يستعد مصنع "فولكسفاغن" في مدينة أوسنابروك الألمانية للانتقال من صناعة السيارات إلى الصناعات الدفاعية، بموجب اتفاق مبدئي يمهد لخروج الشركة من الموقع وانتقال ملكيته إلى مستثمرين جدد، على أن يكون إنتاج مكونات لمنظومة "القبة الحديدية" بالتعاون مع شركة "رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة" التابعة للاحتلال الإسرائيلي أول مشاريعه الرئيسية.
وبموجب الاتفاق تستحوذ شركة “أوريليوس كابيتال” الاستثمارية وولاية ساكسونيا السفلى الألمانية على المصنع، الذي يعود تاريخه إلى 125 عاماً، على أن يعاد تطويره ليصبح مركزاً لإنتاج تقنيات ومعدات مرتبطة بقطاعي الأمن والدفاع.
ومن المنتظر أن تمتلك “أوريليوس” حصة الأغلبية في الموقع بالشراكة مع ساكسونيا السفلى، ثاني أكبر مساهم في «فولكسفاغن». وقالت الشركة الألمانية إن المشروع الأول سيتيح إمكانية تصنيع أنظمة ومكونات للدفاع الجوي لصالح ألمانيا ودول أوروبية أخرى.
ويأتي التحول قبل إنهاء “فولكسفاغن” إنتاج السيارات في أوسنابروك خلال عام 2027، وفي وقت تنفذ فيه الشركة عملية إعادة هيكلة واسعة لمواجهة ضعف الطلب وارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة المتزايدة من شركات السيارات الصينية.
وفي المقابل يفتح التوسع في الإنفاق الدفاعي الألماني والأوروبي سوقاً جديدة أمام الطاقات الصناعية غير المستغلة في قطاع السيارات، فيما تسعى «رافائيل» لتوطين جانب أكبر من إنتاج منظوماتها في ألمانيا وتعزيز حضورها في السوق الأوروبية.
ولا يزال الاتفاق في مراحله الأولية، إذ يتعين استكمال المفاوضات التفصيلية والمتطلبات التنظيمية والموافقات الداخلية قبل الانتقال إلى التنفيذ.
ماذا سيصنع المصنع؟
ترتبط الخطط بصورة رئيسية بمنظومة “القبة الحديدية”، التي طورتها “رافائيل” لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى، واستخدمها الاحتلال الإسرائيلي بصورة أساسية لاعتراض الصواريخ المطلقة من قطاع غزة.
لكن مصنع أوسنابروك لن ينتج صواريخ “تامير” الاعتراضية نفسها. وتتركز الخطط على تصنيع المعدات الداعمة للمنظومة، ومنها الشاحنات الثقيلة المستخدمة في نقل الصواريخ والمعدات، ومنصات الإطلاق، ومولدات الكهرباء وأنظمة الطاقة، إلى جانب مكونات أخرى مرتبطة ببطاريات الدفاع الجوي.
أما الصواريخ الاعتراضية، فتخطط “رافائيل”، بحسب صحيفة “فايننشال تايمز”، لإقامة منشأة منفصلة ومتخصصة لإنتاجها في ألمانيا، نظراً إلى المتطلبات الفنية والأمنية الخاصة بتصنيعها.
وبحسب التصورات السابقة للمشروع، يمكن بدء الإنتاج خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً بعد استكمال الموافقات والترتيبات اللازمة.
ويمنح مصنع أوسنابروك المشروع بنية صناعية جاهزة نسبياً، إذ تمتلك مصانع السيارات الحديثة خطوط تجميع مؤتمتة، ومعدات تشغيل دقيقة، وأنظمة روبوتية، وسلاسل توريد وآليات لضبط الجودة يمكن تكييفها لإنتاج مركبات عسكرية ومنصات إطلاق ومكونات ميكانيكية وكهربائية معقدة.
الصناعات الدفاعية كحل
يمثل أوسنابروك أحد أبرز الأمثلة على المشكلات التي تواجه قطاع السيارات الألماني. ويعمل في المصنع نحو 2300 شخص، فيما من المقرر أن تنهي “فولكسفاغن” إنتاج السيارات فيه خلال النصف الثاني من عام 2027.
ويأتي ذلك ضمن واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ الشركة، مدفوعة بضعف الطلب في السوق الأوروبية، وارتفاع تكاليف الإنتاج في ألمانيا، والاستثمارات الكبيرة في السيارات الكهربائية والبرمجيات، إلى جانب المنافسة المتزايدة من الشركات الصينية.
ووافقت “فولكسفاغن” على خطة لخفض عشرات آلاف الوظائف خلال السنوات المقبلة، فيما تواجه عدة مصانع ألمانية احتمالات وقف إنتاج السيارات الجديدة أو البحث عن استخدامات بديلة لها.
ومن هنا لا يمثل مشروع أوسنابروك حتى الآن تحولاً شاملاً لـ”فولكسفاغن” إلى الصناعات الدفاعية بقدر ما يقدم نموذجاً لإعادة توظيف مصنع لم يعد استمرار إنتاج السيارات فيه مجدياً ضمن الهيكل الحالي للشركة.
وقالت رئيسة مجلس عمال “فولكسفاغن” دانييلا كافالو إن الاتفاق يوفر مستقبلاً لأكثر من 1200 عامل، مؤكدة استمرار العمل للوصول إلى حل يشمل كامل القوة العاملة الأساسية في الموقع.
وقد يصبح هذا النموذج قابلا للتكرار في مصانع أخرى تعاني فائض الطاقة الإنتاجية، إذا أثبتت إعادة توظيف أوسنابروك جدواها الاقتصادية والصناعية.
الطلب الدفاعي
يتزامن الضغط على قطاع السيارات الأوروبي مع توسع كبير في الإنفاق العسكري في القارة، مدفوعاً بالحرب في أوكرانيا وتزايد الاهتمام بإعادة بناء المخزونات وتعزيز قدرات الدفاع الجوي.
وتخطط ألمانيا لإنفاق مئات مليارات اليوروهات على الدفاع خلال السنوات المقبلة، فيما يمثل الدفاع الجوي إحدى الأولويات الرئيسية في خطط التحديث العسكري.
وأوجد هذا الاتجاه طلباً متزايداً على قدرات إنتاجية يمكن توسيعها بسرعة، في الوقت الذي تمتلك فيه شركات السيارات الأوروبية مصانع متطورة لا تعمل بكامل طاقتها.
ولهذا باتت إعادة توظيف بعض منشآت صناعة السيارات لصالح الإنتاج الدفاعي خياراً مطروحاً بصورة متزايدة. وسبقت “راينميتال” الألمانية إلى الاستفادة من قدرات مرتبطة بقطاع السيارات في إنتاج المعدات العسكرية، فيما أعلنت “رينو” الفرنسية خططا للمشاركة في تصنيع طائرات مسيرة لصالح القوات المسلحة الفرنسية.
كما أن “فولكسفاغن” ليست بعيدة تماماً عن القطاع العسكري، إذ تنتج مركبات وشاحنات للاستخدامات العسكرية من خلال أنشطة مرتبطة بشركة “MAN”، بما في ذلك تعاون مع “راينميتال”.
لماذا تريد “رافائيل” الإنتاج في ألمانيا؟
بالنسبة إلى «رافائيل»، يوفر أوسنابروك قاعدة صناعية يمكن استخدامها لتوسيع إنتاج منظوماتها داخل أوروبا، بدلاً من الاعتماد بصورة كاملة على منشآت الإنتاج خارج القارة.
ولا تبدأ علاقة الشركة بألمانيا من الصفر، إذ تنشط فيها منذ أكثر من 20 عاماً من خلال شركات ومشروعات من بينها “Dynamit Nobel Defence” و”EuroSpike” و”EuroTrophy”، كما تنتج صواريخ “سبايك” ومعدات عسكرية أخرى للسوق الأوروبية.
وقال رئيس “رافائيل” ومديرها التنفيذي يوآف تورغمان إن المشروع يأتي ضمن بناء “علاقة صناعية طويلة الأمد” تقوم على إنتاج التكنولوجيا في ألمانيا بهدف خدمة احتياجات ألمانيا وأوروبا.
ويجعل توطين الإنتاج في ألمانيا سلسلة التوريد أقرب إلى العملاء الأوروبيين المحتملين، كما يمنح الشركة قدرة أكبر على الاستفادة من الزيادة المتوقعة في الطلب على أنظمة الدفاع الجوي.
وبحسب “فايننشال تايمز”، اختارت “رافائيل” ألمانيا مركزاً لإنتاجها الأوروبي بسبب قوة العلاقات بين البلدين، وكذلك استجابة لدعوات مسؤولين ألمان إلى استغلال الطاقات الإنتاجية الفائضة في القطاع الصناعي المحلي.
هل تشتري ألمانيا «القبة الحديدية»؟
لا تستخدم ألمانيا حالياً منظومة “القبة الحديدية”، لكنها وسعت خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات.
وتشمل المنظومات التي تعتمد عليها “آرو 3” إسرائيلية الصنع لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، و«باتريوت» الأميركية، إلى جانب «IRIS-T» و«Skyranger» المخصصتين لمواجهة تهديدات على ارتفاعات ومديات مختلفة.
وتأمل «رافائيل» أن تصبح ألمانيا واحدة من المشترين الأوروبيين لـ«القبة الحديدية»، إلا أن مدى ملاءمة المنظومة للاحتياجات الأوروبية لا يزال موضع نقاش.
فالمنظومة، التي يبلغ مداها نحو 70 كيلومتراً، صممت أساساً لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى، في حين تواجه الدول الأوروبية طيفاً أوسع من التهديدات، يشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، ما يجعلها بحاجة إلى أنظمة متكاملة متعددة الطبقات.
ومع ذلك، عزز ارتفاع الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي والحاجة إلى زيادة المخزونات الاهتمام بتوسيع القدرة الإنتاجية وتنويع منظومات الاعتراض المتاحة.
عودة مصنع سيارات إلى الإنتاج العسكري
يحمل التحول بعداً تاريخياً بالنسبة إلى «فولكسفاغن»، التي تأسست عام 1937 خلال الحقبة النازية ضمن مشروع «سيارة الشعب»، قبل أن تتحول منشآتها خلال الحرب العالمية الثانية إلى إنتاج مركبات ومعدات عسكرية، مع استخدام العمالة القسرية خلال تلك الفترة.
وبعد عقود تمركز فيها نشاط الشركة حول السيارات المدنية، يعيد مشروع أوسنابروك إحدى منشآتها إلى دائرة الإنتاج العسكري، وإن في سياق اقتصادي وسياسي مختلف.
لكن أهمية المشروع تتجاوز البعد التاريخي. فإذا نجح نموذج أوسنابروك، فقد يقدم صيغة لإعادة استخدام مصانع سيارات ألمانية تعاني فائض الطاقة الإنتاجية، بالتوازي مع فتح مساحة أوسع أمام شركات الصناعات الدفاعية لتوطين إنتاجها داخل ألمانيا.
وبالنسبة إلى «رافائيل»، تبدو الخطوة جزءاً من مشروع أوسع يبدأ بإنتاج المعدات الداعمة لـ«القبة الحديدية» في أوسنابروك، ويمتد إلى تصنيع الصواريخ الاعتراضية في منشأة ألمانية منفصلة، بالتوازي مع السعي إلى بيع المنظومة لألمانيا ودول أوروبية أخرى.
وبذلك يجمع مصنع أوسنابروك بين ثلاثة تحولات متوازية: أزمة تعيد تشكيل صناعة السيارات الألمانية، وإنفاق دفاعي أوروبي متصاعد، وتوسع في توطين الصناعات الدفاعية الإسرائيلية داخل السوق الأوروبية.


















