في خمس مرات متتالية، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فشل مجلس الأمن الدولي في إصدار قرار يُلزم إسرائيل بوقف المجاز الوحشية التي ترتكبها في قطاع غزة. في وقت، ما فتئ فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يحثّ الدول الأعضاء على إصدار القرار.
ويعود هذا الفشل إلى استمرار الدعم الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، لإسرائيل والحرب التي تقودها انتقاماً لعملية "طوفان الأقصى". فيما لا يُعدّ إخفاق المجلس في إنصاف فلسطين رهين المرحلة الجارية، بل استمر طوال 2023، ما جعلها السنة الأكثر دموية على الشعب الفلسطيني.
إخفاق وقف إطلاق النار
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، فشل مجلس الأمن مراراً في إصدار قرار بوقف إطلاق النار، هذا على الرغم من الدعوات الدولية إليه، والمظاهرات والحملات الرقمية الواسعة المطالبة به.
كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد كثّف جهوده من أجل إصدار القرار. وبلغت هذه الجهود حد استخدامه أداة قانونية نادرة، وهي تفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تعطيه صلاحية التنبيه إلى أن الحرب في غزة أصبحت تهدد السلم والاستقرار العالميين.
وجرى إسقاط أربعة مشاريع قرارات للهدنة الإنسانية في غزة، أبرزها كان مشروع القرار الذي تقدّمت به مندوبة دولة الإمارات في 6 ديسمبر/كانون الأول الجاري، والذي جرى التصويت عليه بعدها بثلاثة أيام، وسط دعم دولي واسع وضغط من الأمين العام باستخدام المادة المذكورة من ميثاق الأمم المتحدة.
وصوَّت 13 عضواً في مجلس الأمن لصالح مشروع القرار الذي قدمته الإمارات، فيما امتنعت بريطانيا عن التصويت، وأجهض استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) صدور هذا القرار.
وبرر المندوب الأمريكي انحياز بلاده لإسرائيل، بأن مشروع القرار غير متوازن "ومنفصل عن الواقع ولن يحرز أي تقدم على الأرض بأي طريقة ملموسة"، "ولن يؤدي إلا إلى زرع بذور الحرب المقبلة".
قرارات فارغة!
ومن أجل تفادي الإخفاقات التي شهدتها القرارات السابقة، جراء استخدام الفيتو الأمريكي، عمد مجلس الأمن في 19ديسمبر/كانون الأول الجاري، إلى إطالة أمد مناقشات صياغة قرار وقف إطلاق نار ثانٍ كان قد تقدمت به دولة الإمارات، بتأجيل التصويت عليه الذي كان مرتقباً يومها.
ودعا هذا المشروع إلى "وقف عاجل ومستدام للأعمال العدائية" للسماح بـ"وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق".
وفي البداية، اعتقد الدبلوماسيون أنهم قريبون جداً من التوصل إلى اتفاق، بعد أن قطعوا 99% من الطريق، لكنّ المناقشات النهائية كانت معقَّدة، وفقاً لدولة الإمارات. وصرّح دبلوماسيون، بأن النقاط الشائكة الرئيسية كانت كيفية صياغة الدعوات لوقف الأعمال العدائية، واقتراح إنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة لتفقد المساعدات التي تذهب إلى غزة.
لكنّ هذه الإطالة للمناقشات أدّت مجدداً إلى الفشل في إنصاف الفلسطينيين، بعدما انتهت الصيغة النهائية للقرار بحذف الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وعِوَضَ ذلك أبقت على المطالبة بـ"اتخاذ خطوات عاجلة للسماح فوراً بإيصال المساعدات الإنسانية بشكل موسَّع وآمن ودون عوائق".
وعلى الرغم من أن الخارجية الفلسطينية نوَّهت بالقرار، معتبرةً إياه "خطوة أولى في الاتجاه الصحيح"، انتقدته حركة حماس معتبرةً أن "القرار خطوة غير كافية ولا تلبي متطلبات الحالة الكارثية التي صنعتها آلة الإرهاب العسكرية في قطاع غزة".
واتهمت حماس، في بيانها، الولايات المتحدة بـ"العمل على تفريغ هذا القرار من جوهره وإخراجه بهذه الصيغة الهزيلة، التي تسمح للاحتلال باستكمال مهمة التدمير والقتل والإرهاب في غزة". وشددت على واجب "مجلس الأمن إلزام الاحتلال إدخال المساعدات بكميات كافية، إلى جميع مناطق القطاع".
ووصفت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أغنيس كالامار، القرار بأنه "جرى تمييعه بشكل كبير"، وأضافت أنه "من المخزي أن تتمكن الولايات المتحدة من المماطلة والتهديد باستخدام الفيتو لإجبار مجلس الأمن على إضعاف الدعوة التي تشتد الحاجة إليها".
وعلق فاسيلي نيبينزيا، المبعوث الروسي في الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية بشأن المشروع أدت إلى قرار "بلا أنياب" و"محايد".
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، في مؤتمر صحفي عقدته في العاصمة بكين، إن "القرار لا يرقى تماماً إلى مستوى التوقعات الدولية، ويحتوي على بعض الثغرات التي يجب سدها".
كيف فشل مجلس الأمن في إنصاف فلسطين خلال 2023؟
لم يكن هذا الفشل في إنصاف الفلسطينيين رهيناً بالمرحلة الأخيرة التي تعيشها غزة، بل استمر على طول عام 2023، إذ صدّق المجلس على قرارات عدة، تجرِّم الاستيطان والعنف العنصري الذي يتعرض له الفلسطينيون، وفي المقابل ظلت هذه القرارات دون أي تطبيق على أرض الواقع.
ورأى مكتب تنسيق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن عام 2023 كان الأكثر دموية بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني. إذ قُتل ما مجموعه 477 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية في الفترة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 15 ديسمبر/كانون الأول 2023.
وحتى قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، قتلت إسرائيل نحو 234 فلسطينياً في الضفة الغربية هذا العام، في حين كان المستوطنون مسؤولين عن 9 عمليات قتل أخرى.
في 19 يونيو/حزيران، شنت القوات الإسرائيلية غارات جوية في الضفة الغربية، وهو أمر لم يحدث منذ الانتفاضة الثانية عام 2000. وفي يوليو/تموز، استهدفت غارات المُسيَّرات الإسرائيلية مخيم جنين، وأسقطت الطائرات المقاتلة قنابل خلال عملية عسكرية استمرت 48 ساعة داخل المخيم.
كما كثفت إسرائيل من نهبها الأراضي الفلسطينية عبر مشاريعها الاستيطانية، على الرغم من تعهد حكومتها بتجميد ذلك النشاط مرتين على الأقل خلال العام نفسه.
وحسب معطيات حركة "السلام الآن" الإسرائيلية الرافضة للاستيطان، حصلت عليها الأناضول، فإنه منذ مطلع العام الجاري دفعت الحكومة الإسرائيلية مخططات لإقامة 12 ألفاً و885 وحدة استيطانية في الضفة الغربية. كما نشرت أيضاً مناقصات لبناء ألف و289 وحدة استيطانية، ما يرفع إجمالي عدد الوحدات إلى 14 ألفاً و44 وحدة.
كما قالت منظمة "عير عميم" (أي "مدينة الشعوب" بالعبرية) اليسارية المختصة بشؤون القدس، إن السلطات الإسرائيلية تبحث مخططات لإقامة 7 آلاف و82 وحدة استيطانية في القدس الشرقية.
وقال الخبير الفلسطيني في شؤون الاستيطان خليل التفكجي، للأناضول، إنه "لم يجرِ تجميد الاستيطان بأي شكل من الأشكال"، وأن ما يجري في الضفة هي "عملية تنفيذ واستغلال للظروف الدولية والمحلية لفرض أمر واقع على الأرض".
بل أطلقت الحكومة الإسرائيلية مخططاً يطمح لزيادة عدد المستوطنين شمال الضفة الغربية من نحو 170 ألف نسمة إلى مليون نسمة بحلول عام 2050. وتتضمن هذه الخطة، حسب وسائل إعلام عبرية، "توسيع المستوطنات القائمة لتصبح مدناً، إضافةً إلى إنشاء مدن جديدة، على أن تربط خطوط القطارات الضفة الغربية بوسط وشمال إسرائيل".



















