مع اقتراب الانتخابات.. ما تفاصيل وأسباب الجدل حول الخدمة المدنيّة في المُجتمع العربي داخل إسرائيل؟
سياسة
8 دقيقة قراءة
مع اقتراب الانتخابات.. ما تفاصيل وأسباب الجدل حول الخدمة المدنيّة في المُجتمع العربي داخل إسرائيل؟في الوقت الذي تُطرح فيه الخدمة الوطنية بوصفها مساراً مدنياً، ينظر إليها الشّعب الفلسطيني في الدّاخل باعتبارها أكثر من مجرد إطار تطوعي، ويرون في إعادة طرحها محاولة لإعادة صياغة علاقة الفلسطينيين في الداخل بالدولة.
الخدمة الوطنية المدنيّة في إسرائيل هي مسار تطوعي مخصص أساسًا لمن لا يؤدون الخدمة العسكرية، حيث يتيح الخدمة في مجالات مدنية وخدمية

قبيل الانتخابات الإسرائيلية، يعود ملف "الخدمة الوطنية المدنية" إلى واجهة النقاش في الداخل الفلسطيني، في وقت تتجدد فيه الدعوات الإسرائيلية لتوسيع مشاركة المواطنين العرب في هذا المسار، بالتزامن مع تصريحات رئيس القائمة العربية الموحدة، منصور عباس، الذي قال إن المجتمع العربي "بحاجة إلى الخدمة الوطنية المدنية"، قبل أن يوضح لاحقاً أن حديثه يتعلق بمبادرات تطوعية مجتمعية مستقلة، وليس بخدمة وطنية تابعة للدولة.

إعادة طرح الملف في هذا التوقيت لا تأتي بمعزل عن المشهد الانتخابي؛ إذ تعيد الانتخابات المرتقبة فتح النقاش حول علاقة الأحزاب العربية بالمؤسسات الإسرائيلية، وحول حدود المشاركة السياسية للفلسطينيين في الداخل، ولا سيما في ظل الحديث عن احتمالات تشكيل ائتلافات حكومية تحتاج إلى دعم الأحزاب العربية.

وفي الوقت الذي تُطرح فيه الخدمة الوطنية بوصفها مساراً مدنياً، ينظر لها الشعب الفلسطيني في الداخل باعتبارها أكثر من مجرد إطار تطوعي، ويرون في إعادة طرحها محاولة لإعادة صياغة علاقة الفلسطينيين في الداخل بالدولة، وربط المواطنة بالمشاركة في منظومة خدمة تابعة لها.

ويكتسب الجدل بعداً إضافياً مع دخول القائمة العربية الموحدة على خط النقاش، في ظل خطاب سياسي يتبنى منذ سنوات نهجاً أكثر انفتاحاً على المشاركة والعمل من داخل المؤسسات الإسرائيلية. وبحسب منصور عباس زعيم القائمة، هذه الخدمة قادرة، إلى حد ما، على "الجمع بين احتياجات الشباب العرب والتوقعات الإسرائيلية العامة منهم".

وأعادت هذه التصريحات واحداً من أكثر الملفات إثارةً للجدل داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى الواجهة، في ظل رفض واسع لفكرة الخدمة الوطنية المدنية من جانب قوى سياسية ومجتمعية عربية ترى فيها أكثر من مجرد مسار تطوعي.

ويتركز جانب أساسي من الاعتراض على ما قد تحمله الخدمة من تداعيات على الهوية والانتماء الوطني الفلسطيني، باعتبار أن إدخال المواطنين العرب في إطار خدمة تابع للدولة قد يدفع، مع مرور الوقت، نحو إعادة تعريف علاقتهم بها على أساس الاندماج والمشاركة في مؤسساتها، بدلاً من التعامل معهم بوصفهم جزءاً من الشعب الفلسطيني.

ويرى الرافضون أن القضية لا تتعلق فقط بطبيعة المهام التي تؤديها الكوادر المشاركة أو بالامتيازات التي تحصل عليها، وإنما بالسياق السياسي الذي تُطرح فيه الخدمة، وبما قد تتركه من أثر على وعي الأجيال الشابة بهويتها الوطنية، ويُحذّر هؤلاء من أن تحويل الخدمة إلى مسار مقبول أو واسع الانتشار بين الشباب العرب قد يساهم تدريجياً في إضعاف حضور الرواية والانتماء الفلسطينيين، ويدفع باتجاه ترسيخ هوية مدنية إسرائيلية على حساب الهوية الوطنية.

في المقابل، يرى المؤيدون للنهج البراغماتي داخل الساحة السياسية العربية أن التعامل مع المؤسسات الحكومية وتحصيل الميزانيات وتطوير الخدمات للمجتمع العربي يتطلب بالضرورة نوعاً من العمل والتأثير المباشر من داخل اللعبة السياسية الإسرائيلية، معتبرين أن الانفتاح على هذه المسارات قد يعود بالنفع العملي على الحياة اليومية للشباب العربي والبلدات العربية.

الخدمة الوطنية بديلاً من الخدمة العسكريّة

الخدمة الوطنية المدنية في إسرائيل هي مسار تطوعي مخصص أساساً لمن لا يؤدون الخدمة العسكرية، حيث يتيح الخدمة في مجالات مدنية وخدمية، من بينها التعليم والصحة والإسعاف والسلطات المحلية ومؤسسات الرعاية والخدمات، وتتراوح مدة الخدمة بين 12 و24 شهراً بمعدل 30 إلى 40 ساعة أسبوعياً.

ولم تكن محاولة توسيع الخدمة الوطنية لتشمل المواطنين العرب جديدة؛ ففي عام 2005 صادق وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك شاؤول موفاز على توصيات لجنة رسمية برئاسة دافيد عبري، حيث بحثت إمكانية توسيع الخدمة الوطنية لتشمل الفئات غير الملتزمة بالخدمة العسكرية، وبينها المواطنون العرب.

واقترحت اللجنة في حينه اعتماد حوافز مالية وتسهيلات مختلفة لجلب الشباب العرب واستغلال الفجوات في المجتمع العربي لجذبهم للخدمة، من بينها منحة مالية وتسهيلات في قروض الإسكان والتعليم العالي، إلى جانب إتاحة الخدمة في مجالات مثل السلطات المحلية والتعليم والصحة والرفاه والبيئة.

كما اقترحت اللجنة استخدام مصطلح "الخدمة المدنية" إلى جانب "الخدمة الوطنية"، باعتبار أن هذه التسمية قد تكون أقل إثارةً للحساسية لدى المواطنين العرب.

إلا أن المشروع واجه في حينه رفضاً من جانب أطر سياسية عربية، حيث اعتبرت أن إدخال الشباب العرب في مسار خدمة تابع للدولة لا يمكن فصله عن أسئلة أوسع تتعلق بالهوية والانتماء والعلاقة بين المواطنين العرب ومؤسسات الدولة.

ووفق مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست لعام 2022، فإن عدد العرب -دون أبناء الطائفة الدرزية- في سن التجنيد قد بلغ حوالي 38,654 رجلًا وامرأة، حيث يشمل: المسلمين، المسيحيين، وسكان القدس المقيمين.

وفي حديث خاص لـTRT عربي، قال الباحث مرزوق حلبي إن فكرة الخدمة الوطنية مطروحة من البدايات كبديل لإلزام المواطنين العرب بالخدمة العسكرية، لكنها اتخذت شكلاً أكثر جدية بعد اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق يتسحاق رابين عام 1995، الذي كان قد وقّع اتفاق أوسلو بدعم نواب عرب من خارج الائتلاف.

ويرى حلبي أن مناصري الفكرة ينتمون بالأساس إلى نخب يهودية ليبرالية تسعى إلى إضفاء شرعية سياسية على مشاركة العرب من خلال دمجهم في إسرائيل عبر "الخدمة المدنية"، معتبراً أنها تمثل نوعاً من "المجتمعة" التي تجعل الفلسطينيين في الداخل "إسرائيليين أكثر مما هم فلسطينيون"، وتدفع بهم إلى أن يصبحوا لاعبين شرعيين في السياسة الإسرائيلية، التي كَرّس قانون القومية لعام 2018 طابعها اليهودي.

ويعتبر حلبي أن الفكرة، بهذا المعنى، ليست جديدة، وإنما تمثل محاولة لـ"جرّ الفلسطينيين في الداخل إلى المركز الإسرائيلي"، من خلال توسيع مشاركتهم في مؤسسات الدولة وإعادة تعريف علاقتهم بها.

ويربط حلبي إعادة طرحها اليوم بالسياق الانتخابي، إذ يرى أن النخب الإسرائيلية المناهضة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قد تجد نفسها، بعد الانتخابات، بحاجة إلى دعم القوائم العربية لتشكيل ائتلاف حكومي، ما يعيد مسألة العلاقة مع الأحزاب العربية إلى صلب المشهد السياسي.

وبحسب قراءته، فإن عودة الحديث عن الخدمة الوطنية في هذا التوقيت تكشف، في نظره، عن تصور لدى بعض النخب الإسرائيلية للفلسطينيين في الداخل باعتبارهم "موضوعاً أو أداة" في العملية السياسية، وليس شعباً أو جزءاً من شعب أو جماعة ذات حقوق مواطنية وتاريخية في وطنها.

ويقول حلبي إن إعادة طرح الخدمة الوطنية تمثل، بالنسبة إلى هذه النخب، محاولة لإعادة صياغة شرعية المشاركة السياسية للعرب، في ظل ما يصفه بتراجع مكانة الفلسطينيين في الداخل داخل المشهد السياسي الإسرائيلي خلال السنوات الماضية.

بين "الخدمة المدنية" والهوية الفلسطينية

وتطرح الخدمة الوطنية نفسها رسمياً باعتبارها إطاراً مدنياً وتطوعياً، لكن الجدل داخل المجتمع الفلسطيني يتجاوز طبيعة العمل الذي يؤديه العرب الفلسطينيون إلى سؤال أوسع يتعلق بالهوية والانتماء.

وفي هذا السياق، يرد حلبي على الادعاءات التي تربط الخدمة الوطنية بتحقيق المساواة أو الحصول على امتيازات، مستشهدًا بوضع المواطنين الدروز الذين يؤدون الخدمة العسكرية؛ ويقول إن ذلك لم يمنع استمرار سياسات التمييز ومصادرة الأراضي والقيود على التطور والبناء، مضيفًا: "الدروز يخدمون في الجيش وفقدوا مئات من أبنائهم، ومع هذا لم يحصلوا على المساواة ولم يسلموا من سياسات مصادرة الأرض وسياسات الحرمان من التطوّر والبناء وتوسيع القرى والبلدات، ولم يسلموا من عنصرية أو تحريض. بالمقابل، هناك الحريديم، المتدينون المتشددون، لا يخدمون في أي شيء ويحصلون على امتيازات مالية ودولة رفاه خاصة بهم. "لا شيء مقنع، خاصة بعد سن قانون القومية الذي يطوّب إسرائيل دولة لليهود فقط!".

ويرى حلبي أن هذه المقارنات تضعف الحجة القائلة إن الخدمة هي الطريق إلى المساواة أو الاندماج، خصوصاً في ظل إقرار قانون القومية عام 2018، الذي ينص على أن ممارسة حق تقرير المصير الوطني في إسرائيل "حصرية للشعب اليهودي".

ومن هنا، يعتبر أن جوهر الاعتراض العربي لا يرتبط بالخدمة بحد ذاتها، وإنما بما قد تحمله من دلالات سياسية، قائلًا إن "الهوية والانتماء لفلسطين والرواية الفلسطينية" تمثل موردًا سياسيًا لا ينبغي التفريط فيه".

ويرى كذلك أن الحديث عن "خدمة مدنية" داخل مجتمع إسرائيلي يصفه بأنه قائم على العسكرة والأمن يصعب فصله عن السياق السياسي الأوسع، لا سيما في ظل الحرب على غزة والاقتلاع في الضفة الغربية، مؤكداً أن الأمر يأتي لتحقيق مصالح نُخب ليبرالية دون تقديم شيء للعرب.

لماذا الآن؟

لا يرى حلبي أن عودة الملف إلى الواجهة في هذه المرحلة مصادفة، بل يربطها مباشرة بالانتخابات الوشيكة، معتبرين أن طرح الخدمة الوطنية في هذا التوقيت أقرب إلى "سجال انتخابي"، في ظل حاجة بعض القوى الإسرائيلية إلى دعم القوائم العربية في حال تعذر تشكيل حكومة من دونها.

ويُعد موقف رئيس القائمة العربية الموحدة، منصور عباس، أحد أبرز أسباب عودة الملف إلى النقاش، وهو ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كان طرح الخدمة الوطنية يمثل تحولاً في الخطاب السياسي العربي داخل إسرائيل.

يرى حلبي أن موقف عباس لا يمكن فصله عن مساره السياسي خلال السنوات الماضية، معتبراً أن انفتاحه على فكرة الخدمة الوطنية يأتي ضمن نهج سياسي أوسع يقوم على المشاركة والتأثير من داخل المؤسسات الإسرائيلية، وقال: "منصور كان مستعدًا لدخول حكومة مع نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، قالها في حينه مرّات. وعليه ذهب إلى أحد حاخامات المستوطنين كي يعطيه شرعية لذلك، وهو نفسه الذي قطع الصلة بين قائمته وبين الحركة الإسلاميّة التي جاء منها، وهو الذي قبل يهودية الدولة ومبدأ منح الامتيازات للشعب اليهودي، وهو الذي كان في حكومة شرّعت قوانين ضد أهلنا في الضفّة ومنها البناء الاستيطاني في منطقة C، وكان وزيرًا في حكومة هدمت عشرات البيوت العربية في النقب. وعليه، فهو مستعدّ كما رأينا أن يدفع كل ثمن كي يكون مع القاهرين أصحاب مشاريع الترحيل والكوارث".

كما يرى أن موقف عباس من الخدمة الوطنية يمثل موقفاً شخصياً، ولا يعكس بالضرورة موقف جميع أعضاء القائمة العربية الموحدة أو الحركة الإسلامية التي انبثق منها، واصفاً الموقف بأنه غير مسؤول بكل المعايير.

ويصف حلبي هذا التوجه بأنه مختلف عن الموقف التقليدي لمعظم القوى السياسية العربية، ويرى أن طرح الخدمة الوطنية قد يتحول إلى نقطة خلاف انتخابية بين القائمة الموحدة وباقي الأحزاب العربية.

وهنا يبقى السؤال المطروح مع اقتراب الانتخابات: هل تعود الخدمة الوطنية المدنية باعتبارها مشروعاً عملياً قابلاً للتوسع، أم أنها ستبقى ورقة انتخابية تعكس الصراع الأوسع حول موقع المجتمع الفلسطيني في الداخل وعلاقته بالدولة؟



مصدر:TRT Arabi
اكتشف
مقتل طفلين وإصابة 9 في هجمات بالمسيّرات جنوبيّ روسيا.. وزيلينسكي يعرض هدنةً لحماية الطاقة والزراعة
العراق يكشف عن مقترح لإنشاء "مجلس تنسيقي أمني" بين إيران والسعودية
ترمب يختتم احتفالات الذكرى 250 لتأسيس أمريكا بسباق سيارات عبر واشنطن
مستبعداً إجراء انتخابات خلال الحرب.. زيلينسكي: مستعدون للتفاوض مع روسيا لوقف استهداف مرافق الطاقة
إصابة مستوطن في عملية طعن بالأغوار وجيش الاحتلال يطارد المنفذ
رحلة تجريبية.. أول سفينة كورية جنوبية تستعد لعبور القطب الشمالي نحو أوروبا
بوتين يتوعد كييف برد قاس ويعلن تصعيد العمليات الروسية
غرق سفينة شحن بنمية قبالة الهند وفقدان 22 من أفراد طاقمها
تصعيد إسرائيلي على لبنان.. قصف بالفوسفور جنوباً ومسيّرات تحلق فوق بيروت
براك: معلومات إسرائيل الاستخباراتية قبل غارة أبو الظهور لم تكن صحيحة وواشنطن لم تُبلّغ بالهجوم
الرئيس العراقي: حصر السلاح بيد الدولة قرار وطني وانسحاب التحالف الدولي في سبتمبر
جيش الاحتلال الإسرائيلي يقصف جنوبي لبنان بالفوسفور والمدفعية وسط غارات جوية
واشنطن تفرض رسوماً جديدة على واردات كندية بعد فشل المفاوضات التجارية
جهات أمنية إسرائيلية تحذر: نتنياهو يجر العلاقات مع تركيا لتصعيد غير ضروري
رئيس البرلمان الإيراني: سندعم قرارات القوى والمكونات العراقية في إطار الدستور
ليبيا.. لجنة "4+4" توقع مسودة اتفاق بشأن الانتخابات وتوحيد السلطة
"متهوّر وغبي".. سياسيون إسرائيليون ينتقدون تصعيد نتنياهو ضد تركيا وتحذيرات من تداعياته
هجمات روسية على كييف تقتل 8 وتصيب العشرات ومسيرة تتحطم في رومانيا
انتهاك لحقوق 125 دولة.. فرنسا تدين العقوبات الأمريكية على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية ومسؤول فيها
الحرب على المياه.. كيف يستولي مستوطنو الاحتلال على عيون الضفة الغربية؟