تسليح المواطنين في السودان.. وصفة للمقاومة أم توسيع دائرة الحرب؟

ظهر تباين سياسي في السودان إزاء قضية تسليح المواطنين الذين دعتهم السلطات السودانية لـ"المقاومة الشعبية" لمواجهة قوات الدعم السريع، وبرز فريقان لا مجال للالتقاء بينهما.

By فريق العمل
An aerial view of the black smoke and flames at a market in Omdurman, Khartoum North, Sudan / صورة: Reuters Archive / Reuters Archive

عقب سيطرة قوات الدعم السريع المباغتة على أجزاء كبيرة من ولاية الجزيرة، استنفرت الحكومة السودانية كل المواطنين القادرين للتدريب وحمل السلاح، إذ تضاعفت أعداد المستنفرين في الولايات المهددة، وهو ما اعتبره موالون للحكومة دليلاً على وقوف الشعب وتلاحمه مع جيشه.

وكان رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد أكد في مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، دعمه للمقاومة الشعبية المسلحة، وأمر بتسليح كل من يستطيع حمل السلاح لمواجهة قوات الدعم السريع التي توسعت في ولايات أخرى خارج ولايات دارفور والخرطوم.

وظهر تباين سياسي في السودان إزاء قضية تسليح المواطنين الذين دعتهم السلطات السودانية لـ"المقاومة الشعبية" لمواجهة قوات الدعم السريع، وبرز فريقان لا مجال للالتقاء بينهما، أحدهما يرى أن تسليح المواطنين "أمر مشروع وحل ناجع لوقف التعدي والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون"، مقابل فريق آخر اعتبر الخطوة وصفة جاهزة لتحويل الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل/نيسان 2023، إلى "حرب أهلية".

مخاوف من توسّع دائرة الحرب

ويحذر عضو مجلس السيادة السابق والقيادي في قوى الحرية والتغيير "المجلس المركزي" محمد الفكي سليمان، من مغبّة تسليح المواطنين، وقال إن انتشار السلاح ينقل السودان إلى مرحلة جديدة من اتساع الحرب، وبدلاً من أن تكون حرباً بين الجيش والدعم السريع، ستتمدد نحو نطاقات جديدة.

وفي حديثه مع TRT عربي، لم يستبعد الفكي انزلاق السودان نحو "حرب أهلية" مؤكداً أن ذلك احتمال وارد في ظل الاستقطاب الكبير وخطاب الكراهية والانقسام المجتمعي.

ويردف: "قد لاحظنا هذه التجربة في ظرف سنوات قليلة في مناطق عدة بالسودان، وأدت إلى اقتتال واسع".

ويرى الفكي أن الحل بين الجيش والدعم السريع أسهل من وجود السلاح لدى أطراف أخرى، مهما كانت مبررات حمله.

خطوات حاسمة

وفي المقابل، يرى مراقبون أن الحديث عن "احتمال حدوث حرب أهلية" بعد تسليح المواطنين مجرد "فزاعة لعرقلة المقاومة الشعبية"، وأن ما حدث في الحرب الحالية من "انتهاكات يتعرض لها المدنيون على يد الدعم السريع"، فاق ما يحدث في الحروب الأهلية.

وفي هذا السياق، يقول العميد ركن متقاعد جمال الشهيد، وهو أحد قياديي المقاومة الشعبية في السودان، إن شعوراً جماعياً تشكل بصورة عفوية بضرورة "اتخاذ خطوات حاسمة ضد مليشيا الدعم السريع، بعد إقدامها على ارتكاب كل الجرائم البشعة التي يجرمها القانون الدولي الإنساني، بما فيها ارتكاب جرائم العنف الجسدي، ولذلك كان لا بدَّ من المقاومة الشعبية المسلحة ضد الظلم والظالمين".

ويوضح الشهيد لـTRT عربي، أن الهدف الأساسي من قيام المقاومة الشعبية هو مساندة القوات المسلحة السودانية في مهامها تجاه حفظ الأمن والعرض والأرض، الذين أصبحوا مستهدفين بشكل مباشر.

ويضيف أن "قوات الدعم السريع هي التي تسبّبت في قيام المقاومة الشعبية المسلحة التي انتظمت ولايات السودان المختلفة في مشهد مهيب جعلت المواطن وقواته المسلحة في خانة واحدة للقضاء على تلك المليشيا الإرهابية"، على حدّ تعبيره.

ويلفت الشهيد إلى أن التحذير من الانزلاق لحرب أهلية بسبب المقاومة الشعبية، واتهام منسوبي النظام السابق بالوقوف خلفها يأتي دائماً من الدعم السريع وحلفائهم، ولكن يغفل التحذير العامل الجوهري الذي تسبّب بنشوء المقاومة الشعبية المسلحة وهو تعدي قوات الدعم السريع على حرمات ومكتسبات المواطنين.

دوافع حمل السلاح

ويقول الفاتح دفع الله، وهو أحد المنخرطين حديثاً في المقاومة الشعبية إنه قرر مؤخراً أن يحمل السلاح بنفسه بعد استهداف الدعم السريع للمواطنين بشكل مباشر، إذ تجاوزت أفعالها السلب والنهب إلى "القتل والتهجير القسري"، كما حدث في مدينة الجنينة (أقصى غرب دارفور).

ويشير الفاتح في حديثه مع TRT عربي، إلى أنه رأى عديداً من الانتهاكات "التي فاقت طاقته على الاحتمال من قوات الدعم السريع" في ولاية الجزيرة التي ينحدر منها.

ويردف: "صحيح أن خوض الحرب من مهام القوات المسلحة، لكن الطريقة التي سقطت بها مدينة ود مدني (عاصمة ولاية الجزيرة) من دون إطلاق رصاصة واحدة، جعلتنا لا ننتظر الحماية من أي جهة كانت، لأننا لم نعد نثق إلا في بنادقنا وأسلحتنا للدفاع عن أنفسنا وأهلنا".

الدعم السريع ترد

ويقول مستشار قائد قوات الدعم السريع عمران عبد الله، إن فكرة تسليح المواطنين "بُنيت على أكذوبة"، على حدّ تعبيره، معللاً ذلك بأن المواطنين ليسوا طرفاً في الحرب الدائرة الآن في السودان.

ويشير في حديثه مع TRT عربي، إلى أن الحرب أشعلتها "فلول النظام السابق، ولم يستطيعوا حسمها، لذلك لجؤوا إلى تخويف المواطنين بأن الدعم السريع عدو لهم، ودعوه للتسليح والدفاع عن نفسه، في محاولة منهم ليظهروا، وكأنهم حريصون على مصلحة المواطنين".

ويستعرض عبد الله مخاوفهم من تسليح المواطنين قائلاً: إن تخوفنا ليس من باب إمكانية إلحاق الضرر بقواتنا في الميدان، فهذا أمر ليس وارداً، ولكن نحن لا نريد أن يقع الشعب السوداني ضحية لفلول النظام السابق.

ويرى مستشار قائد قوات الدعم السريع أن "الغرض من تسليح المواطنين ليس حمايتهم، وإنما لاستخدامهم من قِبل الفلول، ليضمنوا وجودهم في ظل هذه الحرب، وخلق فتنة بين مكونات المجتمع".

ويوصف الدعوة إلى التسليح بأنها "لتخويف المواطن السوداني من الدعم السريع، حتى يبدأ الشعب في التسلح، ومن ثم الزج به في أُتون معارك لا ناقة له فيها ولا جمل"، مشيراً إلى أن تسليح المواطنين يجعلهم يلجؤون لحسم خلافاتهم ومشاجراتهم العادية بالسلاح، ويجعل هؤلاء المسلحين أنفسهم هدفاً للمقاتلين.

ويضيف عبد الله: "نحن لا نريد للشعب السوداني البريء من هذه الحرب أن يُقتل بهذه الطريقة، ولا أن يقع ضحية، بل يجب أن نحافظ جميعاً على النسيج الاجتماعي؛ لأن التسليح الآن على أساس عنصري وجهوي، ما يحدث شرخاً واستقطاباً وسط المجتمع السوداني، لا يمكن التعايش معه".