ليالٍ كـ"العذاب".. كيف تبدو الحياة في غزة مع انقطاع الاتصالات؟

تكررت عمليات قطع الاتصالات من قِبل الاحتلال الإسرائيلي بالتزامن مع ارتكاب مجازر ميدانية بحق الفلسطينيين، ما حوَّل هذه الوسيلة إلى طريقة يرغب من خلالها الاحتلال في ارتكاب المجازر من دون أيّ ردّ فعل دولي.

By يوسف سامي
وسط قصف إسرائيلي كثيف.. انقطاع "كامل" للاتصالات في غزة / صورة: AFP / AFP

كانت ليلة السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي مختلفة بالنسبة إلى الفلسطينيين في قطاع غزة بعد أن أقدم الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى على قطع الاتصالات وشبكات الإنترنت، وتكرر الأمر لاحقاً، إذ اتهمت شركة الاتصالات الفلسطينية (بالتل) إسرائيل بقطع الخدمات بالتزامن مع القصف المستمر.

وعادت مع هذه الخطوة حياة الفلسطينيين عقوداً إلى الوراء، انقطع فيها الاتصال في ما بينهم، وبات من الصعب على من هُم خارج أسوار هذه المنطقة الاطمئنان على أهلهم وذويهم داخلها، وتحوَّل القطاع إلى ما يشبه الغرفة المغلقة المعزولة عن العالم الخارجي.

وبمحاذاة هذا الأمر فإنَّ قرابة 2.3 مليون نسمة واجهوا صعوبات في التواصل مع سيارات الإسعاف والدفاع المدني مع اشتداد القصف الإسرائيلي، وبات التخوف الفلسطيني في تلك الليلة من أن يُقدِم الاحتلال على ارتكاب مجزرة ضخمة يُبيد فيها الفلسطينيين.

قيود الاحتلال

لا يوجد في قطاع غزة إلا شركتان للهاتف المحمول (الشبكات الخلوية)، هما شركة جوال المملوكة لمجموعة الاتصالات الفلسطينية (بالتل)، وشركة أوريدو فلسطين، ولا توفر هاتان الشركتان في غزة سوى خدمة الجيل الثاني من الاتصالات بسبب القيود الإسرائيلية والحصار، في حين تتوفر خدمة الجيل الثالث في الضفة الغربية المحتلة.

في الوقت ذاته فإنّ شركة الاتصالات الفلسطينية (بالتل) توفر خدمة الاتصالات "الأرضية" التليفونية إلى جانب خدمات الإنترنت، إذ تُعتبر هي الشركة الوحيدة التي توفر خدمة الاتصال التليفوني السلكي على مستوى الأراضي الفلسطينية.

وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي سيطرتها على البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية منذ عام 1967، ورغم أن الاحتلال نقل بعض السيطرة للسلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلوعام 1993، فإنّه واصل الاحتفاظ بالأمور التكنولوجية.

ووفق الاتفاق الموقَّع في سبتمبر/أيلول 1995 أو ما يُعرف بـ"أوسلو 2"، فإنّ للفلسطينيين الحق في امتلاك البنية التحتية لنظام اتصالات وإنترنت مستقلّ، لكن وكباقي بنود الحكم الذاتي في اتفاقية أوسلو، سرعان ما قيّد الاحتلال الاتصالات على أرض الواقع.

وتكررت عملية قطع الاتصالات من قِبل الاحتلال الإسرائيلي بعد المرة الأولى مرتين، تبعها ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي لمجازر ميدانية بحق الفلسطينيين، ما حوَّل هذه الوسيلة إلى طريقة يرغب من خلالها الجيش الإسرائيلي في ارتكاب المجازر من دون أيّ ردّ فعل دولي أو للتقليل منها على أقصى حد.

انقطاع عن الأهل

ويقول الفلسطيني محمد الشيخ سلامة إنّ ليلة السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول كانت كـ"العذاب" بعدما انقطعت الاتصالات ولم يعُد بمقدوره الوصول إلى أهله الذين يعيشون في مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع، في ظل تصاعد القصف الإسرائيلي على مناطق الشمال وغزة.

ويضيف الشيخ سلامة لـTRT عربي أن "انقطاع الاتصالات حوَّل تلك الساعات التي تجاوزت 30 ساعة إلى شهور وسنوات نتيجة الانقطاع عن العائلة"، حيث يوجد هو في مدينة خان يونس جنوبي القطاع، ما جعله يراقب الإذاعات وأخبارها الشحيحة من كثب.

ويشير إلى صعوبة الواقع الناتج عن تعمُّد سلطات الاحتلال قطع الاتصالات أو شبكات الإنترنت تزامناً مع قصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً في الوصول إلى الأهل والعائلات.

مجازر وتجربة قاسية

وتبدو تجربة الفلسطيني حازم عبد الكريم أكثر قسوة بعد أن تعرضت عائلته للاستهداف خلال وجودها في إحدى الشقق السكنية التي استهدفها القصف الإسرائيلي، ما تسبب في استشهاد جميع أفراد العائلة باستثناء أخيه وشخص آخر من العائلة فقط من إجمالي 27 فرداً.

ووفق عبد الكريم الذي روى تجربته لـTRT عربي، فإنه اضطر إلى الذهاب إلى مكان الاستهداف للبحث عن ناجين من القصف الذي طال عائلته والمخاطرة بنفسه، لا سيما أن الطائرات الإسرائيلية اعتادت خلال الجولة الحالية من المواجهة تكرار قصف الأماكن المستهدفة عدة مرات.

ويشير إلى أن انقطاع الاتصالات "شل تفكيره وتواصله حتى مع بقية أفراد عائلته"، وجعل هذه اللحظات "الأكثر قسوة" في حياته، حسب تعبيره، لا سيما مع فقدانه لعائلته وصعوبة الوصول إلى بقية أفراد العائلة الموجودين في مناطق أخرى غير الشقة المستهدفة من قِبل الاحتلال.

ويلفت عبد الكريم إلى أن عدداً من أشقائه لم يعلم باستشهاد والدِه وعددٍ من إخوته إلا بعد عودة الاتصالات بيومين، نظراً إلى عدم وجود أيّ اتصالات أو وسائل إعلامية لديهم لمعرفة الأخبار، وهو ما زاد صعوبة وسوء اللحظة والحالة النفسية لجميع أفراد العائلة.

الحاجة تخلق البدائل

وفي أعقاب الحرب الإسرائيلية الجارية التي دخلت شهرها الثاني، بحث كثير من الصحفيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي عن بدائل مثل الشرائح المصرية لسكان مناطق رفح جنوبي القطاع، أو الشرائح الإسرائيلية لسكان المناطق الشمالية أو المناطق المرتفعة في غزة.

وفي هذا السياق لجأ الصحفي الفلسطيني محمد شاهين إلى استخدام إحدى الشرائح الإسرائيلية مستغلاً وجود مكتبه على أحد الأبراج قبل أن يتعرض المكتب للتدمير نتيجة قصف الاحتلال الإسرائيلي البرج وتدميره بشكلٍ كامل.

ويقول شاهين لـTRT عربي إنه ونتيجة لتكرار انقطاع شبكات الإنترنت والاتصال لجأ للبحث عن الشرائح الإلكترونية (eSIM)، وذلك من أجل البقاء على اتصال مع المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها ومن أجل الاستمرار في عملية التغطية.

وتتيح هذه البطاقة للمستخدمين خيار تنشيط خطة البيانات الخلوية لشبكة الهاتف المحمول من دون الحاجة إلى وجود بطاقة SIM فعلية.

ويلفت إلى أن هذه الشرائح لم تحلّ الأزمة نتيجة كون شبكات الاتصالات العاملة في القطاع تعمل بنظام الجيل الثاني، وهو ما جعل هذه الشرائح الإلكترونية تعمل في مناطق محدودة جداً وبسرعة بطيئة للغاية مكّنت بعض النشطاء والصحفيين من نقل أنباء قطع الاتصالات.

ويؤكد شاهين أن هذه الحرب من أصعب الحروب وجولات التصعيد التي شهدها القطاع منذ عام 2006، نظراً إلى صعوبة الاتصال والتواصل، فضلاً عن شح أدوات الاتصال الخارجية وتعمُّد الاحتلال استهداف الصحفيين والنشطاء بشكلٍ مباشر وغير مباشر.

وتكررت عمليات الاستهداف والقصف الإسرائيلي لمقاسم الاتصالات الموجودة في قطاع غزة، إلا أنها كانت محدودة وتقتصر على بعض المناطق الحدودية، وهو الأمر الذي حصل خلال عدوانَي 2008 و2014، إلى جانب عمليات التشويش التي تقوم بها الطائرات المسيّرة دون طيار.