الحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي.. الأمن والاستخبارات والرسالة التاريخية (1)
يمثل اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" محطة لافتة في مسار إعادة صياغة مقاربتها تجاه إفريقيا والمعابر المائية الاستراتيجية. فالخطوة تعكس تداخلاً واضحاً بين اعتبارات الجغرافيا السياسية والرؤية الأيديولوجية.
ولا يُنظر إلى هذا التحرك إسرائيلياً بوصفه إجراءً دبلوماسياً عابراً، بل يُقدَّم باعتباره خياراً استراتيجياً متعدد الأبعاد، يندرج ضمن تصور أشمل لدور إسرائيل ومكانتها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وما يرتبط بهما من توازنات أمنية واقتصادية متشابكة.
من منظور المدرسة الأمنية الواقعية، كما تتجلى في كتابات باحثين مثل إفرايم إنبار في مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية، تنطلق المقاربة من معادلة أساسية: إسرائيل دولة ذات عمق استراتيجي محدود، ما يفرض عليها توسيع دوائر أمنها خارج حدودها المباشرة. القرن الإفريقي، المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يصبح في هذا السياق امتداداً طبيعياً للأمن القومي الإسرائيلي.
حماية طرق الملاحة المرتبطة بميناء إيلات، وضمان انسياب التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر، ليست قضايا خارجية، بل عناصر مركزية في معادلة الأمن الداخلي. وعليه فإن أي اعتراف بكيان مستقر نسبياً على الضفة المقابلة للبحر الأحمر يُفهَم كأداة لتعزيز الحضور البحري والاستخباراتي، لا كرمزية سياسية فحسب.
هذا الطرح يتعزز ضمن مقاربة جيوسياسية أوسع، عبّر عنها صحفيون ومحللون مثل يوسي ميلمان في هآرتس، حيث يُعاد استحضار مفهوم "عقيدة المحيط " الذي بلوره ديفيد بن غوريون. هذه السياسة قامت على بناء تحالفات مع قوى غير عربية في محيط العالم العربي لكسر العزلة وإعادة تشكيل موازين القوى.
وفق هذا الإرث، فإن الانفتاح على "أرض الصومال" يمكن أن يُدرَج ضمن تقليد استراتيجي قديم يتجدد بأدوات حديثة: تعاون أمني، وتكنولوجيا، ومساعدات تنموية، ودبلوماسية نشطة.
فالقرن الإفريقي اليوم يشهد تنافساً متزايداً بين قوى إقليمية ودولية، على رأسها إسرائيل، باعتباره مساحة مهمة لخنق أي تهديد محتمل لها، بالإضافة إلى تطويق أي مشاريع أخرى، ما يجعل تعزيز النفوذ الإسرائيلي جزءاً من استراتيجية أوسع لموازنة الحضور الدولي وضمان مصالح الكيان في ممرات بحرية حرجة.
غير أن البعد الأمني لا يستنفد كامل الصورة، فوفق الرؤية الصهيونية الدينية، التي يعكسها مفكرون مثل يسرائيل هرئيل، يتجاوز الحضور الإسرائيلي في مناطق استراتيجية حدود الحساب البراغماتي. هنا يُستدعى "الوعي التوراتي" بوصفه إطاراً يمنح الجغرافيا أبعاداً تتجاوز كونها مساحة مادية، لتصبح جزءاً من سردية تاريخية مرتبطة بمصير الشعب اليهودي.
ومن هذا المنظور فإن تموضع إسرائيل في نقاط ارتكاز حيوية خارج حدودها التقليدية لا يُفهَم فقط كضرورة أمنية، بل كامتداد لإرادة تاريخية تحمي الشعب وتؤمّن له مكانة مؤثرة بين الأمم. يتداخل الأمني بالروحي، فحماية خطوط الملاحة وتأمين النفوذ في مفاصل استراتيجية يُقدَّمان أحياناً بوصفهما تجسيداً عملياً لفكرة “الحضور اليهودي الفاعل” في العالم.
إسرائيل في القرن الإفريقي
يمكن فهم الحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي من خلال سلسلة عمليات ومشاريع محددة تكشف طبيعة الأدوات التي استخدمتها تل أبيب لبناء نفوذ طويل الأمد في هذه المنطقة الحيوية. فمنذ خمسينيات القرن العشرين، أرست إسرائيل علاقة استراتيجية مع إثيوبيا في عهد الإمبراطور هايلي سيلاسي، شمل هذا التعاون تدريب وحدات عسكرية إثيوبية وتقديم دعم فني وأمني، مقابل تأمين موطئ قدم استراتيجي لإسرائيل بالقرب من البحر الأحمر، بما يعزز قدرتها على مراقبة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
شكلت عملية موسى عام 1984 وعملية سليمان عام 1991 نموذجاً واضحاً لتداخل الاعتبارات الأمنية مع البعد الديني والهووي. ففي الأولى جرى نقل آلاف اليهود الإثيوبيين سراً إلى إسرائيل عبر جسر جوي، فيما شهدت الثانية نقل نحو 14 ألفاً خلال أقل من يومين في ظل انهيار النظام الإثيوبي آنذاك.
كما لعبت الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي ماشاف دوراً محورياً في تنفيذ برامج تدريب زراعي وإدارة موارد المياه في إثيوبيا ودول أخرى في المنطقة. شملت هذه البرامج إدخال تقنيات الري بالتنقيط، وتطوير الزراعة في البيئات الجافة، ونقل خبرات في إدارة المياه والطاقة الشمسية، وهو ما أسهم في بناء روابط مؤسسية طويلة الأمد بين الكوادر الإفريقية والجهات الإسرائيلية.
وامتد التعاون إلى مجالات تكنولوجيا الدفاع، حيث حصلت إثيوبيا في فترات مختلفة على أنظمة مراقبة واتصالات عسكرية وتقنيات مرتبطة بالطائرات دون طيار، ما عزز قدراتها على مراقبة الحدود وإدارة النزاعات الداخلية. هذه الأدوات تعكس نمطاً إسرائيلياً قائماً على تصدير التكنولوجيا الأمنية باعتبارها وسيلة لتعميق العلاقات السياسية وبناء شراكات استراتيجية مستدامة.
كما أشارت دراسات إلى وجود تعاون أمني غير معلن مع إريتريا منذ تسعينيات القرن الماضي، مستفيداً من الموقع الجغرافي الحساس على البحر الأحمر وقرب مضيق باب المندب. وقد تمحور هذا التعاون حول ترتيبات تتعلق بالمراقبة البحرية وجمع المعلومات، في سياق اهتمام إسرائيلي دائم بمتابعة التحركات الإقليمية وتأمين خطوط الملاحة.
وفي جيبوتي، التي تستضيف قواعد عسكرية لقوى دولية عدة، ارتبط الحضور الإسرائيلي بمجالات التدريب الأمني وتكنولوجيا المراقبة وإدارة المواني، بما يعكس حرصاً على التموقع داخل بيئة دولية تنافسية دون انخراط مباشر يثير حساسيات سياسية واسعة.
الاستخبارات الإسرائيلية في القرن الإفريقي
يمثل النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القرن الإفريقي أحد أكثر أبعاد الحضور الإسرائيلي حساسية واستمرارية، إذ يُنظر إلى المنطقة بوصفها ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية حول البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويضطلع الموساد بالدور الأبرز في هذا السياق، من خلال إدارة شبكات جمع المعلومات، وبناء قنوات اتصال سرية مع أجهزة أمنية محلية، وتوظيف التعاون التقني والعسكري كغطاء لتعميق النفوذ الاستراتيجي.
من النماذج المبكرة التي عكست قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على العمل في بيئات إفريقية معقدة عملية الإخوة، التي عُرفت أيضاً باسم Operation Brothers، حيث أنشأ الموساد منتجعاً سياحياً وهمياً على ساحل السودان ليكون غطاءً لتهريب يهود إثيوبيا بحراً وجواً إلى إسرائيل.
وقد مهّدت هذه العملية لعملية موسى، التي جرى خلالها نقل آلاف اليهود الإثيوبيين سراً، ثم تلتها عملية سليمان التي نُفذت عبر جسر جوي واسع النطاق من أديس أبابا.
وبعد استعادة العلاقات الدبلوماسية في التسعينيات، استؤنف هذا التعاون ليتوسع في مجالات مكافحة الإرهاب وأنظمة المراقبة الحدودية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية في القرن الإفريقي.
وقد شمل ذلك تزويد أديس أبابا بتقنيات مراقبة واتصالات عسكرية وطائرات دون طيار، ما عزز اعتماد بعض الأجهزة الإثيوبية على التكنولوجيا والخبرة الإسرائيلية.
استفادت إسرائيل أيضاً بشكل مخابراتي من موقع إريتريا المطل على البحر الأحمر. وتحدَّث بعض المصادر عن استخدام مرافق قريبة من جُزر دهلك لمراقبة الملاحة والتحركات البحرية، في سياق اهتمام إسرائيلي دائم بتأمين الممرات الاستراتيجية ومتابعة النشاط الإيراني في المنطقة. ورغم غياب اعتراف رسمي بتفاصيل هذا التعاون، فإن طبيعة الموقع الجغرافي لإريتريا جعلها نقطة جذب دائمة للاهتمام الاستخباراتي.
كما استفاد بعض الدول في المنطقة من أنظمة رادارية وبرمجيات مراقبة إسرائيلية، ما خلق روابط تقنية تتطلب تحديثاً مستمراً وتدريباً دورياً، ويمنح تل أبيب حضوراً غير مباشر في بنية القرار الأمني المحلي.
كما برز التعاون الاستخباراتي في سياق مكافحة الجماعات المسلحة، ما دفع بعض الحكومات إلى تعزيز التنسيق مع شركاء يمتلكون خبرة تقنية واستخباراتية متقدمة.
وفي هذا الإطار قُدمت برامج تدريب في تحليل المعلومات، وأمن الاتصالات، ومكافحة الإرهاب، الأمر الذي زاد تشابك المصالح الأمنية بين إسرائيل وبعض دول القرن الإفريقي.
ختاماً، يمثل الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" نقطة محورية تكشف تداخل السياسة والأمن والدين في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فالحضور الإسرائيلي في القرن الإفريقي يمثل نموذجاً حياً لتقاطع الأمن المادي مع سرديات الهوية والرسالة التاريخية، مؤكداً أن أي خطوة دبلوماسية أو استخباراتية هنا تتجاوز الحدود التقليدية للحساب البراغماتي لتصبح جزءاً من رؤية شاملة لمكانة إسرائيل في المنطقة.