سدّ النهضة.. هل يخرج اجتماع القاهرة بحلّ للأزمة؟
انطلق ثاني اجتماعات وزراء مياه مصر والسودان وإثيوبيا في القاهرة لمناقشة أزمة سدّ النهضة، تمهيداً للوصول إلى اتفاق بحلول 15 يناير/كانون الثاني 2020.
بدأت عقدة أزمة سد النهضة بالانفكاك، مع انطلاق ثاني اجتماعات وزراء مياه مصر والسودان وإثيوبيا في العاصمة المصرية القاهرة، لمناقشة مقترحات ملء وتشغيل السدّ، بحضور مسؤولين من الولايات المتحدة والبنك الدولي.
ويهدف الاجتماع الثاني من أصل أربعة اجتماعات على مستوى وزاري، إلى الوصول إلى اتفاق لحلّ أزمة سد النهضة بحلول 15 يناير/كانون الثاني 2020، حسب مخرجات اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث بواشنطن، الذي عُقد الشهر الماضي، ومن المقرَّر أن يناقش المقترحات الفنية التي بدأت في أديس أبابا قبل أسبوعين ضمن خارطة الطريق التي اتُّفق عليها هناك.
ويرى محللون أن أديس أبابا لن تستسلم بسهولة للمطالب المصرية، حتى بعد التدخل الأميركي، بخاصة أن الموقف السوداني ليس متصادماً معها، بالإضافة إلى وجود دعم دولي من الصين وإيطاليا وإسرائيل.
وكشف دبلوماسي غربي لصحيفة العربي الجديد القطرية، أن "القاهرة لم تتلقَّ حتى اللحظة أيّ إشارات إيجابية من أطرافٍ عربية مهمة بشأن دعمها في مسار المفاوضات، على الرغم من امتلاك تلك الدول أوراق ضغط واستثمارات مهمة في إثيوبيا، وعلى الرغم من لجوء القاهرة بشكل واضح إلى الجامعة العربية وعرْض وزير خارجيتها سامح شكري تفاصيل الأزمة على وزراء الخارجية العرب خلال اجتماع في القاهرة".
وقال المصدر للصحيفة، إن "اللجوء إلى تدويل الأزمة بات الخطوة الأقرب، وهذا ما ترغب فيه أديس أبابا لكسب الوقت".
المقترح المصري
قال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري المصرية المهندس محمد السباعي، في تصريحات لصحيفة الشروق المصرية، إن اجتماع القاهرة يهدف إلى استئناف المشاورات والمناقشات الفنية حول المسائل الخلافية بشأن ملء وتشغيل سد النهضة.
وأضاف: "مصر قدّمَت مقترَحاً عادلاً ومتوازناً يعتمد على هيدرولوجية النيل الأزرق ومراعاة فترات الجفاف والجفاف الممتد، وعدم إحداث ضرر جسيم على دولتي المصبّ".
وتضمَّن المقترح المصري الإدارة والتشغيل المشترك للسدود المقامة على نهر النيل حسب المتبع عالميّاً والذي تخضع له الأنهار الدولية كافة، وهو الأمر المعمول به حاليّاً بين مصر والسودان لإدارة السدود في البلدين، حسب تصريحات الوزير.
وأطلع وزير الموارد المائية والري محمد عبد العاطي، سفراء ألمانيا وإسبانيا والمجر والتشيك والمغرب، إلى جانب نائب نظيره الصيني، خلال الأسبوعين الماضيين، على مستجدات المفاوضات الجارية حول سد النهضة، مستعرضاً الرؤية المصرية في ما يتعلق ببنود الملء والتشغيل.
وأكّد عبد العاطي لموقع الشبكة العربية المصري، التزام القاهرة الوصول إلى اتفاق عادل ومتوازن يكون فيه الجميع راضياً، بأن تحصل إثيوبيا على أهدافها من بناء السد في توليد الطاقة مع الحفاظ على مصالح دولتي المصبّ مصر والسودان، وعدم إلحاق أي ضرر بهما.
اجتماعات متعثرة سابقة
بينما من المقرر أن تستضيف الخرطوم الاجتماع الثالث لوزراء المياه أواخر ديسمبر/كانون الأول الجاري، وفق بيان سابق لوزارة الري السودانية، عقد وزراء مياه مصر والسودان وإثيوبيا اجتماعاً في أديس أبابا في 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لمناقشة مقترحات ملء وتشغيل سد النهضة، بحضور مسؤولين من الولايات المتحدة والبنك الدولي.
وتعثرت جولة من المفاوضات الثلاثية لبحث ملف سدّ النهضة، ووصلت إلى طريق مسدود نتيجة ما وصفته القاهرة بـ"تشدُّد الجانب الإثيوبي" عقب انتهاء اجتماع ثلاثي استمر يومين لوزراء الموارد المائية والري في مصر والسودان وإثيوبيا بالعاصمة الخرطوم، في أوائل أوكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري.
في وقتها طالبت القاهرة بوسيط دولي، واستنكرت موقف إثيوبيا التي "قدمت خلال جولة المفاوضات التي جرت في الخرطوم وكذلك خلال الاجتماع الوزاري الذي تلاها، مقترحاً جديداً يعد ردّةً عن كل ما سبق الاتفاق عليه من مبادئ حاكمة لعملية الملء والتشغيل، حسب تصريح المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري المصري محمد السباعي.
ورفضت إثيوبيا مقترَحاً قدّمَته مصر بشأن عملية ملء خزان السد، وقال وزير الري الإثيوبي في تصريحات سابقة، إن بلاده "رفضت الاقتراح لأنه ينتهك الاتفاقية الموقَّعة بين الدول الثلاث حول الاستخدام العادل والمعقول لمياه نهر النيل".
وبعد مرور أيام ازداد ملفّ سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان تعقُّداً، بخاصة بعد تحذيرات رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد خلال جلسة للبرلمان، باستعداد بلاده لحشد ملايين الأشخاص وخوض حرب، وشدّد رئيس الوزراء الإثيوبي على مواصلة بلاده بناء سدّ النهضة، بغضّ النظر عن المخاوف التي لا أساس لها، والتهديدات المصرية، على حد تعبيره.
ورغم تحذيرات آبي أحمد، فقد كان مقتنعاً بأن المفاوضات هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الحالية، ويؤكّد أنه لا مصلحة لبلاده في إلحاق الأذى بمصر والسودان.
وكانت قمة "روسيا-إفريقيا" برئاسة مشتركة بين السيسي الذي يتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مدينة سوتشي، تشكّل أملاً كبيراً لحل النزاع الذي أصبح يمثّل حجر عثرة في طريق تعاون الدول الإفريقية، وعدم استقرار المنطقة، إلا أنها لم خرجت دون أي نتيجة.
وبدأت أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا قبل نحو ثمانية أعوام، عندما أعلنت أديس أبابا في 2011 عن عزمها الشروع في بناء سد النهضة، الذي قالت إنه صُمّم ليكون حجر الزاوية في مساعي إثيوبيا لتصبح أكبر دولة مصدرة للطاقة في إفريقيا من خلال توليد أكثر من 6000 ميغاوات.
ورفضت مصر في البداية القرار الإثيوبي جملة وتفصيلاً، معلّلة بأنها تحصل على أكثر من 90% من المياه اللازمة للري والشرب من نهر النيل، وأن الخطوة تخالف معاهدات أُبرمت في خمسينيات القرن الماضي وتحظر على دول المنبع المساس بحصة دولتَي المصبّ مصر والسودان، من مياه النيل.
بعد ذلك، خاضت الدول الثلاث المعنية جولات من المفاوضات، إلا أنها في المجمل مرّت بتعثرات متعاقبة.وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2013 حدث تطورٌ لافتٌ، إذ تغيّر الموقف السوداني من معارضة بناء السد إلى تأييده.
وبعد انخراط لجنة مشكَّلة من وزراء الخارجية والري للدول الثلاث، وُقعت أخيراً وثيقة الخرطوم عام 2015. وفي يونيو 2018 أجرى رئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد زيارة للقاهرة، انتهت باتفاق الطرفين على ضرورة بدء التفاوض حول اتفاقية ملء السد، ولكن أبي أحمد بعدها أعلن أن بلاده تنوي بدء الملء في العام نفسه.
وظلّت المفاوضات منذ ذلك الحين معلَّقة حتى انعقدت الجولة الأخيرة في القاهرة، قبل أن تعلن مصر تعثّرها.