إسقاط قيصر يفتح الباب أمام فجر سوري جديد

في خطوة تاريخية تتجاوز مجرد الإجراءات التشريعية الروتينية، صوّت مجلس النواب الأمريكي في العاشر من ديسمبر/كانون الأول 2025 بأغلبية ساحقة لصالح إلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، ضمن مخرجات قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026.

By محمد سرميني
هذا القرار، الذي ينتظر توقيع ترمب، لا يمثل مجرد تعديل في اللوائح العقابية الأمريكية، بل يُعد إعلاناً رسمياً عن نهاية الحقبة السوداء / Reuters

هذا القرار، الذي ينتظر توقيع الرئيس دونالد ترمب، لا يمثل مجرد تعديل في اللوائح العقابية الأمريكية، بل يُعَدّ إعلاناً رسمياً عن نهاية الحقبة السوداء لعزلة سوريا الاقتصادية، واعترافاً دولياً بشرعية "العهد الجديد" الذي تشكَّل بعد سقوط نظام الأسد، لتبدأ دمشق رحلة شاقة ولكن واعدة، للتحول من "دولة مارقة" ومنبوذة، إلى "سوق واعدة" وورشة إعمار عالمية.

لم يكن قانون قيصر الذي سُنّ عام 2019 مجرد عقوبات اقتصادية، بل كان أداة ضغط قصوى استهدفت خنق الآلة العسكرية للنظام البائد وحلفائه. لكن، ومع طي صفحة الماضي وسقوط النظام، تحوّل هذا القانون من "سوط" للعقاب إلى "قيد" يكبّل الحكومة السورية الجديدة ويعوق جهودها في تحقيق الاستقرار. 

وتدرك واشنطن اليوم أن استمرار العقوبات على "سوريا الجديدة" لم يعُد يخدم مصالحها الاستراتيجية، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تعوق ترسيخ الديمقراطية الناشئة. لذا، جاء التصويت ليعكس تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية: الانتقال من استراتيجية "الخنق الاقتصادي" إلى استراتيجية "دعم الانتقال الديمقراطي". فالولايات المتحدة تدرك أن سوريا المستقرة اقتصادياً هي الضمانة الوحيدة لمنع عودة التطرف، وتجفيف منابع الفوضى التي سمحت سابقاً بانتشار الميليشيات الإيرانية وتنظيم داعش الإرهابي وتجارة الكبتاغون.

أولى ثمار هذا الإلغاء، وأكثرها حيوية، تتمثل في إعادة ربط البنك المركزي السوري ومنظومة المصارف المحلية بنظام سويفت العالمي، فقد عاشت سوريا لسنوات طويلة تحت وطأة "اقتصاد الكاش" والتحويلات غير النظامية، مما جعل تمويل المشاريع الكبرى مستحيلاً. 

اليوم، يتيح رفع العقوبات للحكومة السورية الجلوس على طاولة المفاوضات مع صندوق النقد والبنك الدوليين للحصول على قروض هيكلية كانت "مستحيلة قانونياً" في السابق. 

هذه السيولة النقدية المتوقعة، وفتح الاعتمادات المستندية، هما الركيزتان الأساسيتان لإدارة فاتورة إعادة الإعمار التي تقدرها الأمم المتحدة بنحو 400 مليار دولار، بالإضافة إلى دورهما الحاسم في لجم تدهور العملة الوطنية واستعادة الثقة بالليرة السورية.

ولطالما مثّلت "العقوبات الثانوية" التي يفرضها قانون قيصر "فزاعة" للمستثمرين؛ حيث كانت تلاحق أي طرف ثالث يتعامل مع دمشق. ومع تبخر هذا الخطر القانوني يتحول تصنيف سوريا الاستثماري من "منطقة محظورة كلياً" إلى "منطقة ذات مخاطر قابلة للإدارة". من المتوقع أن نشهد ما يشبه "حمى الذهب" في ثلاثة قطاعات رئيسية كانت تعاني من الشلل التام:

1. قطاع الطاقة: باتت الحكومة قادرة قانونياً على استيراد التوربينات والمعدّات الثقيلة والتكنولوجيا اللازمة لإصلاح شبكة الكهرباء المتهالكة دون أن تخشى الشركات الموردة (مثل سيمنز أو جنرال إلكتريك) من غرامات الخزانة الأمريكية. إصلاح الشبكة الكهربائية هو "الخطوة رقم واحد" لأي نهضة صناعية.

2. الإنشاءات والإعمار: مدن بأكملها تحتاج إلى إعادة بناء. ومع زوال المخاطر، ستتجرأ شركات المقاولات التركية (المعروفة بخبرتها الإقليمية) وصناديق الاستثمار الخليجية على ضخ الأموال في مشاريع البنية التحتية والمجمعات السكنية.

3. الاتصالات: تحديث البنية التحتية لشبكات الجيل الرابع والخامس، وهو قطاع حيوي لجذب الاستثمارات التكنولوجية والخدمية.

على الصعيد الإنساني، دفع المواطن السوري الثمن الأعلى للعقوبات التي تحولت إلى سيف مسلط على رقاب الفقراء بدلاً من الجناة. 

ويحمل إلغاء القانون بشائر انفراج تدريجي في أزمة المعيشة الخانقة عبر مسارين: الأول هو انخفاض تكاليف الاستيراد، ففي ظل العقوبات كان التجار يضيفون "علاوة مخاطر" هائلة لتغطية تكاليف التهريب والالتفاف على القوانين، مما رفع أسعار الغذاء والدواء والوقود. اليوم، ومع عودة الشحن الرسمي المباشر ستختفي هذه التكلفة الإضافية، مما ينعكس نظرياً انخفاضاً في أسعار السلع الأساسية. 

والثاني، وهو الأسرع تأثيراً، يتمثل في تدفق الحوالات المالية. فالمغتربون السوريون الذين كانوا يجدون صعوبة بالغة في إرسال الأموال إلى أهاليهم سيتمكنون قريباً من استخدام القنوات الرسمية (بنوك، ويسترن يونيون) بحرّية، مما يضخ سيولة نقدية مباشرة في جيوب الأُسَر السورية، وينعش القوة الشرائية في الأسواق المحلية.

ورغم هذه الآفاق الواعدة فإنّ إلغاء قانون قيصر ليس "عصا سحرية" تحل المشكلات بلمسة واحدة. الكرة الآن في ملعب الحكومة السورية، فرفع العبء الخارجي يضع السلطة أمام استحقاقاتها الداخلية. التعافي المستدام يتطلب "بنية تحتية تشريعية" موازية للبنية العمرانية. المستثمر الأجنبي، وإن زالت مخاوفه من العقوبات الأمريكية، لا يزال يخشى الفساد، والبيروقراطية، وغياب الأمن. 

ويتوجب على الحكومة استغلال هذا الانفتاح لِسَنّ قوانين شفافة تحمي الاستثمار، وإصلاح النظام القضائي، وتوفير ضمانات حكومية سيادية للمشاريع الكبرى. كما أن التحديات الأمنية وبقايا فوضى السلاح تتطلب قبضة حديدية لفرض هيبة الدولة، فلا اقتصاد ينمو تحت ظلال البنادق المنفلتة.

في الختام، يمكن القول إنّ قرار رفع عقوبات قيصر يمثل شهادة ميلاد اقتصادية للدولة السورية الجديدة، وتتويجاً لجهود دبلوماسية مضنية قادتها الحكومة بدعم قوي ومؤثر من تركيا والسعودية ودولة قطر، وهو ما كان له أثر بالغ في إقناع صناع القرار في واشنطن بضرورة طي صفحة العقوبات لدعم الاستقرار الإقليمي. 

هذا الانتصار الدبلوماسي يفتح الأبواب واسعة أمام دوران عجلة التنمية الحقيقية. سوريا، التي كانت بالأمس القريب ساحة للحروب بالوكالة ومصدراً للأزمات، تقف اليوم على أعتاب تحولها إلى جسر تجاري يربط أوروبا بالشرق الأوسط، وورشة عمل كبرى تعيد ضخ الحياة في شرايين المدن المدمرة. 

إنّ الطريق لا يزال طويلاً، لكن القيود قد كُسرت، والضوء في نهاية النفق بات ساطعاً أكثر من أي وقت مضى.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها، ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.