الطريق إلى "الهيكل".. كيف يوظف اليمين المسجد الأقصى في معركته الانتخابية؟
سياسة
6 دقيقة قراءة
الطريق إلى "الهيكل".. كيف يوظف اليمين المسجد الأقصى في معركته الانتخابية؟"كلما زاد التحريض على الأقصى في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، ارتفعت أسهم الحزب المحرّض لدى الناخبين"، معادلة دموية تتجدد في أروقة الكنيست الإسرائيلي، لكن الخطورة لا تكمن في الدعاية فقط، بل بما بعدها.
هناك تغيير في الخطاب السياسي الذي انتقل من مرحلة "إدارة الصراع" في الأقصى إلى "حسم الصراع" والانتقال من التقسيم الزماني والمكاني للسيطرة الكاملة

فما طُرح كشعارات دعائية تحريضية في الانتخابات السابقة، تحول اليوم إلى أمر واقع، فما مصير المسجد الأقصى في ظل الوعود المتطرفة بالسيطرة الكاملة وإقامة "الهيكل"، والتي تتصدر واجهة الدعاية الانتخابية اليوم؟

 تؤكد عضو هيئة العمل الوطني والأهالي في القدس، رتيبة النتشة، أن موضوع المسجد الأقصى بات جزءاً لا يتجزأ من الدعاية الانتخابية، لا سيما لأحزاب الصهيونية الدينية والقوى اليمينية المتطرفة التي يقودها وزراء في الحكومة الحالية مثل إيتمار بن غفير. فقد شكلت هذه الملفات أساساً لحملاته السابقة، والتي توجت بطرح 13 مطلب يتعلق بالأقصى والإعداد لبناء "الهيكل الثالث."

وتشير النتشة في حديث مع TRT عربي إلى أن هذه الوعود لم تبق حبراً على ورق، بل تُرجمت على الأرض فور تولي بن غفير منصبه باقتحام شخصي غير مسبوق لباحات المسجد الأقصى وإعلان السيادة عليه. وقد رافق هذا التصعيد تحول جذري في خطاب المؤسسة الدينية الإسرائيلية التي سارعت إلى إيجاد مبررات لتوسيع الاقتحامات وتحليل صعود المستوطنين، زاعمة أن عملية التحضير لبناء الهيكل اقتربت من الاكتمال.

وتقول: "ترجمت وعود بن غفير الانتخابية السابقة أيضاً على شكل موازنات ضخمة لوزارة الثقافة والتراث والمدارس الدينية، وتوفير الأمن والحافلات لزيادة أعداد المقتحمين. ترافق ذلك مع تعيين مدير جديد لشرطة القدس يحمل ذات الأفكار الأيديولوجية المتطرفة لبن غفير، ودعم مالي تنافسي من حزب الليكود ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بصرف موازنة خاصّة من مكتبه لزيادة وتيرة الاقتحامات."

وتضيف: "هذه الانتهاكات توجت بقرارات قضائية تسمح بما يُسمى بـ"السجود الملحمي"، ثم إدخال القرابين النباتية، وأجزاء من التوراة والمزامير، وصولاً إلى اعتبار ساحات الأقصى "أماكن عامة" يسري عليها قانون الشرطة، مما منح الأخيرة صلاحيات واسعة للتدخل المباشر. ورافق ذلك تقنين متصاعد لأعداد المصلين والتحكم بصوت الأذان."

وعن الدعاية في الحملة الانتخابية الجديدة التي يروج فيها بن غفير لإنهاء "الوضع القائم" وإنهاء الوصاية الهاشمية وفرض السيادة الكاملة على الأقصى، وتحويل زيارة المسجد المقدس إلى "حجوزات مسبقة" باعتباره موقع أثري وديني، ترى النتشة أن هناك تغيير في الخطاب السياسي الذي انتقل من مرحلة "إدارة الصراع" في الأقصى إلى "حسم الصراع" والانتقال من التقسيم الزماني والمكاني للسيطرة الكاملة. وهو تحريض إن ترجم على الأرض، سيمنح حكومة الاحتلال تحكماً كاملاً بالدخول، وفرز من تكتسِبهم شرطة الاحتلال صفة "المؤهلين" لزيارة الأقصى.

مسار متراكم من 1967

هذه الدعايات الانتخابية ليست سابقة في محاولات السيطرة على الأقصى، إذ يحاول الاحتلال فرض قبضته عليه منذ عام 1967 حين احتل القدس، مروراً بمعركة البوابات الإلكترونية عام 2017، ومعركة باب الرحمة عام 2019، وانتهاءً بالانتهاكات الكبرى التي يَسرها اليمين المتطرف بعد سيطرته على الحكومة.

من جانبه، يرى المحلل السياسي مازن الجعبري أن التصعيد الإسرائيلي الراهن في المسجد الأقصى ليس نتيجة للحكومة الحالية فحسب، بل هو امتداد لمسار بدأ حتى قبل وصول أحزاب الصهيونية الدينية إلى مراكز القرار.

 فقد ساهمت حكومات بنيامين نتنياهو والليكود بشكل جوهري في نقل ملف الأقصى تدريجياً من إدارة كانت تحترم، نظرياً، الوضع التاريخي القائم والوصاية الأردنية، إلى واقع تفرض فيه السيادة الأمنية الإسرائيلية سلطتها الفعلية في التحكم بدخول المسجد وتوقيته وكيفيته.

ويؤكد الجعبري لـTRT عربي : "إن التحول الأبرز حدث بعد انتخابات 2022، حين انتقلت قوى الصهيونية الدينية والاستيطانية من مرحلة الضغط على الحكومة إلى المشاركة المباشرة في صناعة القرار، مندمجة مع الصهيونية القومية التي يمثلها الليكود”.

ويضيف: "بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وفي ظل الحرب وضعف الضغوط الدولية والإقليمية، اتسع نطاق الحركة لهذه القوى، وأصبحت أكثر جرأة في اختبار حدود "الوضع القائم" دون الخشية من التبعات الدبلوماسية كما في السابق، مما يفسر الانتقال التدريجي من مجرد "الزيارة" إلى ممارسة الطقوس والصلاة بشكل أكثر علانية في ساحات الأقصى."

ويشير الجعبري أن الأقصى قد يتحول في فترة الانتخابات إلى أداة مزدوجة: وسيلة للمنافسة بين أحزاب اليمين، ووسيلة لتجاوز الخلافات الداخلية عبر توحيد الجمهور خلف قضية ذات رمزية دينية وقومية قوية.

ويؤكد الجعبري ما ذهبت إليه النتشة، بأن المعضلة اليوم لا تكمن في خطاب انتخابي مؤقت، إذ أحدثت الحكومة الحالية خلال السنوات الماضية تغييرات تراكمية على الأرض تمس جوهر الوضع التاريخي: تراجع استقلالية الأوقاف الإسلامية في ممارسة صلاحياتها، وتنامي الدور المباشر للشرطة الإسرائيلية في إدارة الموقع، والتسامح المتزايد مع الممارسات والطقوس اليهودية، وصولاً إلى إدخال كتب ومواد دينية يهودية ورفع الأعلام الإسرائيلية داخل الساحات.

ويلفت الجعبري إلى أن الخطورة تكمن في أن الهدف ليس إلغاء الوضع القائم بقرار رسمي مفاجئ، بل في خلق سلسلة من الوقائع الصغيرة المتراكمة التي تصبح مع الوقت أمراً واقعاً يصعب على أي حكومة إسرائيلية مستقبلاً التراجع عنه سياسياً. لذا، فإن الفترة التي تسبق الانتخابات مهيأة لمزيد من الإجراءات في الأقصى، حيث يُنظر لكل تغيير ميداني كإنجاز قومي أو ديني أمام جمهور اليمين.

"جريمة حرب"

على الصعيد القانوني والحقوقي، يؤكد المحامي المقدسي مدحت ديبة لـTRT عربي أن المجاهرة بالتصريحات والسياسات المتطرفة -بدءاً من محاولات تجريد دائرة الأوقاف الإسلامية من صلاحياتها، وصولاً إلى الاعتداء المباشر على الحراس والموظفين والأئمة والخطباء ومنعهم من الدخول والخروج- تجري بتوجيهات سياسية مباشرة من إيتمار بن غفير وقائد الشرطة. ويمثل هذا النهج دليلاً قانونياً ثابتاً على مساعي فرض وقائع جديدة تقوض الوضع التاريخي القائم وتخالف ما اتفق عليه بين الأردن وإسرائيل في اتفاقية "وادي عربة".

ويشير ديبة إلى أن الآلية القانونية المتاحة اليوم أمام الأوقاف الإسلامية في الأردن تكمن في إعادة النظر في بنود الاتفاقية، وتحديداً تفعيل المادة الحادية عشرة التي تنص صراحة على عقد اجتماع وزاري مشترك بين الجانبين الأردني والإسرائيلي فور حدوث أي إضرار بالمقدسات أو بالوصاية الإسلامية، لبحث الإشكالية وإيجاد حل متفق عليه.

ويحذر ديبة من أن هذه الخروقات تجاوزت مرحلة التهديد لتصبح أمراً واقعاً، متمثلة في التعدي على صلاحيات الأوقاف، وتحديد أعداد الحراس، ومنع تجديد عقودهم أو توظيف جدد، فضلاً عن فرض إقامات جبرية بحقهم. ويشدد على أن المساس بموظفي الأقصى —باعتبارهم موظفين حكوميين أردنيين— هو مساس بالحكومة الأردنية وباتفاقية "وادي عربة" نفسها، مما يستدعي من دائرة الأوقاف رفع كتاب رسمي ومباشر إلى الملك الأردني للتدخل.

ويختتم ديبة بتأكيد أن ما يجرى في المسجد الأقصى من استغلال للمقدسات في الدعاية الانتخابية، والتضييق الممنهج على حرية العبادة  هو "جريمة حرب" وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

ختاماً، ورغم كل محاولات إخفاء الوجه الحقيقي للصراع، تظل السيطرة على الأقصى وبناء "الهيكل" المزعوم هي الهدف الأساسي لحكومة الاحتلال، أما الدعاية الانتخابية اليوم فهي تتويج لسنوات طويلة كان التحريض فيها سرياً والتغيير فيها بطيئاً، ولم تخرج للعلن إلا بعد ضمان برود ردات الفعل التي جرى ترويضها على مدار سنوات، مما أتاح للحكومة اليمينية الانتقال من تكتيك "الخطوة بخطوة" إلى مرحلة التنفيذ المباشر.

ومع وصول اليمين المتطرف إلى الحكم، أصبح من الطبيعي أن يتحول الأقصى إلى مادة دسمة للدعاية الانتخابية، وهذا بحد ذاته يعكس الحقيقة الأخطر: وجود قاعدة شعبية واسعة في الشارع الإسرائيلي تشترك معهم في نفس الأهداف المتطرفة، وتحلم بحسم المعركة وفرض واقع جديد بالكامل تتمثل في السيطرة الكاملة على الأقصى وهدمه بهدف بناء "الهيكل”.

 

 

 


مصدر:TRT Arabi
اكتشف
بريطانيا توسع حظرها التجاري على المستوطنات الإسرائيلية ليشمل الجولان
السعودية: مسيرات قادمة من العراق تستهدف خط أنابيب شرق-غرب في الرياض والمدينة وإيقافه احترازياً
إيران تعلن عن اجتماع مع دول خليجية بشأن هرمز.. وباكستان تؤكد مساعي إعادة واشنطن وطهران إلى التفاوض
للمرة الثانية خلال ساعات.. جيش الاحتلال الإسرائيلي يقصف محيط بيت جن بريف دمشق
أردوغان يفتتح 26 مشروعاً في ريزه بقيمة تقارب 10 مليارات ليرة
"القسام" تؤكد اغتيال قائد لواء خان يونس.. وغارات إسرائيلية عنيفة على قطاع غزة
ساعات ساخنة قرب باب المندب.. غارات على المخا وقصف صاروخي تجاه لحج
ترمب: لم نضرب إيران بكامل قوتنا بسبب انتخابات الكونغرس.. وبزشكيان يرفض استمرار الحرب
وزيرة الأسرة التركية تصل إلى دمشق في زيارة رسمية لسوريا
إعلام أمريكي: ترمب يرفض ضرب الحوثيين مباشرة ويكتفي بدعم السعودية استخباراتياً
وسط حروب وتوترات دولية متصاعدة.. قادة "بريكس" يجتمعون في الهند لبحث قدرة التكتل على العمل المشترك
مصر: نواصل تحركاتنا للتهدئة بين واشنطن وطهران وتنفيذ اتفاق غزة
الرئيس الصومالي يشكر تركيا لدعمها إعادة هيكلة جيش بلاده
رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية: نقف إلى جانب الصومال في مواجهة التهديدات الإسرائيلية
جنوب لبنان يهتز.. تفجير إسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر يعادل هزة أرضية بقوة 4.2 درجة