في هذه النصوص التي ألقاها ودوّنها الأسير المحرر والداعية ناجي الجعفراوي، يبيّن لنا كيف يتجلّى لطف الله في ذروة وحشية البشر، وكيف يشرق نور الله في أحلك ظلمات الظلم.
يُعيد ناجي عبر هذه الكلمات تعريف كثير من المعاني في عالمنا: النور والظلام، الصحة والمرض، الحرية والسجن. وكل ذلك ينطلق من اللحظة التي يتحرر فيها الإنسان من كل شيء، بما في ذلك حربته ليصل إلى تمام مرتبة الإحسان. "وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن"، سجون كثيرة نخرج منها عند دخول سجن البشر، نتجرد من كل شيء ونقف أمام الله، وفي تمام العبودية نكون في تمام الحرية.
(1)
كنز السجن
في السجن كان أغلب الأقسام لا يوجد فيها مصحف. تخيّل أن يمرّ شهر، وشهران، وسنة، وسنتان، وأنت لم تمسك كتاب الله بيدك.
تخيّل أن تكون معتاداً كل يوم أن تفتح المصحف، تقرأ، وتراجع، وتسرح بين الآيات، ثم فجأة يختفي كل ذلك.
كان الأسرى يقرؤون من صدورهم، يغمض كل واحد عينيه ويبدأ في استرجاع ما يحفظه. بعضهم لم يكن يحفظ إلا قصار السور، وبعضهم الآخر كان يسترجع صفحات وصفحات، ثم فجأة يقف؛ آية تتوقف عنده، أو كلمة تغيب عنه ولا يستطيع استحضارها. تظل تدور في رأسه، وهو يعلم أنه يحفظها، لكنه لا يستطيع استرجاعها. يحاول مرة ومرتين ومرات، ويستعيذ بالله من الشيطان، ومع ذلك لا يتمكن من تذكرها.
في تلك اللحظة تماماً أدركت أن الله "قد أحسن بي"، وأدركت كم هي عظيمة نعمة أن يكون المصحف محفوظاً في صدرك.
هل أخبركم ماذا كان الأسرى يسمّون الغرفة التي يوجد فيها حافظ لكتاب الله؟ كانوا يسمونها "الغرفة الكنز"، لأن الله تفضّل على هذه الغرفة وأنعم عليها بأن فيها من يحفظ القرآن، فمن يتوقف عند آية يجد على الفور من يحل له مشكلته.
كم شعرت بإحسان الله إليّ، فالقرآن لم يكن إلا أماناً وتثبيتاً، وصاحباً مؤنساً في هذا الطريق الصعب.
كنت أقول بيني وبين نفسي: يا رب، لقد أحسنتَ بي حين يسّرت لي قبل الأسر أن أحفظ كتابك.
لو لم أكن حفظته، فكيف كان سيمر هذا الليل الطويل؟
اليوم المصحف بين أيدينا في كل مكان: في البيت، وفي المسجد، وفي الجوال الذي نمسكه بأيدينا طوال الوقت.
لكن هل نشعر بقيمته فعلاً؟
لقد علّمني السجن أن أعظم ما يمكن أن تملكه هو شيء لا يستطيع أحد أن ينتزعه منك.
وقد أحسن بي إذ جعل في صدري قرآناً، كان لي وطناً حين ضاقت عليّ الأرض بما رحبت.
(2)
أرواح مكسورة يتكئ بعضها على بعض
في إحدى ليالي سجن عوفر تدهور وضعي الصحي بسبب الإهمال الطبي المتعمّد، وصرت طريح الفراش، عاجزاً حتى عن الجلوس. في هذه الليلة لم ينَم أحد في الغرفة، أحد الشباب ظل يضرب على الباب الحديدي ويصرخ في السجّان حتى يأتوا بطبيب، وشاب آخر خلع بطانيته رغم البرد ووضَعها فوقي، وآخر جلس عند رأسي، لا يملك إلا الدعاء، فاكتفى بأن يرفع يديه ويتمتم ببعض الآيات والدعوات.
لم يكونوا يستطيعون تغيير شيء من الواقع، لكنهم كانوا يحاولون تغيير شعوري به. حينها أدركت كم أحسن الله بي حين لم يجعل مرضي مواجهة فردية، بل ابتلاءً نتقاسمه جميعاً معاً.
كانت الصحبة الصالحة في السجن شكلاً آخر من أشكال النجاة. كنت أرى كيف يمكن لروح إنسان واحد أن تضيء قسماً كاملاً، وكيف يمكن لابتسامة صادقة أن تتحول إلى مساحة أمان وسط هذا القهر المتراكم.
أنا هنا لا أتحدث عن الصحبة بمعناها الاجتماعي فقط، بل عن الصحبة كمعنى وجودي للبقاء.
كنا نكتشف بعضنا كما يكتشف الإنسان نفسه لأول مرة، هنا لا مكان للمجاملات أو الأدوار الاجتماعية، ولا شيء سوى أرواح مكسورة تحاول أن يتكئ بعضها على بعض حتى لا تسقط في هاوية الوحدة.
إذا حفظ أحدنا آية كان يسارع ليصبّر بها قلب رفيقه، وآخر يتذكر قصة من السيرة فيجعلها نافذة يطل منها الجميع على أفق أوسع من الجدران، وأسير ثالث يهمس بدعاء قصير كأنه يمرر سكينة من قلب إلى قلب آخر.
هنا أدركت كم أحسن الله بي حين لم يتركني فريسة لوحش الوحدة يأكل عقلي ببطء، وأحاطني بصحبة تهوّن على القلب محنة السجن.
في السجن لم تكن الصحبة الصالحة مجرد وجود أجساد حولي، بل كانت سنداً خفياً يخفف ثقل الأيام حين يشتد الليل، ويجعل القيد أقل قسوة على الروح وإن بقي قاسياً على الجسد.
كنت أشعر أن الله يرسل إليّ عبر وجوه رفاقي رسالة خاصة: إنك لست وحدك، حتى حين يبدو العالم كله غائباً عنك.
قد أحسن بي ربي حين وضع إلى جواري قلوباً تعرف كيف تحرس قلباً آخر من الانكسار.
(3)
من سديه تيمان.. مليون صلاة وسلام إلى رسول الله
في يوم جمعة من أيام رمضان عام 2024، داخل أحد أقسام سجن سديه تيمان، قرر الأسرى أن ينتصروا على السجن والسجّان بطريقة مختلفة، فقالوا: “هذا اليوم نجعله لله فقط”. اتفقوا على ألا يتكلم أحد إلا بذكر الله، فلا حديث عن الألم، ولا شكوى من ظروف الاعتقال، ولا حكايات عن مآسي الحرب، بل ذكر الله فقط، وتحديداً الصلاة على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.
في هذا المكان كان الكلام ممنوعاً أصلاً، ولا يستطيع الأسير حتى أن يتهامس مع الذي بجانبه؛ أي إنّ الصمت كان نوعاً من أنواع التعذيب، لكننا قررنا أن نحوّل الصمت إلى عبادة.
بدأنا نردد في قلوبنا، ومن دون تحريك شفاهنا: "اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد". كان كل أسير يَعُدّ على أصابعه، وقلبه معلّق بالله، ومع غروب شمس ذلك اليوم كان القسم، الذي يضم نحو مئة وعشرين أسيراً، قد سجّل ما يزيد على مليون صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
"مليون مرة".. ارتفعت فيها الأسماء إلى السماء من داخل مكان صُمِّم لتُطفأ فيه الأرواح. في تلك اللحظة أدركت أحد أوجه قوله جل وعلا: "وقد أحسنَ بي".
أحسن الله بنا حين لم يمنع عنا طريق طاعته، حتى ونحن محاصرون بألف قيد وقيد.
أحسن بنا حين جعل الذِّكْر أوسع من القيد، والدعاء أوسع من الزنزانة، والقرب منه أوسع من كل مسافات الأرض.
هناك، وفي ذلك اليوم، لم نكن نَعُدّ الساعات لانقضاء يوم الصيام، بل كنا نَعُدّ حسنات لا يستطيع أحد أن يسلبها منا.
تعلّمنا أن الله قد يحرمك بعض متع الحياة، لكنه لا يحرمك أهم ما فيها: ذِكْره والطريق إليه.
أحسن بنا إذ جعل طاعته ممكنة،
حتى حين كان كل شيء مستحيلاً.
(4)
في ظلام سديه تيمان.. وجدنا نور الله
في سجن سديه تيمان لم يكن المقصود أن تُسجَن فقط، بل أن يُسلَب منك كل شيء: حريتك، وكرامتك، وإحساسك بذاتك، وحتى قدرتك على أن ترى النور.
كنا مقيَّدين ومعصوبي الأعين على مدار الساعة، ليس يوماً أو يومين أو ثلاثة، بل أشهراً عديدة ونحن على هذه الحال. تخيّل أن لا ترى وجه من يتحدث معك، هذا إن استطاع أن يحدثك أصلاً.
لم نكن نعرف إن كانت الدنيا ليلاً أم نهاراً، حتى إننا لم نكن نعرف إن كان الوقت رمضان أم عيداً، إلا إذا أخبرونا هم بذلك. حرفياً كنا محرومين من الإحساس بالزمان أو المكان أو الاتجاه.
مئة يوم في هذا الجحيم المصمَّم ليكسرك، كل شيء كان ممنوعاً: الحركة، والكلام، والنظر، وفوق كل ذلك تتعرض لقمع وتعذيب يومي.
في وسط هذا السلب الكامل اكتشفت شيئاً لم يستطع السجّان الوصول إليه. اكتشفت أنه حين تُعصَب العين تنفتح في داخلك نافذة بصر أخرى، أو بالأحرى بصيرة، وحين تُغلَق كل الأبواب عليك تنفتح مسافة خفية بينك وبين الله.
في هذا المكان بالتحديد كنت مجرد إنسان ضعيف مسلوب الإرادة لا يملك شيئاً، وفي هذه الحال تحديداً كانت المعية أوضح ما تكون.
كنت أردد في قلبي آيات أحفظها، ومجرد أن أرددها كنت أشعر أنني لست وحدي، وأن هناك لطفاً لا يُرى، وسكينة لا يمكن تفسيرها، وثباتاً لا يأتي من الجسد.
حينها أدركت معنى: "لا تحزن إن الله معنا".
فالله معك، ليس فقط حين تكون قوياً، ولا حين تكون منتصراً، بل إن معية الله تأتي في أصعب الظروف، حين تُسلب منك كل أسباب القوة. "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة".
أراد السجّان أن يسلب مني ومن إخواني الأسرى حتى أبسط مقومات إنسانيتنا، لكن الله أحسن بي حين ذكّرني أن قيمتي ليست فيما أملك، بل في صلتي وتعلقي به جل وعلا.
نعم، قيّدوا الأيدي، لكنهم لم يستطيعوا تقييد قلبي.
ونعم، عصبوا عيني، لكنهم لم يستطيعوا أن يحجبوا النور عن صدري.
مئة يوم أرادوا فيها أن أنكسر، لكن الله أحسن بي فجعل معيته جبراً.
هناك، في العتمة الكاملة، تعلّمت أن القرب من الله لا يحتاج إلى مساحة، ولا إلى حرية حركة، وإنما يحتاج فقط إلى قلب صادق وإرادة.
أرادوا أن يأخذوا مني كل شيء،
فاكتشفت أن الشيء الوحيد الذي أحتاج إليه كان معي.
(5)
في ظلام السجن.. قلب تائه يجد الله
دخل علينا الزنزانة شاب اعتُقل على أحد الحواجز. كان غاضباً من كل شيء، يسبّ ويلعن ويشتم اليوم الذي ساقه إلى هذا المكان. ومن كلامه فهمنا أنه كان معتقلاً سابقاً في سجون غزة بقضية الاتجار بالمخدرات.
لم يكن يصلي، ولم يكن يحفظ شيئاً من القرآن، حتى الفاتحة، وكان الغضب والنرفزة ملازمين له طوال الوقت.
في الأيام الأولى كان أغلب وقته صراخاً، لكن الأسرى لم يتركوه على حاله، وصبروا عليه لهدف أسمى، وهو هدايته وإصلاح حاله.
لم نحاصره بالمواعظ والدروس والحديث عن الحلال والحرام، بل صنعنا حوله هالة من الرفق. فإذا علا صوته خفّضنا أصواتنا، وإذا انفعل ابتسم له أحد الأسرى في وجهه، وكان إذا شتم ندعو له في سرّنا، ونحن نعلم أننا في كرب وأن دعاءنا مستجاب.
كنا ندرك أن وراء الغضب كسرةً لم تُداوَ بعدُ. وفي ليلة من الليالي كان شارد الذهن على غير عادته، ثم سأل بهدوء:
"كيف تصلّون هكذا؟".
أحد الإخوة علّمه الفاتحة من جديد، وآخَر أخذ بيده في مخارج الحروف، وثالث كان يُحفّظه قصار السور آية آية، حتى صار صوته يتغير، وكأن القرآن يُعيد ترتيب شيء عميق في داخله.
بدأ يصلي معنا، في البداية بتردد، ثم صار ينتظر الأذان كأنه موعد نجاة، ثم صار لا ينام الليل انتظاراً للثلث الأخير منه. تخيّلوا، صار هو الذي يوقظنا لنصلي قيام الليل!
لم يتغير في يوم وليلة، شيئاً فشيئاً رأينا غضبه يخف، وملامح وجهه تلين، واللسان الذي كان يسب ويلعن طوال اليوم صار يردد الذكر والصلاة على النبي طوال اليوم.
يومها لم أكن أنا وحدي، بل كل الغرفة، فهمنا معنى آخر لأن يُحسِن الله بنا، فالله أحسن برفيقنا حين ساقه إلى السجن ليهديه، وأحسن بنا حين جعلنا سبباً في هداية هذا الشاب بصبرنا عليه وتعليمه القرآن والصلاة والعبادة.
ربما لم يكن لكل منا مرجعية في الدعوة، ولم نكن علماء في الشريعة، لكننا كنا نحاول أن نطبق قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النَّعم".
قد أحسن بنا حين جعلَنا سبباً في هداية رجل.
وقد أحسن بي إذ أراني كيف يمكن لقلب تائه أن يجد طريقه إلى الله في هذه الظروف القاهرة.
وقد أحسن بي حين علّمني أنّ أعظم ما قد يمنحه الله للإنسان ليس أن يخرجه من السجن، ولكن أن يخرج السجن من قلبه، ويخرجه من سجن الهوى والشيطان.
أحسن بي إذ أراني رحمةً من رحماته، حين أنقذ قلباً كان على حافة الهلاك.


















