الديمقراطية المحافظة وصندوق الاقتراع.. كيف صاغ العدالة والتنمية تجربته؟
تركيا
5 دقيقة قراءة
الديمقراطية المحافظة وصندوق الاقتراع.. كيف صاغ العدالة والتنمية تجربته؟يحيي حزب العدالة والتنمية في 14 أغسطس/آب الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسه، بعدما أصبح على مدى ربع قرن إحدى أبرز القوى التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في تركيا.
يرى محللون أن أحد العوامل التي ميزت حزب العدالة والتنمية عن قوى سياسية أخرى يتمثل في قدرته على بناء علاقة مباشرة مع قطاعات واسعة من المجتمع / َAA

فمنذ تأسيسه عام 2001 بقيادة رجب طيب أردوغان، ثم وصوله إلى الحكم بعد عام واحد، حافظ الحزب على موقعه في صدارة الحياة السياسية، وفاز بجميع الانتخابات العامة التي خاضها.

ولم يقتصر أثر هذه التجربة على المجال السياسي، إذ رافق سنوات حكم الحزب تحول اقتصادي واجتماعي واسع، انعكس في تحسن مؤشرات التنمية البشرية، ووصول جانب من ثمار النمو الاقتصادي إلى شرائح عانت سابقاً من التهميش والحرمان.

ويرى باريش أرتم، الأستاذ المشارك في جامعة إسطنبول التقنية، أن تجربة حزب العدالة والتنمية لا يمكن اختزالها في التصنيفات الشائعة في الغرب، سواء بوصفه حزباً يمينياً أو قومياً أو ذا توجه عثماني جديد. ويقول لـ"TRT World": "إذا أردنا تعريف حزب العدالة والتنمية بأكثر العبارات إيجازاً ودقة، فيمكن وصفه بأنه حزب ديمقراطي محافظ".

ويشير أرتم إلى أن سياسات الحزب تستند أساساً إلى قيم محافظة، لكنها شهدت تحولات على امتداد سنوات وجوده في السلطة، معتبراً أن من الطبيعي أن تتطور تجربة حزب يحكم منذ ربع قرن في بلد ديناميكي مثل تركيا.

أما العنصر الأبرز في تجربة الحزب، بحسب أرتم، فيتمثل في قيادة رجب طيب أردوغان وطبيعة العلاقة التي نسجها مع قاعدته الشعبية. ويرى أن حصول أردوغان على نحو 52% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الثلاث الأخيرة يعكس "رابطة قوية واستثنائية وحقيقية" بينه وبين مؤيديه، مضيفاً: "في تاريخ التعددية الحزبية في تركيا، لم يحظَ أي زعيم بمثل هذا الالتفاف من ناخبيه كما حظي أردوغان".

وتشكل هذه العلاقة أحد مفاتيح فهم استمرارية الحزب في الحكم وموقع أردوغان المركزي في تجربته السياسية. فقد تولى أردوغان رئاسة الوزراء عام 2003، وظل في المنصب 11 عاماً، قبل أن ينتقل إلى رئاسة الجمهورية عام 2014.

وخلال هذه المسيرة، واجه حزب العدالة والتنمية سلسلة من التحديات السياسية والأمنية، كان أبرزها محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، التي نفذها تنظيم "غولن" الإرهابي. وتمكنت الحكومة من إفشال محاولة الاستيلاء على السلطة، بالتزامن مع مقاومة شعبية واسعة شهدتها شوارع إسطنبول وأنقرة، واستشهد خلالها 253 شخصاً دفاعاً عن الحكومة المنتخبة والنظام الديمقراطي.

ومن زاوية أخرى، يرى محمد علي أوجار، رئيس معهد PLUS للأبحاث ومقره في فيينا، أن فهم حزب العدالة والتنمية يتطلب النظر إليه في سياقه التركي، بدلاً من إخضاعه لتصنيفات سياسية جاهزة من قبيل "القومي" أو "اليميني" أو "الشعبوي".

ويقول أوجار لـ"TRT World" إن الحزب نشأ من ظروف تركيا التاريخية والاجتماعية والسياسية الخاصة، وتشكلت هويته انطلاقاً من تاريخ البلاد وجغرافيتها وثقافتها وتنوعها. ويستدل على اتساع قاعدته الاجتماعية بعضويته التي تتجاوز 11.5 مليون شخص ينتمون إلى طبقات اجتماعية وخلفيات عرقية مختلفة، ما يجعله، في رأيه، غير محصور في قاعدة اجتماعية أو أيديولوجية بعينها.

ويضيف: "حزب العدالة والتنمية ليس حزباً يقوم حصراً على قاعدة أيديولوجية أو اجتماعية محددة، بل نجح في الوصول إلى شريحة واسعة بصورة لافتة من المجتمع".

ورغم التحولات التي شهدها الحزب على مدى ربع قرن، يرى أوجار أن هناك استمرارية واضحة في المبادئ السياسية التي أعلنها عند تأسيسه، وفي مقدمتها العدالة والتنمية والمساواة والحرية والديمقراطية. ويعتبر أن أحد الثوابت الأساسية في رؤية الحزب ظل يتمثل في "الإيمان بالديمقراطية وإرادة الشعب"، والنظر إلى صندوق الاقتراع باعتباره مصدر الشرعية السياسية.

ولادة الحركة

يربط محللون ظهور حزب العدالة والتنمية بالتحولات السياسية والاجتماعية التي عاشتها تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة، وهي مرحلة تداخلت فيها الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية مع إقصاء شرائح من المجتمع من مجالات التعليم والعمل في مؤسسات الدولة.

ويقول باريش أرتم إن الحزب انطلق، منذ تأسيسه، من السعي إلى استعادة حقوق فئات حُرمت من تولي الوظائف العامة، ووصل الأمر ببعضها إلى الحرمان من التعليم الجامعي.

ويرى أرتم أن انقلاب 28 فبراير/شباط 1997 عززت الشعور بالحاجة إلى حزب وقيادة سياسية قادرين على التعامل مع هذا الواقع. وهي العملية التي عُرفت في تركيا بـ"انقلاب ما بعد الحداثة"، حين مارس الجيش ضغوطاً على الحكومة المنتخبة انتهت باستقالتها، ومهدت الطريق أمام سلسلة من الإجراءات التي قيدت الحقوق والحريات، وفي مقدمتها منع المحجبات من الدراسة في الجامعات الحكومية.

ويقول أرتم: "إذا نظرنا إلى الوضع اليوم، نجد أن جانباً كبيراً من الأهداف الرئيسية للحزب قد تحقق، وفي مقدمتها إعادة شرائح واسعة من المجتمع، ظلت لنحو قرن خارج المركز السياسي، إلى قلب الحياة العامة، واستعادة حقوقها في التعليم والعمل في مؤسسات الدولة".

وبحسب أرتم، لا يزال ناخبو الحزب يثقون بقدرة أردوغان على التعامل مع التحديات الراهنة، استناداً إلى تجربته في تجاوز الأزمات التي كانت تمر بها تركيا عند تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001.

ويتفق أوجار مع هذا التفسير، إذ يضع نشأة الحزب في سياق النقاش الواسع الذي شهدته تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية حول الديمقراطية والحريات وتوسيع مشاركة مختلف فئات المجتمع في الحياة العامة.

ويشير إلى أن النساء المحجبات واجهن في تلك المرحلة قيوداً على التعليم والمشاركة في الحياة العامة، فيما تعرضت شرائح متدينة من المجتمع لأشكال مختلفة من الإقصاء.

وفي هذه البيئة، التي تداخل فيها الإقصاء السياسي والاجتماعي مع الأزمات الاقتصادية والقصور في الخدمات الصحية والبنية التحتية، جاء تأسيس حزب العدالة والتنمية ثمرة مسار طويل من المطالبة بمزيد من الديمقراطية والحرية والمساواة وتوسيع قاعدة التمثيل الاجتماعي.

وعبّر أردوغان عن حجم الطموح الذي رافق تأسيس الحزب بقوله آنذاك: "من الآن فصاعداً، لن يبقى شيء في تركيا كما كان من قبل".

وبعد مرور 25 عاماً، يرى أوجار أن تركيا شهدت تحولات واسعة في عدد من مجالات الحقوق والحريات الأساسية، ولا سيما ما يتعلق بالحجاب والحرية الدينية، بالتوازي مع تطورات كبيرة في قطاعات الصحة والنقل والبنية التحتية والدفاع والتكنولوجيا.

ويقول: "أعتقد أن حزب العدالة والتنمية حقق جزءاً مهماً من الأهداف التي وضعها عند تأسيسه، ولا يزال متمسكاً بالمبادئ السياسية الأساسية التي انطلق منها".

ويرى محللون أن أحد العوامل التي ميزت حزب العدالة والتنمية عن قوى سياسية أخرى يتمثل في قدرته على بناء علاقة مباشرة مع قطاعات واسعة من المجتمع. وفي هذا السياق، يعتبر أوجار أن الطابع غير النخبوي يمثل إحدى السمات الأساسية للحزب، إذ نشأ، بحسب تعبيره، من داخل المجتمع، واستطاع نقل مطالب شرائح مختلفة منه إلى المجال السياسي.

كما أسهم انتشار التنظيم الحزبي في مختلف أنحاء تركيا، وقدرته على مخاطبة فئات اجتماعية ذات تطلعات متباينة، في الحفاظ على موقعه في قلب الحياة السياسية على مدى ربع قرن.

ويرى أوجار أنه لولا تجربة حزب العدالة والتنمية، لربما ظلت تركيا حتى اليوم منشغلة بنقاشات لم تُحسم حول عدد من الحقوق الأساسية، كما يعتقد أن التحولات التي شهدتها البلاد في قطاعات الصحة والنقل والبنية التحتية والدفاع والتكنولوجيا لم تكن لتبلغ المستوى الذي وصلت إليه.


مصدر:TRT World
اكتشف
المسيرات في مرمى ترمب.. رسوم أمريكية تصل إلى 100%
فانس: ترمب يمتلك الكثير من الأدوات للضغط على إيران
الإمارات تدين "هجوما إيرانيا" على ناقلتين لأدنوك في مضيق هرمز
تحالف بحري ينطلق بقيادة سعودية.. 13 دولة تنضم رسميا
زيادة 45% خلال عام واحد.. قفزة في التجارة بين تركيا وسوريا
أردوغان:  إقرار البرلمان لقانون "تركيا بلا إرهاب" خطوة تاريخية ونجدد قوتنا بعالم يهتز
فيدان: اتفقنا مع مصر على خطوات جادة بشأن غزة وعلاقاتنا بمستوى ممتاز
صحيفة أمريكية: CIA شككت بمزاعم إسرائيلية حول مخطط إيراني لاغتيال ترمب بعد قمة الناتو
تركيا: نهدف إلى إنهاء اعتمادنا على الخارج في تأمين احتياجات الطاقة
السودان.. قتيلان بالأبيض والجيش يحبط هجوماً لـ"الدعم السريع" شمالي كردفان
النفط والذهب يتراجعان وسط ترقب الأسواق لتوقعات الطلب والتضخم الأمريكي
الدفاع التركية: اتفاقية مكة دفاعية وتعاون إقليمي لتعزيز أمن الملاحة في باب المندب
"الحوثي" تهاجم تعز ولحج وتعلن مقتل 7 من عناصرها.. ورئيس "الرئاسي" اليمني يرفض هدنة جديدة
توقيف 30 مشتبهاً بهم في عملية أمنية متزامنة بثلاث ولايات تركية ضد تنظيم "عليهان كروش" الإجرامي
ربع قرن من حكم "العدالة والتنمية".. كيف غيّر الحزب وجه تركيا؟