من مزارع فقير إلى أخطر زعيم "كارتل".. ما قصة صعود وسقوط "إل مينشو" في المكسيك؟

بعد ساعات من مقتل زعيم "كارتل خاليسكو الجيل الجديد" في المكسيك، نيميسيو أوسيغيرا المعروف باسم "إل مينشو"، في غارة عسكرية نفذتها القوات الحكومية أمس الأحد، أقدم مسلحون يُشتبه في أنهم من أنصاره على إغلاق طرق سريعة بعدة ولايات.

By
أقدم مسلحون يُشتبه في أنهم من أنصار الكارتال على إغلاق طرق سريعة في عدة ولايات وإضرام النار في سيارات ومحال تجارية. / Reuters

وفي عدد من المدن، طُلب من السكان والسياح البقاء في منازلهم، بينما صدرت توصيات لسائقي الشاحنات باستخدام طرق آمنة أو العودة إلى ساحات عملهم إلى حين انحسار أعمال العنف.

وألغت شركات طيران عدة، بينها "إير كندا" و"يونايتد إيرلاينز" والخطوط الجوية المكسيكية، رحلاتها أمس الأحد إلى بويرتو فالارتا، المنتجع الساحلي المطل على المحيط الهادئ، حيث أظهرت مقاطع مصورة التقطها سياح أعمدة دخان كثيفة تتصاعد في السماء جراء الحرائق.

وقال أحد عناصر "كارتل خاليسكو الجيل الجديد" لوكالة رويترز إن عمليات الحرق وإطلاق النار المتقطع جاءت انتقاماً لمقتل أوسيغيرا على يد القوات الحكومية، ملوحاً بمزيد من العنف مع تحرك جماعات داخلية للسيطرة على التنظيم.

وأضاف الشخص، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن الهجمات نُفذت "انتقاماً لمقتل الزعيم، في البداية ضد الحكومة وبسبب السخط"، مشيراً إلى أن المرحلة التالية قد تشهد "عمليات قتل داخلية من قبل جماعات تسعى لبسط نفوذها".

وفي بويرتو فالارتا، التي تبعد نحو خمس ساعات بالسيارة عن بلدة تابالبا حيث قُتل أوسيغيرا، ساد الذهول بين المصطافين على الرصيف البحري، حيث أخرجوا هواتفهم لتصوير سحب الدخان التي حجبت زرقة المحيط، وفق مقطع مصور جرى تداوله.

وفي ولاية خاليسكو، أفادت السلطات بأن مسلحين هاجموا قاعدة للشرطة العسكرية التابعة للحرس الوطني، فيما نُصح نزلاء الفنادق بالبقاء داخلها، وجرى تعليق خدمات النقل العام في بعض المناطق.

وأظهرت مقاطع مصورة، شاركتها مصادر أمنية حكومية مع رويترز، مشاهد لتحركات عسكرية بينها دبابة خضراء تشق طريقها عبر حي سكني في ولاية أغواسكالينتيس، إضافة إلى حواجز طرق عطلت حركة المرور على طريق مكسيكو–بوبلا الذي يشهد كثافة مرورية عالية.

وفي ولاية كوليما، أغلق أفراد من العصابة الطريق باستخدام شاحنات صغيرة.

وأعربت مجموعة صناعية عاملة في قطاع النقل بالشاحنات عن "قلقها البالغ" إزاء أعمال العنف على الطرق السريعة، وأوصت سائقي الشاحنات بالبقاء في مناطق آمنة أو العودة إلى ساحات العمل إلى أن تتحسن الأوضاع.

وأقرت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، بوقوع أعمال العنف في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها أشارت إلى أن "الأنشطة تسير بشكل طبيعي تماماً في معظم أنحاء البلاد".

ويرى الملحق العسكري الأمريكي السابق في مكسيكو سيتي مايك بورغوين، في حديث لصحيفة وول ستريت جورنال، أن مقتل أوسيغيرا يمثل تحدياً فورياً للسلطات المكسيكية، في وقت تخوض فيه الحكومة صراعاً دامياً داخل كارتل سينالوا، وقد تواجه نزاعاً أوسع في خاليسكو.

وقال بورغوين: "على الحكومة أن تملأ هذا الفراغ، وإلا سيتفكك التنظيم. سيكون اقتتال داخلي ومزيد من العنف".

من أوسيغيرا؟ 

وُلد نيميسيو أوسيغيرا عام 1966 لأسرة مزارعين فقراء في المكسيك، وانتقل في شبابه إلى ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث وُجهت إليه تهمتان بالاتجار بالمخدرات. وبعد إدانته في إحدى القضايا، قضى نحو ثلاث سنوات في سجن بكاليفورنيا قبل أن يُرحّل إلى بلاده، وفق ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز". وعقب عودته، عمل لفترة قصيرة في جهاز الشرطة المكسيكي، قبل أن ينخرط مجدداً في عالم الجريمة المنظمة.

وفي عام 1996 تزوج من روزاليندا غونزاليس فالنسيا، قريبة أحد زعماء العصابات النافذين، ما عزز موقعه داخل شبكات الجريمة. وتحالف لاحقاً مع قيادي بارز في كارتل سينالوا، قبل أن يقود مجموعة منشقة تحولت لاحقاً إلى كارتل "خاليسكو الجيل الجديد"، الذي أصبح أحد أقوى التنظيمات الإجرامية في البلاد بحلول عام 2011.

ومع صعود نفوذ التنظيم، اكتسب أوسيغيرا سمعة واسعة بسبب هجماته الجريئة على قوات الأمن وترويع المجتمعات المحلية. وكانت الولايات المتحدة قد رصدت مكافأة قدرها 15 مليون دولار مقابل معلومات تقود إلى اعتقاله.

ورغم سجله الدموي، أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن أوسيغيرا كان يُحتفى به في بعض الأغاني الشعبية بلقب "السيد مينتشو"، كما نظر إليه بعض سكان خاليسكو كشخصية أبوية تقدم مساعدات اجتماعية، إذ كان الكارتل ينظم احتفالات ويوزع الغذاء والدواء والألعاب على الفقراء في مناطق نفوذه.

وفي السنوات الأخيرة، تحالف أوسيغيرا مع فصيل من كارتل سينالوا يُعرف باسم "تشابيتوس"، المنخرط في صراع داخلي مع جناح منافس، في خطوة عكست تعقيد شبكة التحالفات داخل عالم الكارتلات.

ويُعد كارتل خاليسكو تنظيماً ذا طابع عائلي. فقد كان شقيقه أنطونيو، الملقب بـ"توني مونتانا"، مسؤولاً عن تأمين الأسلحة الثقيلة، قبل اعتقاله عام 2022 وترحيله إلى الولايات المتحدة ضمن مجموعة من 29 من زعماء المخدرات. كما صدر حكم بالسجن المؤبد في واشنطن العام الماضي بحق أحد أبناء أوسيغيرا، الذي كان من قيادات الكارتل، بتهمة الاتجار بالمخدرات.

وقالت السلطات إن أوسيغيرا استعان بعناصر سابقين من القوات الخاصة الكولومبية، وكان يتحرك في موكب صغير من مركبات مدرعة مجهزة للتصدي للهجمات.

وفي عام 2020، نفذ أكثر من عشرين مسلحاً من كارتل خاليسكو هجوماً واسعاً بإطلاق أكثر من 400 طلقة على سيارة مدرعة كانت تقل عمر غارسيا هارفوش، الذي يشغل حالياً منصب وزير الأمن في حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم، في واحدة من أبرز العمليات التي نُسبت إلى التنظيم.

وتأسس كارتل خاليسكو الجيل الجديد عام 2009 عقب انشقاقه عن كارتل سينالوا، وسرعان ما تحول إلى أحد أبرز وأقوى تنظيمات تهريب المخدرات في المكسيك. 

ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، ينشط التنظيم في عدد من الولايات المكسيكية، حيث يخوض مواجهات متواصلة مع جماعات منافسة، وينقل المخدرات الاصطناعية، بما في ذلك الكوكايين والميثامفيتامين، وفي السنوات الأخيرة الفنتانيل، إلى الولايات المتحدة وأسواق دولية أخرى.

وبحسب تقديرات أمريكية، يضم الكارتل ما بين 15 ألفاً و20 ألف عنصر، ويجني عائدات سنوية تقدر بمليارات الدولارات. 

ويعتمد التنظيم على العنف المفرط وأساليب الترهيب لترسيخ نفوذه، بما في ذلك تنفيذ إعدامات علنية وعرض الجثث في أماكن عامة، إلى جانب نشر مواد دعائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 كما تورط في استهداف سياسيين وقضاة وأفراد من قوات الأمن في هجمات وعمليات اغتيال. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد صنفته العام الماضي منظمة إرهابية أجنبية، في خطوة تعكس تصاعد خطورته وتأثيره العابر للحدود.