" للطيران والتكنولوجيا إلى عشرينيات القرن العشرين. فبعد إنشاء جمعية الطائرات التركية عام 1925، جرى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإنشاء مصنع للطائرات. ونظراً إلى الاحتياجات من رأس المال والموظفين الفنيين، جرى إنشاء شراكة مع شركة Junkers الألمانية، وفقاً للأناضول.
وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول عام 1926 افتتح مصنع "تومتاش" رسمياً، وباشر على الفور تجميع طائرات Junkers A-20 لأول مرة في منشأة المصنع في ولاية قيصري وسط الأناضول. وبحلول نهاية عام 1927، جرى إنتاج 30 طائرة من طراز Junkers A-20 و3 طائرات من طراز Junkers F-13.
وبينما كان الإنتاج مستمراً في "تومتاش"، بدأت بعض المشاكل في الظهور مع الشريك الألماني الذي كان يعاني مشاكل اقتصادية في ذلك الوقت. وأدت الصعوبات المالية التي واجهتها الشركة الألمانية إلى إنهاء الاتفاق. فيما لم يفِ Junkers بالتزاماته تجاه تركيا، حيث وُجدت خلافات حول براءات الاختراع واختبار الطائرات.
كما أن المشاكل التي حدثت بين الموظفين الأتراك والألمان العاملين في المصنع، بخاصة بسبب اختلاف الرواتب، أثرت سلباً على الأنشطة الصناعية حينها.
ولكل هذه الأسباب جرى إنهاء الشراكة وتوقف الإنتاج في 28 يونيو/حزيران 1928.
وفي 27 أكتوبر/تشرين الأول 1928، أُعلن عن إفلاس شركة "تومتاش" رسمياً. نقلت جمعية الطائرات التركية أسهمها إلى وزارة الدفاع الوطني في عام 1930. ورغم ذلك، واصل المصنع أعمال الصيانة والإصلاح لفترة بعد نقله إلى وزارة الدفاع الوطني، وقد سُمي "مصنع قيصري للطائرات" في عام 1932.
وبعد إجراء العديد من التغييرات، وتوقف التصنيع لأول مرة في عام 1950، تحول هذا المصنع إلى مركز قيادة صيانة الإمدادات الجوية في قيصري.
"طائر العنقاء"
بعد الشراكة التي عُقدت بين رئاسة الصناعات الدفاعية وبلدية قيصري وكلّ من Tusaş وAsfat وErciyes Teknopark، أزيل الرماد المتراكم منذ عقود على "تومتاش" ليتحول المصنع ويصبح، إلى حد ما، بمثابة طائر العنقاء الذي نهض من جديد.
وباستثمار بلغ حوالي 205 ملايين ليرة، جرى الاتفاق في مارس/آذار 2023 على إعادة تشغيل أول مصنع للطائرات في تركيا، شركة TOMTAŞ للطيران والتكنولوجيا ، لإنتاج قطع غيار الطائرات والمروحيات في قيصري.
وفي كلمته في حفل توقيع اتفاقية مشروع الطيران المشترك لشركة "تومتاش"، ذكر وزير الدفاع التركي السابق خلوصي أقار أن "تومتاش"، الذي كان أحد أفضل مصانع الطيران في تلك الفترة بالطائرات التي أنتجها بين عامي 1928-1941، عاد إلى الحياة من جديد، وفقاً لما نقلته الأناضول.
وأضاف أقار: "ستتحول القصة الحزينة إلى قصة نجاح عظيمة مع العمل الذي سيجري إنجازه هنا. قيصري، واحدة من أهم المدن الصناعية في تركيا وذات عمق على مستوى الخبرة المتجذرة في مجال الدفاع والطيران"، مشيراً إلى أن معدل التوطين والجنسية في صناعة الدفاع قد وصل إلى 80% بقيادة ودعم وتشجيع الرئيس رجب طيب أردوغان، وذكر أنه لا تزال هناك طرق مهمة يجب قطعها.
نهضة صناعة الطيران التركي
عودة "تومتاش" إلى الساحة ليصبح مساهماً رئيسياً في طموحات تركيا في مجال الفضاء الجوي يمثل منارة أمل لصناعة الطيران في البلاد، مما يدل على أنه حتى الإرث الخامل يمكن إحياؤه من خلال الرؤية الصحيحة والاستثمار والتصميم.
ويشارك المصنع في إنتاج مكونات الطائرات المختلفة، بدءاً من العناصر الهيكلية إلى أنظمة إلكترونيات الطيران. كما أنه سيلعب دوراً محورياً في تطوير الطائرات العسكرية المتقدمة، والتي تعتبر ضرورية لقدرات تركيا الدفاعية.
يذكر أن تطلعات تركيا في مجال الفضاء الجوي تمتد إلى ما هو أبعد من "تومتاش"، مع وجود خطط لتطوير الطائرات المقاتلة المحلية وتقنيات الأقمار الصناعية التي نهضت بفضل برامج الدعم التي قدمتها حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة خلال العقدين الماضيين.
ومشيراً إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان أعلن أن تركيا تهدف إلى الوصول بالصادرات الدفاعية إلى مستوى 6 مليارات دولار هذا العام، قال علي إكشي: "سندعم بالكامل الهدف الذي حدده رئيسنا. وسنعمل معاً للتغلب على العقبات التي واجهتها بلادنا حتى الآن. وسوف نعزز شراكاتنا لبناء غد أقوى، وسنفتح الباب أمام الابتكارات ونحاول تلبية احتياجات قطاعنا".
وأضاف إكشي قائلاً: "تماشياً مع رؤية القرن التركي، فإننا ندعم تحقيق أحلام عمرها 100 عام وننشئ مركزاً، إذ سينبض النظام البيئي لتكنولوجيا الطيران والفضاء بالحياة".