الاشتباكات مع حزب الله اللبناني.. هل تشتعل الجبهة الشمالية الإسرائيلية؟
باتت الجبهة الشمالية الإسرائيلية تشكّل قلقاً لتل أبيب بسبب رفض المستوطنين في تلك القرى والمناطق العودة إلى مناطقهم. ويرافق هذه المخاوف تجدّد الاحتقان مع حزب الله اللبناني إلى حدّ قد يكسر "قواعد الاشتباك" المعروفة على جنوب لبنان.
وصلت التطورات في لبنان، وتحديداً في جنوبه، إلى مرحلة حاسمة بين التصعيد العسكري من جهة، ومحاولات التوصل إلى تسوية كبرى برعاية دولية وإقليمية تفضي إلى إعادة الهدوء والاستقرار، من جهة أخرى.
وقد باتت الجبهة الشمالية الإسرائيلية تشكّل قلقاً لتل أبيب بسبب رفض المستوطنين في تلك القرى والمناطق العودة إلى مناطقهم قبل إيجاد حل جذري لأزمة الصراع مع حزب الله اللبناني.
القرار 1701.. لماذا لم يُنفَّذ؟
على إثر المواجهات اليومية بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وتمدّدها في الآونة الأخيرة، تعود الأسئلة حيال عدم تنفيذ القرار الأممي رقم 1701 الصادر صيف 2006.
ويعود ذلك إلى أنَّ القرار يحدّد خطوط وجود كل أطراف النزاع في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، ويتضمن "إيجاد منطقة بين الخط الأزرق جنوب لبنان ونهر الليطاني، تكون خالية من أي مسلَّحين ومُعَدّات حربية وأسلحة، عدا تلك التابعة للجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)".
وينصُّ على "التطبيق الكامل لبنود اتفاق الطائف والقرارَين 1559 و1680، بما فيها تجريد كلّ الجماعات اللبنانية والفلسطينية من سلاحها وعدم وجود قوات أجنبية إلّا بموافقة الحكومة"، مقابل "تسليم إسرائيل الأممَ المتحدة خرائط حقول الألغام التي زرعتها في لبنان".
وعن سبب عدم التزام الطرفين تنفيذ بنود الاتفاق، يشير الباحث السياسي إبراهيم ريحان إلى أن القرار 1701 لم يكن قراراً صلباً، بل اندرج في إطار اختلاق القوى الدولية لقرار دولي لإنقاذ حكومة إيهود أولمرت التي خسرت في تحقيق أهداف الحرب حينها، وتزامن القرار مع مطالبات دولية وعربية بوقف الحرب.
ويرى ريحان في حديثه مع TRT عربي أن "القرار كان لحظياً وغير قابل للتحقق على المدى الطويل".
ويلفت إلى أنّ أبرز الأسباب التي تمنع تنفيذ القرار هي استمرار احتلال إسرائيل لمزارع شبعا وقرية الغجر اللبنانية وتلال كفرشوبا، إضافة إلى وجود نقاط مختلف عليها جغرافياً بين لبنان وإسرائيل.
ويوضّح ريحان أن الصراع الإقليمي الذي زادته الأحداث في سوريا واستهداف إسرائيل المستمر لحزب الله في سوريا يعزّز عدم إمكانية تطبيق القرار واستمرار الحزب ومجموعاته في الحضور ضمن منطقة الخط الأزرق، وتخزين الصواريخ والسلاح الثقيل في المنطقة.
ويشير الباحث إلى أن المعركة الجزئية بين حزب الله وإسرائيل في جنوب لبنان لا تزال ضمن الأطر المتّبعة في قواعد الاشتباك، القائمة على الرد بالمثل، ضمن مساحة لا تتجاوز 10 كيلومترات في العمقين اللبناني والإسرائيلي.
ويبيّن ريحان أنه رغم تجاوز إسرائيل لتلك القواعد في بعض الأحيان فإنّ ما يحدث يندرج في إطار الرغبة اللبنانية والإقليمية بعدم توسع رقعة الاشتباكات.
موفدون وشروط
وفي سبيل التهدئة يستمرّ لبنان في استقبال الموفدين الأجانب والعرب، وتوالت في هذا الإطار زيارات شملت المبعوث الأمريكي لشؤون أمن الطاقة آموس هوكشتاين، والموفد الفرنسي الخاص إلى لبنان جان إيف لودريان، والموفد الدبلوماسي القطري جاسم بن فهد آل ثاني، ورئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية برنار إيمييه.
وقدَّم الموفدون مقترحات حيال الواقع الجنوبي، وكيفية وقف التصعيد ومنع انفجار الواقع الميداني، لا سيّما في ظل احتمال رغبة حكومة الحرب الإسرائيلية توجيه ضربة عسكرية إلى حزب الله وحركة حماس جنوب لبنان.
وفي المقابل تسعى الدول المنضوية في إطار اللجنة الخماسية (الولايات المتحدة وقطر والسعودية وفرنسا ومصر) إلى منع حصول أي تمدّد للحرب، وآخرها المقترحات الفرنسية والأمريكية حول الأسباب الجوهرية للصراع وإيجاد حلول مستدامة وطويلة الأمد في حلّها.
ومن هذا المنطلق يؤكّد إلياس بو صعب، نائب رئيس مجلس النواب اللبناني، الذي التقى منذ أيامٍ المبعوث الأمريكي آموس هوكشتاين في الإمارات العربية المتحدة، أنّ المسؤول الأمريكي قدّم طرحاً باسم بلاده يقوم على تثبيت ملكية لبنان للنقطة "ب 1" الواقعة في خليج الناقورة، على أن تكون منطلقاً لترسيم الحدود البرّية.
ويضيف بو صعب لـTRT عربي أن المقترح يتضمّن حلّ النقاط الـ13 المتنازع عليها، وهي نقاط التحفظ التي سجّلها لبنان رسمياً على ما يسمى "الخطّ الأزرق" الذي حددته الأمم المتحدة عام 2000، وانسحاب إسرائيل من الشطر اللبناني لقرية الغجر، وانسحاب الجانب الإسرائيلي من مزارع شبعا وتسليمها إلى قوات دولية باعتبارها متنازعاً عليها.
ويشير بو صعب إلى أن الجانب الأمريكي يعتقد أن استكمال الترسيم البحري بترسيم برّي هو الحلّ الواقعي الذي يلبّي كل المطالب لإنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل، وينهي كل أشكال الصراع مستقبلاً.
محاولات فرنسية
بدوره يؤكد مصدر رفيع في وزارة الخارجية اللبنانية أن الحكومة الفرنسية تعمل على أن تكون صاحبة دور أساسيّ في أي اتفاق سيجري الوصول إليه، وهي تنطلق في طروحاتها ممّا يقدّمه الأمريكيون مع اختلاف في الأسلوب والمقاربة.
وفي حديثه مع TRT عربي يشير مصدر فضّل عدم ذكر اسمه إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تطرح التفاوض آليةً لترتيب وضع الحدود البريّة كما جرى خلال ترسيم الحدود البحرية نهاية العام الماضي، وبالتالي تجنّب التصعيد دون اللجوء إلى التهديدات أو المطالبة بمنطقة آمنة أو عازلة.
ووفقاً للمصدر ذاته فإنّ المواقف الفرنسية تراوحت بين نقل رسائل التهديد والتحذير والمطالبة الإسرائيلية بتشكيل منطقة عازلة أو آمنة، والتركيز على مسألة انسحاب قوات الرضوان التابعة لحزب الله من جنوب الليطاني إلى شماله، وإلّا فإن إسرائيل ستعمل على شنّ حرب ضد لبنان وحزب الله.
من جهته يرى المحلّل السياسي جورج شاهين أنه جرى تسليم الفرنسيين والأمريكيين مقترحاً إسرائيلياً، وهو أن إسرائيل توافق على إبقاء حزب الله لبعض مواقع الرصد المشتركة مع الجيش اللبناني والجانب الفرنسي.
ويضيف شاهين لـTRT عربي أن إسرائيل تشترط انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع قوات فرنسية، ووجود رقابة فرنسية-أمريكية إلى جانب قوات الطوارئ الدولية على الحدود مع لبنان، على أن يجري نشر قوات أمريكية من الجانب الإسرائيلي.
كما يتضمن العرض الإسرائيلي شرطاً بـ"عدم وجود سلاح غير سلاح الجيش اللبناني جنوب منطقة نهر الليطاني".
حزب الله.. استمرار التأهب
ويؤكد مصدر مقرب من حزب الله اللبناني أنه من المستحيل التفكير بانسحاب حزب الله، وتحديداً فرقة الرضوان، من الجنوب اللبناني.
ويضيف المصدر في حديثه مع TRT عربي أنّ أيّ نقاش في كيفية إعادة الاستقرار أو تطبيق القرار الدولي 1701 ستكون مرتبطة بمرحلة ما بعد توقف الحرب على قطاع غزة.
ويشير إلى أنه بالنسبة إلى حزب الله فإنّ "منطق ما بعد الحرب على غزة يختلف عمّا قبلها، ولا بدَّ من الاستعداد والجهوزية تحسّباً لأي خطوات إسرائيلية باتجاه لبنان، مشيراً إلى أن "السؤال هو: مَن الطرف الذي سيدافع عن لبنان في حال قرر الإسرائيليون شنّ أي هجوم؟ لذلك لا يزال حزب الله يصرّ على الجهوزية الكاملة تحسباً لأي خطوات إسرائيلية".
ووفق المصدر ذاته فإنّ حزب الله يعتبر أن نتائج المعركة في قطاع غزة هي التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في لبنان.
وفي هذا الصّدد يرى مهند الحاج علي، نائب مدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أنه في ظلّ المسار الحالي للعملية الإسرائيلية في غزة سيكون مستبعداً إلى حد كبير عدم حدوث تصعيد أوسع من جانب حزب الله في لبنان.
ويضيف الحاج علي لـTRT عربي أن الإطار الزمني لمثل هذا التدخّل يضيق، وقريباً لن يكون باستطاعته التأثير في النتيجة في غزة إذا ضعفت قدرة حماس على مقاومة التوغل الإسرائيلي في الأسابيع المقبلة، فقد يتحول حزب الله إلى هدف للجيش الإسرائيلي.
ويرى أن زيادة التصعيد العسكري من جانب حزب الله قد تؤدي إلى ممارسة ضغوط أكبر على الإسرائيليين، ورفع معنويات المقاتلين الفلسطينيين في غزة، كما قد تدفع إلى تمهيد الطريق للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار من خلال التفاوض.
ويعتقد الحاج علي أن وقف إطلاق النار في غزة ولبنان هو الحصيلة التي يفضّلها حزب الله، لأنه لا يريد خفض التصعيد من جانب واحد، فيما تحتفظ إسرائيل بخيار شنّ ضربات عبر حدودها الشمالية.
ويشير إلى أن حزب الله يدرك أن الحرب الواسعة ستكون كارثية للبنان، فهو يعتقد على ما يبدو أن هذه المواجهة حتمية. لذا، من المحتمل أنه يفضّل أن يقرر التوقيت بنفسه بدلاً من أن يمنح إسرائيل تلك الورقة، حسب الحاج علي.