أبشع جريمة ارتكبتها السعودية هي اليمن وليست اختفاء خاشقجي

لقد أثارت قضية جمال خاشقجي ردود فعل  غاضبة ضد السعودية على المستوى الدولي، وهي الردود التي غابت إلى حد كبير ضد انتهكاتها الجسمية لحقوق الإنسان في اليمن.

By عمران فروز
أبشع جريمة ارتكبتها السعودية هي اليمن وليست اختفاء خاشقجي / AFP

يوماً بعد يوم، تتسرب إلى الصحافة تفاصيل أبشع حول القتل المزعوم لجمال خاشقجي.    إذ نقلت أحدث التقارير الإخبارية عن مسؤولين أتراك قولهم إنَّ الصحفي السعودي عُذِّب وقُطِّع حيَّاً إلى أشلاءٍ بمنشار عظام، ثم نقلت فرقة اغتيالات مكونة من 15 فرداً جثته في سيارةٍ سوداء.

وفي الوقت الذي ما زال الجمهور يشعر فيه بالصدمة من جرَّاء هذه الأحداث، ويسأل الكثيرون أنفسهم كيف يمكن لمثل هذه الجريمة أن تحدث، لا بد من التنويه بأنَّ واقعة قتل خاشقجي المزعومة -على قدر ما تحمله من قسوة وصدمة- تظل مجرد واحدة من بين الكثير من الجرائم البشعة التي ارتكبتها السعودية.

وبالنظر إلى جميع أفعال الحكومة السعودية على مرِّ السنوات القليلة الماضية، فلا يعد هذا المستوى من الوحشية والبربرية بالأمر الجديد عليها، بل يحدث بصفةٍ يومية في مكان آخر، هو اليمن.  إذ ذكرت هيئة الأمم المتحدة أنَّ اليمن يعيش أسوأ كارثة إنسانية في العالم من حيث ضخامة إحصاءاتها.

وتقع مسؤولية إشعال الحرب في اليمن على السعودية، وتحديداً وجهها الاستبدادي الجديد المتمثل في ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حين قرَّر وحلفاؤه غزو الدولة في مارس/ آذار 2015.

ومنذ ذلك الوقت، قُتِل آلاف المدنيين، وأصبح ما يقرب من 23 مليون شخص -أي ثلثي الشعب اليمني- يعتمدون على المساعدات الإنسانية ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة.   وأصبح ما يزيد على 8 ملايين يمني على حافة المجاعة، التي قد تكون أسوأ مجاعة تحدث في العالم منذ 100 عام وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

ألقى عدة مراقبين باللوم على التحالف العربي بقيادة السعودية في وقوع الغالبية الساحقة من الوفيات المدنيين في حرب اليمن. إذ يقصف التحالف دورياً المستشفيات والمدارس، وفي شهر أغسطس/ آب من العام الجاري، قُتل ما لا يقل عن 42 طفلاً داخل مدرسةٍ في شمال اليمن.

من جانبها، ذكرت منظمة Save the Children الدولية أنَّ 349 مدنياً على الأقل قُتِلوا في الفترة من يونيو/ حزيران إلى سبتمبر/ أيلول في مدينة الحديدة، غربي اليمن وحدها. وعلى غرار الهجمات التي تقع في مناطق أخرى عدة في الدولة، كان الكثير من الضحايا أطفالاً. وتصف منظمة Save the Children غير الربحية الصراع الدائر في اليمن بأنَّه "حرب على الأطفال".

ولهذا السبب، فليس من الخطأ القول مجازاً إنَّ النظام الحاكم السعودي قتل خاشقجي وعذبه آلاف المرات في اليمن. وبالمثل تماماً، ستفلت السعودية بجرائمها دون تحمل أية عواقب. لماذا يجب على حكومة استبدادية أن تخشى من عواقب جريمة قتل واحدة في حين تستطيع الإفلات من ارتكاب مذابح جماعية كل يوم؟

يعي النظام السعودي جيداً حجم قوته ونفوذه، ومدى اعتماد أطراف فاعلةً أخرى عليه، وتحديداً الغرب.   إنَّ فساد هذا العالم يتجلى بشدة حين نرى كيف أنَّ الولايات المتحدة، أعتى إمبراطورية على الأرض، غير مهتمة بإعادة النظر في علاقاتها مع النظام السعودي.

بل لا يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورفاقه إلا في مواصلة بيع الأسلحة الأميركية للرياض؛ لكي تستمر المذابح في اليمن -أفقر الدول العربية- على ما هي عليه. لذا فإدارة ترمب مستعدةٌ -حتى- لقبول الرواية السعودية التي تقول إنَّ خاشقجي "قُتِل خطأً" حين كان يخضع للاستجواب. والحقيقة أنَّ هذه أسوأ أشكال "التعبيرات الملطَّفة" التي يمكن أن تسمعها هذه الأيام.

تتحمل الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من مسؤولية ما وصلنا إليه اليوم. فبجانب حقيقة أنَّ البيت الأبيض هو الداعم والممول الأبرز للنظام السعودي، ساعد كذلك على تأليف روايةٍ تبنَّتها الكثير من الأنظمة الوحشية في أنحاء العالم تحت اسم: "الحرب على الإرهاب".

إذ شنَّت الولايات المتحدة على مرِّ سنوات غارات باستخدام طائرات بدون طيار ونفَّذت عمليات سرية في اليمن. واليوم، أصبح معروفاً تماماً أنَّ الكثير من الأبرياء قتلوا خلال تلك الهجمات.  وحين وصل دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، أمر بزيادة هذه الهجمات.

وفي الواقع، كان من بين أول قرارات ترمب السياسية التصريح بتنفيذ عملية سرية في اليمن أسفرت عن مقتل العديد من المدنيين، من بينهم الطفلة نوار العولقي البالغة من العمر ثماني سنوات. ونوارة هي ابنة أنور العولقي، رجل الدين المتطرف المنتمي إلى تنظيم القاعدة، وشقيقة عبد الرحمن العولقي، الذي قُتِل وهو في الـ16 من عمره.

وقُتِلت نوارة برصاصة في الرقبة أطلقها جندي أميركي، في حين قُتِل شقيقها ووالدها في غارة أميركية في عام 2011 في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. وقد جذبت القضية اهتماماً عالمياً؛ نظراً إلى أنَّ كلتا الضحيتين مواطنٌ أميركي.ومع ذلك، فمرةً أخرى لم تخضع أية جهة للمساءلة.

وبخصوص قضية خاشقجي، قال ترمب في حوارٍ أجراه مع وكالة The Associated Press الأميركية أول أمس الثلاثاء، 16 أكتوبر/ تشرين الأول: "أعتقد أننا يجب أن نعرف ما حدث أولاً. ها نحن نعود مجدداً كما تعلمون إلى (فكرة) أنك مذنب حتى تثبت براءتك، وأنا لا أحب ذلك. لقد شهدنا ذلك مؤخراً مع القاضي كافانو، الذي كان بريئاً تماماً من وجهة نظري".  ولكن يظل السؤال هنا، لمَاذا لم تُطبَّق هذه المعايير على ضحايا الإدارة الأميركية ذاتها في اليمن وغيرها من الأماكن؟

وإلى جانب البيت الأبيض، يعد سلوك بعض الأطراف الأخرى مثيراً للاهتمام أيضاً. إذ أصبحت الحكومات المستبدة الدموية تتمتع بمزيدٍ من الحرية، في الوقت الذي تعاني فيه الشعوب. وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى أنَّ السعودية وسوريا وأفغانستان تتشارك تاريخاً موحداً حول هذه الحقيقة.

ففي سوريا، أراق بشار الأسد دماء مئات الآلاف من السوريين، ويبدو أنه على الأرجح سيفلت بجرائمه. وفي اليمن، يفعل محمد بن سلمان ذات الشيء ويفلت من العقاب أيضاً. وفي أفغانستان، حدث شيءٌ مشابه في ثمانينيات القرن العشرين حين قتل النظام الشيوعي المدعوم من روسيا في العاصمة الأفغانستانية، كابول، عشرات الآلاف من شعبه مستخدماً أساليب تعذيب وطرقاً شبيهةً بما استخدمه قتلة خاشقجي.

وحتى يومنا هذا، لا تعرف الكثير من العائلات الأفغانية ما حدث لأقربائهم الذين اختفوا في سجون النظام. وكان خاشقجي يعمل آنذاك مراسلاً من منطقةٍ قرب الحدود الباكستانية الأفغانية، حيث كان يعمل إلى جانب مقاتلين عرب وغيرهم من أعضاء حركة المقاومة الأفغانية "المجاهدين".

وتوضح قضية خاشقجي أنَّ الأنظمة المستبدة قد تستمر في ملاحقة الأفراد، مثل الصحفيين والناشطين السياسيين، وفي الوقت نفسه جموع من الشعب ومدنيين أبرياء، ومع ذلك تنجو بفعلتها دون عقاب، لا سيما بمساعدة من يزعمون دعمهم الديمقراطية والحرية.