أزمات إنسانية ومعيشية.. كيف يعيش سكان غزة تحت الحرب؟
يعاني سكان القطاع البالغ عددهم ما يقارب 2.3 مليون نسمة، نقصاً حاداً في الغذاء والمياه في ظل توقف محطة التوليد الوحيدة عن العمل بشكلٍ كامل نظراً لعدم توفر الوقود نتيجة إغلاق المعابر .
مع دخول العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أسبوعه الثالث، تتفاقم الأزمات المعيشية والإنسانية نتيجة حالة الحصار المفروضة على السكان، منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية التي جاءت رداً على عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها فصائل المقاومة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.
ويعاني الآن سكان القطاع البالغ عددهم ما يقارب 2.3 مليون نسمة، نقصاً حاداً في الغذاء والمياه في ظل توقف محطة التوليد الوحيدة عن العمل بشكلٍ كامل نظراً لعدم توفر الوقود نتيجة إغلاق المعابر، فضلاً عن قطع الاحتلال الخطوط الواردة إلى غزة عبر الأراضي المحتلة عام 1948.
وتشهد مخابز غزة توافداً كبيراً منذ ساعات الفجر الأولى من المواطنين الفلسطينيين للحصول على كميات بسيطة من الخبز يكفي لسد رمق عائلاتهم، بعد النقص الشديد للمواد التموينية وعدم تلبية ما جرى إدخاله عبر معبر رفح البري مع مصر حاجة القطاع.
وإلى جانب ذلك، يبدو الحصول على وجبة غذائية يومياً تحدياً غير مسبوق على سكان القطاع رغم كل سنوات الحصار الإسرائيلي التي لم تصل فيها الأمور إلى هذا الحد من الضغط الشديد من الاحتلال على سكان القطاع، لا سيّما أنّه لا توجد أي منافذ لدخول السلع سوى معبر رفح الحدودي مع غزة.
كانت أول شاحنة مساعدات إنسانية قد دخلت معبر رفح يوم السبت الماضي، تلاها دخول دفعتين أخريين، إذ قال مدير الإعلام في المعبر وائل أبو محسن، لوكالة الأناضول، إنّ 20 شاحنة مساعدات إنسانية دخلت قطاع غزة عبر معبر رفح البري، أمس (الاثنين)، وسط تأكيدات سابقة من إدارة المعبر لـTRT عربي عدم كفاية المساعدات المُرسلة.
ظروف كارثية
وفي هذا السياق، يضطر المواطن الفلسطيني محمد المصري إلى الوقوف في طابور صباحي يومياً للحصول على الخبز رغم الاحتشاد الكبير من المواطنين على المخابز، خصوصاً أنّ الخبز يعد بديلاً عن كثير من المواد التموينية والغذائية التي نفدت.
ويقول المصري لـTRT عربي: "هناك شح كبير في السلع مع اقتراب الأسبوع الثالث للحرب من الانتهاء، من دون أي مؤشرات للتوصل إلى اتفاق تهدئة أو حتى سماح الاحتلال الإسرائيلي بدخول المواد الغذائية والتموينية والوقود إلى القطاع للتخفيف من الأزمة الإنسانية".
ويُبدي الرجل خشيته من الواقع الحالي على اعتبار أنّه سيناريو جديد للموت إلى جانب سيناريو القصف المكثّف الذي يشنه الاحتلال، فضلاً عن تعمد الاحتلال خلال الأيام الأخيرة استهداف المخابز المنتشرة في أكثر من مكان في القطاع.
أما الفلسطيني عبد الفتاح أحمد فيلجأ للاعتماد على خبز الطابون الذي يستند إلى إشعال النيران لصناعة الخبز، إلّا أنّ هذا الحل بات مقلقاً بالنسبة إلى الفلسطينيين في غزة في ضوء الاستهدافات الإسرائيلية العشوائية للمربعات والتجمعات السكنية وعدم وجود أي مناطق آمنة.
ويقول أحمد لـTRT عربي، إنّ المطلوب هو توفير الاحتياجات الأساسية من المواد التموينية والغذائية للأسر الفلسطينية في غزة، وتوفير مناطق آمنة بضمانات دولية تمنع الاحتلال من استهداف هذه المناطق، في ضوء تعمد الاحتلال استهداف التجمعات المدنية.
وصرّحت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين، عند دخول شاحنة المساعدات الأولى يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول، بأنّ "هناك حاجة ماسة إلى الغذاء؛ لأنّ الظروف داخل غزة كارثية حقاً".
وأضافت ماكين أنّ "الشاحنات العشرين هي خطوة أولى مهمة، ولكن هذه القافلة يجب أن تكون الأولى من بين الكثير من القوافل، يجب أن يكون لدينا أيضاً وصول مستمر وآمن للعاملين في المجال الإنساني والمدنيين داخل غزة، حتى نتمكن من إيصال هذا الغذاء إلى الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليه".
نفاد السلع
إلى ذلك، يؤكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة سلامة معروف، أنّ هناك سلعاً نفدت بشكلٍ كامل من الأسواق ونقاط التوزيع والبيع، إلى جانب وجود سلع أخرى متبقية بكميات شحيحة للغاية، وهو ما من شأنه أن يعرّض الأمن الغذائي للسكان للخطر.
ويضيف معروف لـTRT عربي، أنّ ما سُمح له بالدخول إلى غزة عبر معبر رفح لم يتجاوز 34 شاحنة، لم تتضمن الاحتياجات التموينية الأساسية أو حتى الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية الخاصة بالمستشفيات، في ضوء اقتراب الوقود الموجود من النفاد.
ويشير إلى أنّ 50% من الوحدات السكنية في قطاع غزة تضررت بسبب القصف، وقرابة 20 ألف وحدة سكنية هدمها الاحتلال بشكل كامل، فيما تضررت 165 ألف وحدة سكنية، عدا عن تدمير الاحتلال قرابة 72 مقراً حكومياً، إضافةً إلى عشرات المرافق العامة والخدماتية التي لحق بها الضرر الكبير.
ووفق رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، فقد تعرّضت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي لأضرار كبيرة، لافتاً إلى أنّ الاحتلال تعمد استهداف الموجودين في الأسواق والمخابز ومراكز الإيواء وفي محيطها.
ما موقف "أونروا"؟
وتحفظت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" التابعة للأمم المتحدة، على الحديث بشكلٍ واضح عن دور المنظمة فيما يتعلق بمراكز الإيواء، لا سيّما ما يخص الغذاء والمياه وغيرها من الخدمات التي من المفترض أن تقوم بها.
واكتفت القائمة بأعمال مدير مكتب الإعلام والتواصل بالوكالة التابعة للأمم المتحدة في غزة، إيناس حمدان، بالقول: "إنّ الوضع في قطاع غزة كارثي للغاية في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية، إلى جانب عدم وجود تيار كهربائي وعدم توفر المياه إلا بكميات قليلة جداً".
وتشير حمدان في حديثها مع TRT عربي، إلى أنّ هناك نحو 406 آلاف نازح يقيمون في 91 منشأة تابعة لـ"أونروا" في المناطق الوسطى وخان يونس ورفح، في حين أنّه جرى تصميم ملاجئ الوكالة لاستضافة بين 1500 و2000 نازح لكل مأوى، ومع ذلك، فإنّ متوسط عدد النازحين الآن لكل مأوى هو 4400 نازح، ليصل إلى 19600 في المأوى الأكثر ازدحاماً.
وتواجه المنظمة الأممية انتقادات شعبية وأخرى رسمية من الجهات الحكومية في غزة أو الفصائل الفلسطينية وحتى المنظمات الحقوقية، على خلفية التقاعس في توفير احتياجات النازحين في مختلف مناطق القطاع.
وأصدر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تحذيراً من خطورة ما سمّاه "تساوق وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين مع مخططات الاحتلال الرامية إلى تهجير أهالي غزة".
وقال المرصد في تقرير له إنّه "تلقى إفادات وشكاوى من لاجئين فلسطينيين في محافظتَي غزة وشمال القطاع، بشأن ما وصفوه بتخلي الوكالة عن رعايتهم واستجابة إدارتها لإنذار الجيش الإسرائيلي بالإخلاء إلى وسط وجنوب القطاع".
وأضاف المرصد الأورومتوسطي -ومقره جنيف- أنّه "ينظر بخطورة بالغة إلى ما يمكن عدّه تساوق إدارة (أونروا) مع مخططات التهجير القسري التي تحاول إسرائيل تنفيذها في قطاع غزة بما يخالف القانون الدولي الإنساني، وقد يرتقي إلى جريمة حرب".