وتشير المعطيات إلى أن معظم هذه الهجمات استهدفت مركبات عسكرية، ولا سيما ناقلات الجند المدرعة "نامر" ودبابات ميركافا، في مؤشر على تركيز متزايد على استنزاف القدرات المدرعة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق توسّع استخدام هذه التكنولوجيا، التي سبق أن وظّفها الحزب بشكل محدود منذ عام 2024، قبل أن تتحول إلى أداة أكثر حضوراً وتأثيراً في ساحة المواجهة الحالية.
بالتوازي، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تثبيت وجوده داخل ما يصفه بـ"منطقة أمنية" بعمق يصل إلى 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تمتد من الساحل المتوسطي غرباً حتى منطقة جبل الشيخ شرقاً، في محاولة للحد من التهديدات على حدوده الشمالية.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، الاثنين، بمقتل جندي دبابات برتبة رقيب، هو عيدان فوكس، في هجوم بطائرة مسيّرة مفخخة قرب قرية الطيبة، إضافة إلى إصابة ستة جنود آخرين، بينهم ضابط وثلاثة بحالة خطيرة.
وبحسب الصحيفة، باتت الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله تمثل تحدياً تكتيكياً متصاعداً أمام الجيش الإسرائيلي، الذي لم ينجح حتى الآن في إيجاد حل فعّال لمواجهتها، في ظل تزامن هذا التهديد مع العمليات البرية في جنوب لبنان.
وفي تطور ميداني موازٍ، قرر رؤساء مجالس مستوطنات إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية تعليق الدراسة وحركة الحافلات اعتباراً من الثلاثاء، وسط استمرار رد حزب الله بالصواريخ والطائرات المسيّرة على خروقات تل أبيب للهدنة، وفق ما أفادت به هيئة البث الإسرائيلية الرسمية.
ضد التشويش
برزت الطائرات المسيّرة الموجّهة بالألياف الضوئية كأحد أبرز أدوات القتال في الحرب الروسية الأوكرانية، نظراً لقدرتها على التوغل لمسافات تصل إلى 20 كيلومتراً داخل خطوط الخصم وتنفيذ ضربات دقيقة مدعومة ببث مرئي عالي الدقة. وتعتمد هذه الطائرات على كابل بصري يمتد حتى 20 كيلومتراً، ما يتيح لها التحليق على ارتفاعات منخفضة، ويمنحها قدرة أكبر على تفادي الرصد والاعتراض.
وتُظهر المعطيات الميدانية أن أنظمة الحرب الإلكترونية تمكنت من إسقاط ما بين 75% و90% من الطائرات المسيّرة التقليدية، عبر التشويش على إشارات التحكم اللاسلكية. في المقابل، تتجاوز الطائرات الموجّهة بالألياف الضوئية هذا النوع من التهديدات، لكونها لا تعتمد على الاتصال الراديوي، ما يجعلها عملياً محصّنة ضد التشويش، وقادرة على نقل بث مرئي مستقر وعالي الجودة.
ويعتمد نظام تشغيل هذه الطائرات على بكرة ألياف ضوئية تنفك تدريجياً أثناء الطيران، بما يضمن الحفاظ على اتصال مباشر وآمن بين المشغّل والطائرة، حيث تُنقل الأوامر وبيانات الفيديو عبر إشارات ضوئية عالية السرعة. كما يسهم التحليق على ارتفاعات منخفضة في تعزيز قدرتها على تجاوز العوائق وتقليل فرص التعرض لنيران الدفاع الجوي.
وتوفر الطائرات المزودة بكاميرات عالية الدقة إمكانات متقدمة في مهام الاستطلاع وتحديد مواقع الخصم، إلى جانب استخدامها في الهجمات عبر تزويدها بقنابل أو رؤوس حربية مضادة للدروع.
ومع ذلك، تفرض هذه التقنية مجموعة من القيود التشغيلية، من أبرزها زيادة الوزن الناتج عن الكابل، ما يحدّ من المدى الفعلي، إضافة إلى بطء السرعة مقارنة بالطائرات اللاسلكية، واحتمالات تشابك الكابل، وضعف القدرة على المناورة في الزوايا الحادة.
وبينما يتراوح مدى الطائرات المسيّرة التقليدية بين 5 و200 كيلومتر، يبقى مدى الطائرات الموجّهة بالألياف الضوئية محصوراً بنحو 20 كيلومتراً، ما يعكس مفاضلة واضحة بين الحماية من التشويش والمرونة العملياتية.
بديل منخفض التكلفة
تفيد تقارير صحيفة "هآرتس" بأن الطائرات المسيّرة، ولا سيما من نوع FPV، باتت تمثل خياراً منخفض الكلفة وأكثر توافراً مقارنة بالصواريخ المضادة للدروع، وهو ما يفسر اتساع استخدامها في ساحات القتال. ويعود ذلك إلى بساطة تصنيعها، إذ يمكن تجميعها باستخدام مكونات متاحة عبر الإنترنت أو إنتاجها باستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد، في حين تعتمد رؤوسها الحربية غالباً على شحنات من نوع RPG أو أنواع مختلفة من القنابل.
وتُقدّر تكلفة كابل الألياف الضوئية المستخدم في هذا النوع من الطائرات ببضع مئات من الدولارات، ما يُبقي الكلفة الإجمالية أقل بكثير من كلفة الصواريخ الموجهة التقليدية. وفي هذا السياق، نقل التقرير عن أحد جنود الاحتياط المرتبطين بالصناعة الدفاعية أن طائرة مسيّرة اقتربت من موقعهم في جنوب لبنان أواخر عام 2024، وتم إسقاطها بواسطة نظام حرب إلكترونية مثبت على دبابة، مضيفاً أنه "لو كانت تعمل بالألياف الضوئية، لما كان ذلك ممكناً".
ويعكس هذا الاستخدام المتزايد تحولاً في طبيعة العمليات الميدانية، حيث لم تعد وحدات القتال فقط عرضة للاستهداف، بل طالت الهجمات أيضاً فرق الإخلاء والإنقاذ، بالتوازي مع تغير أنماط الإصابات. ويشير المحلل الأمريكي رايان ماكبيث إلى أن الطائرات المسيّرة تتسبب بإصابات تتركز في الجزء العلوي من الجسم، مثل الوجه والرقبة والصدر، بخلاف الألغام والعبوات الناسفة التي كانت إصاباتها تتركز في الأطراف السفلية، ما يزيد من خطورتها على حياة الجنود.
ووفقاً لموقع calibre defence، تمنح طائرات FPV مستخدميها مرونة عملياتية لا توفرها الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، إذ تتيح مدى أوسع نسبياً وبصمة تشغيلية أقل. فعلى سبيل المثال، يمكن للمشغّل إدارة الطائرة من داخل موقع محصّن، مثل قبو، ما يقلل من المخاطر في حال استهداف موقع الإطلاق. كما لا يضطر المشغّلون، على خلاف الصواريخ الموجهة، إلى كشف مواقعهم أثناء الإطلاق أو البقاء فيها حتى إصابة الهدف.
في المقابل، يؤكد مصدر عسكري لصحيفة "هآرتس" أن الطائرات المسيّرة تمثل تهديداً حديثاً نسبياً يتطور بوتيرة متسارعة، مشيراً إلى أن الجيش يتعامل معه منذ نحو عامين، مستفيداً من الخبرات المتراكمة في الحرب الأوكرانية. وأضاف أن العمل جارٍ على تطوير حلول ميدانية، تشمل تعزيز قدرات الكشف والتتبع عبر فرق استخبارات متخصصة ووحدات مكرّسة للتعامل مع التهديدات منخفضة الارتفاع.
وتركّز هذه الجهود على بناء منظومات متكاملة للوقاية والإنذار المبكر والحماية، بما في ذلك استخدام رادارات محمولة، إلا أن التحدي الرئيسي يتمثل في أن هذه الإجراءات لا توفر حتى الآن تغطية شاملة، كما أن انتشارها على نطاق واسع لا يزال محدوداً.
وفي السياق ذاته، ترى الدكتورة ليران أنتيبي أن المواجهة مع الطائرات المسيّرة تمثل "سباق تسلح مستمراً"، موضحة أن أي حل تقني يبقى مؤقتاً بطبيعته، وسرعان ما يتجاوزه تطور جديد، غالباً ما يستند إلى تقنيات مدنية متاحة وسهلة الوصول.
نموذج قتالي جديد
يرى محللون غربيون أن التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة من نوع FPV قد يفضي إلى فرض نموذج قتالي مختلف في المنطقة. وفي هذا السياق، قال المحلل الدفاعي فرانسيس توسا، في حديث لصحيفة "التايمز" البريطانية، إن نشر هذه الطائرات على نطاق واسع قد يؤدي إلى تشكّل "منطقة قتل" جديدة، على غرار ما شهدته الساحة الأوكرانية.
وأضاف: "إذا امتلكت هذه القدرة، ونظرت إلى تجربة أوكرانيا -وهي قوة أصغر بكثير وبمعدات أقل- فستسعى لاستخدام كل ما لديك لإعادة التوازن".
من جهته، أشار جاستن كرامب، القائد السابق للدبابات في الجيش البريطاني، إلى أن حزب الله لا يزال يمتلك مخزوناً مهماً من الصواريخ المضادة للدروع، ومن المرجح أن يواصل استخدامها، خاصة في المراحل الأولى من أي تصعيد، وبوتيرة مرتفعة.
وأضاف أن استخدام طائرات FPV مرشح للتزايد مع تراجع مخزون الصواريخ أو تغير معادلات توافرها، في حال سلك الصراع المسار ذاته الذي شهدته نزاعات أخرى، لافتاً إلى احتمال تأثر الحزب بالتجربة الروسية، ولو بشكل غير مباشر.
وفي هذا السياق، حذّر المحلل الإسرائيلي الأوكراني ألكسندر لوتسينكو، في حديث لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، من أن تزايد حضور هذه الطائرات ضمن ترسانة حزب الله قد يشير إلى ما هو أبعد من حادثة تكتيكية محدودة.
وقال: "قد تكون إسرائيل أمام انتقال نموذج قتالي متكامل، جرى تطويره وصقله في ساحات القتال الأوكرانية، وهو الآن يتسلل إلى الجبهة الشمالية عبر قنوات مرتبطة بإيران".
وأضاف أن "طائرات FPV تمثل أداة فعالة لصيد الأهداف المدرعة، من خلال ضربات منخفضة الكلفة وموجهة بدقة ضد أصول عسكرية ضعيفة، وهو النمط ذاته الذي استخدمته روسيا على نطاق واسع في حربها ضد أوكرانيا".
وأردف أن انتقال "مدرسة حرب FPV الروسية" إلى الشرق الأوسط عبر إيران ووكلائها لم يعد احتمالاً مستبعداً.
وختم لوتسينكو بالقول: "قد لا تكون هذه المعطيات حقيقة مثبتة بالكامل حتى الآن، لكنها تشكل مؤشراً جدياً، خاصة بالنسبة لإسرائيل، التي باتت تواجه ليس فقط تهديد الصواريخ، بل شبكة متكاملة من التهديدات الإيرانية التي تتطور تقنياً بوتيرة متسارعة".
ماذا يفعل نظام تروفي؟
ومن المعلوم أن الدبابات الإسرائيلية تستخدم نظام الحماية النشط " تروفي" للحماية من الصواريخ المضادة للدروع، لكن المعطيات تظهر حتى هذه اللحظة عجز هذا النظام عن التعامل مع الأنظمة المسيرة.
وفي هذا الإطار يرى الخبير العسكري والتقني عماد ناصر، في حديثه لـTRT عربي، أن نظام "تروفي" لا يزال يواجه تحديات كبيرة في التعامل مع الطائرات المسيّرة، موضحاً أن هذه المنظومات صُممت أساساً لاعتراض الصواريخ ذات المسار الباليستي، التي يمكن التنبؤ بحركتها وسرعتها بشكل نسبي، بخلاف المسيّرات التي تتميز بمرونة عالية وقدرة على تغيير المسار والسرعة بشكل مستمر، ما يجعل اعتراضها أكثر تعقيداً.
ويشير ناصر إلى أن طبيعة عمل الصواريخ، التي تعتمد على محركات تمنحها سرعة ومساراً واضحين، تختلف جذرياً عن المسيّرات، التي قد تتحرك بسرعات متفاوتة يصعب تصنيفها ضمن الأهداف التقليدية، الأمر الذي يحدّ من كفاءة الأنظمة المصممة أساساً للتعامل مع تهديدات مختلفة.
وفي ما يتعلق بالحرب الإلكترونية، يؤكد ناصر محدودية فاعلية أنظمة التشويش في مواجهة المسيّرات التي تعتمد على تقنيات الاتصال عبر الألياف الضوئية، نظراً لعدم اعتماد هذا النوع من الاتصال على موجات يمكن تعطيلها.
في المقابل، يلفت إلى وجود بدائل تقنية قيد الاستخدام أو التطوير، من بينها أنظمة الرصد البصري التي تعتمد على اكتشاف التهديد عبر مستشعرات متقدمة، ومن ثم تفعيل وسائل اعتراض مباشرة، مثل الرشاشات الموجهة، حيث يجري تحديد موقع المسيّرة وتوجيه النيران نحوها. إلا أن تعميم هذه الأنظمة على نطاق واسع، وفق ناصر، لا يزال يتطلب سنوات من العمل، نظراً إلى حاجتها إلى إنتاج مكثف وتكامل عملياتي.
أما أنظمة الليزر، فيصفها ناصر بأنها ما تزال في مرحلة التطوير، رغم الحديث المتكرر عن اقتراب دخولها الخدمة، مشيراً إلى أنها لم تُستخدم حتى الآن في عمليات قتالية فعلية، واقتصر استخدامها على تجارب ميدانية محدودة. ويعزو ذلك إلى محدودية عدد هذه الأنظمة، إضافة إلى بطء أدائها النسبي، إذ يتطلب تدمير الهدف تسليط حزمة الليزر عليه لفترة زمنية، ما يقلل من فعاليتها في مواجهة هجمات متعددة في وقت واحد.
وبصورة عامة، يخلص ناصر إلى أنه لا يوجد حتى الآن حل حاسم لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة، رغم أن تقنيات الليزر تمثل أحد أبرز المسارات قيد التطوير، إلا أن نشرها على نطاق واسع يحتاج إلى وقت طويل.
ويستشهد ناصر بما يجري في الحرب الأوكرانية الروسية، حيث لا تزال الطائرات المسيّرة تلعب دوراً محورياً في العمليات العسكرية، رغم الاستثمارات الكبيرة التي ضُخت لتطوير وسائل التصدي لها، ما يعكس محدودية الحلول الحالية. ويضيف أن بعض الوسائل المستخدمة، مثل الشباك أو الأساليب التقليدية، تبقى حلولاً جزئية لا توفر معالجة شاملة لهذا النوع من التهديدات.














