بين نازحين وعاطلين عن العمل.. مصير الصحفيين السودانيين بعد الحرب
فقدَ الصحفيون السودانيون العاملون في الصحف الورقية وظائفهم بسبب الحرب وإتلاف ونهب وإحراق دُور الصحف والمطابع، وتدمير مباني القنوات التليفزيونية والإذاعات الخاصة والحكومية التي كانوا يتعاونون معها
أصابت الرصاصات الأولى للحرب الدائرة في السودان صبيحة 15 أبريل/نيسان 2023 الصحافة الورقية في مقتل، إذ توقّفت تماماً بسبب الحرب.
كما واجه كثير من الصحفيين السودانيين متاعب أكبر في الواقع من تلك التي اعتادوها، من قَبيل عجزهم عن توفير متطلبات الحياة الضرورية لأسرهم في ظل رحلة نزوح ولجوء قسرية ما زالت مستمرة جراء الحرب.
صحفيون تقطعت بهم السبل
تقول رئيسة تحرير صحيفة الحراك السياسي السودانية رقية الزاكي إنّ أشهر الصحفيين الآن باتوا باعة متجولين ومزارعين، مشيرة إلى أن الحرب شكلت صدمة لدى كثير من الصحفيين جعلتهم يلزمون بيوتهم بلا عمل أو بلا رغبة في العمل.
وتضيف الزاكي لـTRT عربي: "بعد أن ضاقت بالصحفيين السبل ذهبت خطاهم بعيداً عن مجال الصحافة، وبدؤوا البحث عن فرص أخرى، وبعضهم امتهن مهناً هامشية، لذلك كانت القاعدة الصحفية في طليعة ضحايا الحرب".
وإزاء هذا الوضع تغيّرت تفاصيل حياة رقية تماماً بعد اضطرارها إلى ترك العمل في الصحافة الورقية التي لم يعُد لها وجود في السودان، وعادت لممارسة هوايتها في الطبخ وتفاصيل حياتية لم تكن تجد لها وقتاً.
وفقدَ الصحفيون السودانيون العاملون في الصحف الورقية وظائفهم بسبب الحرب وإتلاف ونهب وإحراق دُور الصحف والمطابع، وتدمير مباني القنوات التليفزيونية والإذاعات الخاصة والحكومية التي كانوا يتعاونون معها.
كما تعرض كثير منهم للاعتقال وإتلاف معدّات عملهم الصحفي، بجانب اتهام بعضهم بالتحيز لصالح طرف من طرفي الحرب.
وفي وقت سابق أفادت نقابة الصحفيين السودانيين بأن الصحفيين يواجهون صعوبات عديدة تهدد حياتهم وتحدّ من دورهم في نقل الأخبار، في ظل الانتهاكات في مناطق الاشتباكات، إذ يفتقد الصحفيون وسائل الحماية الصحفية، ما أجبر بعضهم على النزوح من الخرطوم إلى ولايات أكثر أمناً، لكنهم نزحوا منها مرة أخرى بعد أن طالتها يد الحرب.
خسائر مضاعفة
ولج عدد من الصحفيين إلى ما تيسر لهم من أعمال، كل في بيئته أو المنطقة التي نزح إليها، فمنهم من عمل في الزراعة أو في مهن توصف أحياناً بـ"الهامشية"، وآخرون انخرطوا بتجربتهم الصحفية الكبيرة في أعمال تجارية بسيطة، وعملوا لبعض الوقت باعة متجولين بحثاً عن عيش كريم لهم ولأسرهم الصغيرة.
ويقول الصحفي عبود عبد الرحيم، وهو مدير تحرير لصحيفة أخبار اليوم، وقيادي في اتحاد الصحفيين، إنّ ظروف الحرب تسببت في وقف جميع الصحف الورقية وفرضت على العاملين بها واقعاً صعباً استوجب أن يسعوا بشتى السبل من أجل توفير حياة كريمة.
ويضيف عبد الرحيم لـTRT عربي أنه لجأ بعد نزوحه إلى ولاية نهر النيل للعمل في سوق مدينة عطبرة بمساعدة أحد أصدقائه الذي وفر له رأس مال للدخول في تجارة بسيطة لبيع سلع استهلاكية وخدمة تحويل الرصيد بالسوق، ولكن هذا المشروع لم يحقق ما كان متوقعاً منه من توفير الحد الأدنى من العائد المرجو.
ولم يستطِع عبد الرحيم -المدرب في مجال الحماية الصحفية- الاستمرار في المشروع بعد أن تعرض لخسائر في رأس المال، وأدرك أنه لا بديل له إلا العودة مجدداً للعمل في مهنة الصحافة التي امتلك أدواتها وأحبها رغم كل متاعبها.
ولحقت الخسائر في وقت سابق كذلك برئيس قسم الأخبار في عدد من الصحف السودانية، الصحفي حسن حميدة، عندما اتجه منذ وقت مبكر إلى زراعة القطن، لكنه تحول بعد الخسارة إلى عامل في مجال زراعة البصل بمنطقته، ورغم ذلك ما زال الأهالي من مزارعين وعمال ينادونه بالصحفي فيما يعرّف حسن نفسه كعامل لا أكثر.
وتشير تقارير صحفية إلى لجوء مئات الصحفيين السودانيين إلى مصر وقطر والإمارات هرباً من جحيم الحرب، فيما أشارت نقابة الصحفيين السودانيين عقب لقاء وفد منها مع إحدى المنظمات الحقوقية في كمبالا مؤخراً إلى لجوء أكثر من 50 صحفياً سودانياً إلى أوغندا وحدها طلباً للحماية.
مأساة غير مسبوقة
وصف د. عبد العظيم عوض، الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات الصحفية في السودان، ما حدث من توقف مطلق للصحافة الورقية والصحفيين بأنه مأساة بكل المقاييس، واعتبره أمراً غير مسبوق في تاريخ الصحافة السودانية منذ نشأتها في عام 1903، إذ كانت الحروب السابقة كلها تدور بعيداً عن المركز، ولكنها هذه المرة اندلعت من قلب الخرطوم.
ويوضح عوض في حديثه مع TRT عربي أن "الصحف أصلاً كانت مترنحة منذ ديسمبر/كانون الأول 2019، وأن الصحفيين يعانون بالفعل في السنوات الأخيرة، كما كان بعض الناشرين يبحثون عن مبرر لا يحرجهم مع القراء لوقف الصحف، وهو ما حدث منذ أول يوم في الحرب لاستحالة صدورها من الخرطوم".
وكشفت الحرب في السودان عن تمركز كل مقار ومطابع الصحف الورقية، وعددها أكثر من 30 صحيفة سياسية واجتماعية ورياضية، في العاصمة الخرطوم، فيما لا توجد صحف تصدر الآن من أي ولاية في السودان كما كان يحدث من قبل في ولايات شمال كردفان والبحر الأحمر والجزيرة.
كما أدت الحرب إلى غياب الجهة التي تمنح الترخيص لإصدار الصحف في الوقت الراهن، رغم أن مجلس الصحافة ما زال موجوداً ولا يزال الأمين العام للمجلس مكلفاً من رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، لكن أغلب الظن أنه دُمر تماماً.
"حرب من دون إعلام وطني"
وقال وزير الإعلام السوداني السابق فيصل محمد صالح إنّ مجموعة ضخمة من الصحفيين أصبحوا من غير عمل بعد أن توقفت كل المؤسسات الإعلامية تماماً بعد الحرب.
ويشير صالح في حديثه مع TRT عربي إلى أن الحرب في السودان من الحروب الغريبة، إذ تدور من غير وجود إعلام وطني، فالاعتماد الآن على الإعلام العربي والأجنبي تحديداً على الفضائيات والوكالات.
ويوضح وزير الإعلام السابق أن عدداً كبيراً من الصحفيين يعملون الآن في صحف إلكترونية بنفس تسميات صحفهم الورقية، أو في صحف إلكترونية أنشؤوها وحدهم، لكن أيضاً ليس لديهم دخل، وهم الآن في وضع معيشي صعب جداً، سواء الذين ظلوا داخل السودان أو الذين خرجوا.
ويعمل عدد قليل من الصحفيين السودانيين في مكاتب الفضائيات العربية والأجنبية والوكالات، وانضم إليهم بعد الحرب بعض الصحفيين الذين كانوا يعملون في الصحف الورقية للعمل، منتجين ومعدّين ومحررين، لكن الفرص المتاحة للعمل في مكاتب الفضائيات والوكالات بالسودان ليست كبيرة.
ويؤكد صالح أن الصحفيين الموجودين داخل السودان نزحوا إلى أماكن مختلفة، منها مدينة ود مدني التي كانت أشبه بعاصمة للصحفيين قبل أن يُهجَّروا منها مرة أخرى ويُوزَّعوا داخل وخارج السودان، حيث يعيش جزء منهم حالة من التشرد بشكل حقيقي، وأصبحوا غير قادرين على الصرف على أُسَرهم بسبب الحرب.