تتخطّى الجنوب.. ما سيناريوهات توسيع إسرائيل دائرة استهداف لبنان؟
يقول المحلل العسكري اللبناني نادر عودة إن رهان إسرائيل اليوم ينبع من تقدير مفاده أن حزب الله حريص على تجنّب الذهاب نحو حرب واسعة قد تفجّر الوضع في الشرق الأوسط
بلغت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان مدى غير مسبوق، إذ استهدف جيش الاحتلال هذه المرة معامل ومصانع في بلدة الغازية جنوبي مدينة صيدا، التي تبعد عن العاصمة بيروت بضعة كيلومترات، ويعدّ ذلك جزءاً من التصعيد الذي تشهده الجبهة الجنوبية.
على حين يعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه استهدف بنى تحتية تعود لحزب الله، وذلك رداً على إطلاق الحزب لطائرة مسيّرة مفخخة باتجاه بحيرة طبريا.
أهداف توسيع الاستهداف
واعتبر مصدر دبلوماسي لبناني (فضّل عدم الكشف عن اسمه) أن القصف الإسرائيلي الذي استهدف منطقة الغازية، وقبلها استهداف منطقة النبطية، يندرج في إطار "تطوّر المسارات الميدانية وترجمة لرفع مستوى الضغوط، وهو أمر متوقع منذ الأيام الأولى للحرب لدى القيادة السياسية اللبنانية".
ويضيف المصدر لـTRT عربي، أنه يجب الأخذ في الحسبان المرحلة التي بلغتها المعركة وانسداد الأفق السياسي بإيجاد حلول مرحلية، وفشل التهويل والضغوط الميدانية ضدّ حزب الله، في إطار ما أعلنه الجانب الإسرائيلي أنه في سياق "استراتيجية الردع الفعالة".
ويعتقد الدبلوماسي اللبناني أن "الجانب الإسرائيلي المأزوم في قطاع غزة، قد انتقل الى محاولة إرباك حسابات حزب الله عبر وضع الحزب أمام خيارات محددة، وهي إما التكيّف مع التطور الميداني الجديد وقواعد الاشتباك المعدلة، وإما الرد المتناسب الذي يدفع إسرائيل باتجاهات أكثر عنفاً، والتدحرج نحو مواجهة إقليمية كبرى، عنوانها تقليم أظفار حزب الله، لكن بالمحصلة فإن المنطقة كلها ستدخل نفقاً مظلماً سيكون الخروج منه غير متوقع".
وفي المقابل، يقول المحلل العسكري اللبناني نادر عودة، إن رهان إسرائيل اليوم ينبع من تقدير مفاده أن حزب الله حريص على تجنّب الذهاب نحو حرب واسعة قد تفجّر الوضع في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن كل ذلك "يندرج ضمن إطار التكتيك المتبع الذي تمارسه أطراف الصراع".
وفي حديثه مع TRT عربي، يرى عودة أن "حزب الله بإمكانه أن يرتقي درجة إضافية في ردوده، وينقل كرة النار إلى الحكومة الإسرائيلية، ويضعها أيضاً بين التكيّف مع هذا المستوى من الردود أو العودة الى القواعد السابقة، أو الذهاب نحو مواجهة كبرى".
ويلفت إلى أن "النتيجة الأهم في كل هذا السياق، أن حزب الله ليس في وارد القبول حتى الآن بالشروط الإسرائيلية التي ستفتح الطريق أمام تغيير جذري في المعادلة التي كرّسها الحزب منذ حرب 2006، على اعتبار أن أي اتفاق محتمل لاحقاً، سيكون محكوماً بحالة التموضع التي يرى فيها الحزب حفاظاً على قدراته العسكرية والأمنية.
ويردف: حزب الله حاسم في مسألة أنه ليس في وارد فك ارتباط جبهة لبنان عن جبهة غزة، وهو كذلك لن يقدم لإسرائيل فرصة تغيير المعادلة القائمة، تسمح له بأن يفرض معادلة حربية من طرف واحد.
رهانات حزب الله
بدوره يقول المحلل السياسي اللبناني طوني عيسى، إن "حزب الله يراهن حتى اللحظة على أن الولايات المتحدة لا يناسبها اندلاع الحرب جنوب لبنان، وما يريح الحزب أكثر أن واشنطن ولهذه الغاية تستنفر مجموعة من الدول من بينها فرنسا وبريطانيا للتوسط بين المعنيين جميعاً".
ويضيف عيسى لـTRT عربي، أن حزب الله "يراهن أيضاً على أن إسرائيل ستتجنّب حرباً واسعة ومُكلفة تشغلها في الشمال ويصعب تقدير تردداتها في الداخل، على حين تخوض حرباً مصيرية في غزة ضد حركة حماس".
ويرى أن "تقديرات حزب الله فيها جانب من الدقة، لكن يصعب المبالغة في الرهان عليه، لأن المواجهات العسكرية تفرض تحولات عسكرية وسياسية غير محسوبة أحياناً".
ويشير المحلل السياسي إلى أنه قد بات معتاداً، منذ أسابيع، بلوغ إسرائيل مناطق وراء الليطاني في النبطية وجزين وصيدا، عدا الضربة التي استهدفت القيادي في حماس صالح العاروري في منطقة الضاحية الجنوبية ببيروت.
ويؤكد عيسى أن "هذا التوسيع برقعة الاستهداف والقصف يعني أن إسرائيل تجرّأت وأسقطت الخط الأحمر السابق في شكل تدريجي، على مدى الأشهر الفائتة، وأنها بدأت تُطلق يدها للمغامرة على مداها"، مشدداً القول: "على لبنان أن يدرس الخط البياني للمواجهة الجارية مع إسرائيل بشكل أدق وأعمق".
أسباب إسرائيل وأهدافها
ومن زاوية أخرى، يعتقد المحلل السياسي اللبناني إبراهيم ريحان أن "القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل تطمح إلى تعميق ضرباتها في لبنان لأسباب عديدة، أهمها محاولة جرّ حزب الله إلى ردة فعلٍ تستهدف العمق الإسرائيلي، مثل مدينة حيفا".
ويضيف ريحان لـTRT عربي، "هذا ما تريده إسرائيل ذريعةً تغطي بها توسعة نطاق الحربِ لمحاولة جرّ إيران والولايات المُتحدة إلى اشتباك مُباشر، وتعتقد أنه سيكون لمصلحة واشنطن وتل أبيب".
ويبيّن أنه في حال لم ينزلق حزب الله إلى ما تريده حكومة نتنياهو، وهذا الأرجح، تستمر إسرائيل بضربِ "بنك الأهداف" من منشآت ومخازن واغتيال قيادات عسكرية بارزة في الحزب، وخاصة أن الأمين العام للحزب حسن نصرالله صرّح في خطابه الأخير أنّ توسعة الحرب هي هدف نتنياهو، وهو ما يعني أنه لن يُعطي الأخير مبررات لتحقيق الأهداف.
ويردف: هذا قد يؤدي إلى أن تزيد إسرائيل من استهداف العُمق اللبناني، وخصوصاً في حال استشعرَت أن حزب الله لن يرد على العمق الإسرائيلي، وهو ما يعني أن كلّ ضربة في عمق لبنان هو امتحان إسرائيلي لردة فعل الحزب، ولها ما يليها.
ويرى ريحان أن إسرائيل تُحاول أيضاً عبر تعميق الضّربات، مثل غارات منطقة الغازية، أن تضغط على حزب الله للقَبول بالحل السياسي، الذي يُؤدّي إلى إعلان تل أبيب تراجع الأخير عن الحدود، وبالتّالي إعادة النّازحين من المُستوطنين إلى منازلهم، لافتاً إلى أن ذلك "سيجنّب نتنياهو أثمان الحرب مع لبنان، ويمنحه ورقةً سياسية معنوية في إطار إعادة بناء الثقة المفقودة بين المستوطنين والقيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل".
سيناريو الحرب
ومن وجهة نظر عسكرية، يرى مدير العمليات السابق في الجيش اللبناني العميد مارون حتي، أن إمكانية الحرب مطروحة بشكل حقيقي، وخاصة أن نتنياهو يجرب من اللحظة الأولى إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بشن ضربات على حزب الله وتدمير قدرته الصاروخية والعسكرية.
ويضيف حتي لـTRT عربي، أن ما يمنع نتنياهو عن القيام بهذه الخطوة ليس ضعف القدرات العسكرية، بل عدم وجود غطاء عالمي ودولي للقيام بهذه الحرب الكبرى، التي ستكون نتائجها كارثية على الطرفين، لافتاً إلى أن "الثمن الأكبر سيدفعه لبنان؛ لأنه يعيش أزمة عميقة في اقتصاده".
ويعتقد أنه رغم ارتفاع مؤشرات الحرب، لكن من الواضح أن هدف إسرائيل الآني هو ضبط الحدود مع لبنان تماماً؛ لكي تتفرغ للحرب على حماس في غزة، بينما هدف حزب الله هو إبقاء "حرب الإشغال" مستمرة لتكريس مشروع "وحدة الساحات والجبهات".
ويتابع القول: من مصلحة إسرائيل أن يعود جنوب لبنان إلى التوازنات السابقة، لكن الحزب لا يستطيع القيام بذلك، ومن مصلحة إسرائيل التزام القرار 1701 كما جرى تنفيذه حتى اليوم، بينما يطرح الحزب رؤية جديدة للتنفيذ.
ويبيّن حتي أن الجانب الأمريكي أخذ على عاتقه إقناع حزب الله عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، بالعودة إلى التوازنات السابقة. وفي المبدأ هو لا يعترض عليه من زاوية لبنانية، لكن حرب غزة تشكل إحراجاً له.
ويشير إلى أن الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين، قد أبلغ حزب الله باستعداده للدخول في تسوية حول الحدود البرية، موازية للتسوية التي أُبرمت حول الحدود البحرية قبل عامين، ولكن بعد وقف الحرب في غزة.