بوتفليقة يطلب الصفح من الشعب فعمّ يصفحون؟

بعد يوم من إعلان استقالته، أرسل عبد العزيز بوتفليقة، الأربعاء، رسالة طلب فيها "الصفح والمسامحة" من الشارع الجزائري الذي يشهد، منذ 22 فبراير/شباط الماضي، احتجاجات واسعة. فما الذي يعتذر عنه بوتفليقة؟ ومن يمكنه خلافته؟

By محمد مصطفى
المظاهرات الجزائرية لم تتوقف حتى بعد إعلان بوتفليقة استقالته من منصب رئيس الجمهورية / Reuters

"أطلب منكم وأنا بشر غير منزه عن الخطأ، المسامحة والمعذرة والصفح عن كل تقصير ارتكبته في حقكم بكلمة أو بفعل. وأطلب منكم أن تظلوا موفين الاحتفاء والتبجيل لمن قضوا نحبهم ولمن ينتظرون من صناع معجزة تحريرنا الوطني"، بهذه الكلمات التي اختتم بها رسالة الكتاب الأخير للشعب، طوى الرئيس الجزائري المستقيل عبد العزيز بوتفليقة صفحة استمرت نحو عشرين عاماً من حكمه البلاد.

وكان بوتفليقة أعلن استقالته، الثلاثاء، من منصبه كرئيس للجمهورية بعد ضغوط من قبل الجيش والشارع الذي يشهد، منذ 22 فبراير/شباط الماضي، أوسع موجة احتجاجات تشهدها الجزائر منذ عقود.

العبور الصعب وبناء الشرعية

تولى عبد العزيز بوتفليقة، الذي يُعد من آخر الرموز المتبقية من جيل المحاربين القدامى الذين شاركوا في حرب استقلال الجزائر عن فرنسا (1954 - 1962)، حكم البلاد على إثر تجربة قاسية من النزاع المسلح وانتشار العنف عاشتها الجزائر خلال فترة التسعينيات والمعروفة بـ"العشرية السوداء".

وتقول الباحثة المقيمة في مركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط دالية غانم إنه بالإضافة إلى الدور الهام الذي لعبه عبد العزيز بوتفليقة في الخروج بالجزائر من الأزمة الطاحنة التي عاشتها في التسعينيات، فإنه نجح كذلك في إنهاء العزلة الدبلوماسية التي عاشتها البلاد خلال الحرب، لا سيما بعدما وجّه العالم النقد للنظام السابق بعد إلغائه الانتخابات البرلمانية.

وتضيف غانم "استندت عودة السياسة الخارجية الجزائرية إلى دعامتين رئيستين: مشاركة البلاد باعتبارها شريكاً أساسياً في الحرب العالمية ضد الإرهاب بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001؛ وتعاظم دورها في أفريقيا، ولاسيّما في جوارها القريب".

باعث الأمل الذي "لطّخ سمعة الجزائر"

ترى الباحثة دالية غانم أنه على الرغم من أن حكم بوتفليقة الجزائر قوبل في البداية بترحيب داخلي وخارجي واسع، نظراً إلى ما بعثه من أمل في إنهاء الحقبة الدموية التي مرت بها البلاد، فإن الكثيرين يرون أنه أصبح في ما بعد "الرجل الذي لطّخ سمعة الجزائر".

وتلفت غانم إلى عدة أمور قام بها بوتفليقة؛ أبرزها تعديل الدستور حتى يتمكّن من الترشّح لمنصب الرئاسة متجاوزاً الفترتين الرئاسيتين المقرّرتين، والتستر على فساد كبار المسؤولين واتخاذ قرارات أضعفت مؤسسات المجتمع المدني.

وترجع الباحثة السياسية نجاح بوتفليقة في نزع فتيل الاحتجاجات التي اندلعت ضد حكمه بالتزامن مع انتفاضات الربيع العربي عام 2011، إلى سياسته التي قامت على "مزيج من القمع والهبات السخيّة بفضل ثروة النفط والغاز في الجزائر".

وسبق أن اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش نظام بوتفليقة بالتوسع في "المحاكمات الجنائية ضد مدونين وصحفيين وإعلاميين استخدموا حقوقهم في التعبير السلمي، باستخدام مواد من قانون العقوبات تجرم إهانة الرئيس أو إهانة مسؤولي الدولة أو الإساءة إلى الإسلام".

ولفتت المنظمة، في تقريرها السنوي لعام 2017، إلى أن السلطات الجزائرية حاكمت نشطاء نقابيين نظموا أو دعوا إلى مظاهرات سلمية بتهم مثل "التجمهر غير المرخص".

اتهامات بالفساد

فيما يرى مؤيدو بوتفليقة أنه استطاع قيادة زمام الأمور والخروج بالجزائر من كبرى الأزمات التي تعرضت لها في تاريخها الحديث، يُحمّله آخرون المسؤولية عن إغراق البلاد في مشكلات أخرى، ربما يتمثل أهمها في انتشار الفساد وتدهور أحوال البلد الغني بالنفط، اقتصادياً.

قبل أشهر، اتهمت المعارضة الجزائرية بوتفليقة ونخبته الحاكمة بتبديد أموال طائلة تبلغ تريليون دولار خلال الفترة بين 1999 و2019، وهي قيمة الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية ودعم الاستثمار وفقاً لبيانات وأرقام الرسمية.

وحينها، رفض حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم تلك الاتهامات؛ إذ قال أمينه العام السابق جمال ولد عباس إن "كل دولار صرف منذ 1999 إلى يومنا جُرد وأحصي، ومن يتحدث عن تبذير ألف مليار دولار فهو يريد تضليل الرأي العام، فإنجازات الرئيس بوتفليقة لا ينكرها إلا جاحد".

في المقابل، قال رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد، وهي جهة مستقلة، جيلالي حجاج إن "حجم العمولات التي تم دفعها في مختلف الصفقات يقدر بنحو 60 مليار دولار، وتورط فيها مقربون من بوتفليقة والنظام السياسي بصفة عامة بمستويات مختلفة".

وأضاف جيلالي، في تصريحات صحفية أن "البحبوحة المالية التي عاشتها الجزائر في سنوات حكم بوتفليقة الأولى بفعل ارتفاع أسعار النفط كانت العامل الأساسي لانتشار الفساد، حيث كثرت قضايا إهدار المال العام".

وعلى الرغم من أن الجزائر ليست مثقلة بديون خارجية كبيرة، إلا أن احتياطيّها من العملة الصعبة انخفض بواقع النصف إلى 70 مليار دولار منذ عام 2014، بسبب تراجع أسعار النفط والغاز المتقلبة. وفقاً لوكالة رويترز.

من اللافت في هذا الصدد أن السلطات الجزائرية صادرت هذا الأسبوع جوازات سفر أكثر من عشرة من رجال الأعمال في إطار تحقيقات في مزاعم فساد.

وذكر تلفزيون النهار الجزائري، الأربعاء أن السلطات احتجزت رجل الأعمال علي حداد، المعروف بدعمه لبوتفليقة وقربه من نظامه، ووجهت له اتهامات بالفساد.

من يخلف بوتفليقة؟

استبعد الصحفي حبيب الحاج سالم أن تستطيع المعارضة المنقسمة الاتفاق على خطة عمل واحدة للخروج من الأزمة، مشيراً إلى أنه لا توجد شخصية توافقية يمكنها خلافة بوتفليقة "أو بتعبير آخر، النظام لم يسمح بذلك، بالإضافة إلى عجز حزب جبهة التحرير الحاكم عن إنتاج قيادات جديدة كاريزمية، والصراعات الكبيرة داخله في الأعوام الأخيرة، التي حصرته في دور الماكينة الانتخابية للرئيس المستقيل".

وأضاف الحاج سالم في حديث لـTRT عربي أن "هناك خشية في الجزائر من تكرار سيناريو التسعينيات، الذي أنهاه بوتفليقة بحنكة"، لافتاً إلى أن الرئيس الجزائري أيضاً يُعد "آخر من تبقى من رموز جيل الاستقلال، وهنا تبرز معضلة انتقال الحكم المتعذر إلى الجيل الثاني".

وتابع "في الجزائر أيضاً توجد أزمة هوية في قلب المجتمع ومنظومة الحكم، ليس بين الأمازيغ والعرب بل بين الفرنكوفونيين والعروبيين، وبوتفليقة يحسن إرضاء الفريقين، بالإضافة إلى إرضائه العسكر".

في المقابل، يرى مراقبون أن أحمد بن بيتور، الذي شغل منصب رئيس الوزراء لفترة قبل أن يستقيل بسبب عدم تحقيق تقدم في مجال الإصلاحات، قد يكون مرشحاً قوياً لخلافة بوتفليقة بسبب خلفيته السياسية والاحترام الذي يتمتع به بين كثير من المتظاهرين.

وليس لابن بيتور وهو من الخبراء الفنيين، أي صلة بأحزاب سياسية، لكنه في السبعينيات من عمره مثل كثير من كبار المسؤولين الجزائريين.