عن حمزة العقرباوي.. الباحث الذي نعَتْه الأرض والحكايا
يرصد المقال سيرة الباحث والحكواتي الفلسطيني حمزة العقرباوي، الذي كرّس حياته لتوثيق الذاكرة الشعبية وحكايات الأرض، وجعل من الحكاية فعل مقاومة ثقافية في مواجهة محاولات طمس التاريخ الفلسطيني.
بين موسم حصاد الزيتون وموسم حصاد القمح وُلد حمزة العقرباوي، وهكذا كان يحب أن يعرّف عن نفسه، رابطاً وجوده بالأرض أولاً وأخيراً.
باحثٌ ركض خلف المعلومة ليستلّ أصلها من مصدرها الأول، وحكواتيّ أضاف إلى فن الحكاية مدرسة جديدة خالصة باللهجة الفلسطينية الفلاحية، وباللباس التقليدي غير المنفصل عن الحكاية ومعناها.
كان حمزة كنزاً معرفيّاً يسير بين الناس، ناثراً حكايا الأرض بين الخليقة، موثّقاً على مدار سنوات عشرات المقالات والأبحاث، إلى جانب أكثر من أحد عشر كتاباً لم ترَ النور بعد، وآلاف الفيديوهات التوثيقية مع كبار السن.
وما إن رحل حتى نعَتْه فلسطين كأحد أبطالها ورجالها الذين خاضوا معركة الذاكرة الوطنية، مثبتاً عروبة فلسطين وتاريخها في وجه محاولات المحو والاجتثاث.
البداية مع حب الأرض
وُلد حمزة العقرباوي عام 1984، وعُرف بالعقرباوي نسبةً إلى بلدته عقربا في محافظة نابلس. وهو ابن عائلة "ديرية" المعروفة بحب المعرفة والعلم والانتماء العميق إلى الأرض، فورث هذا الحب عن جده وأبيه.
فجدّه كان رجلاً مثقفاً واسع الاطلاع، خطّاطاً للغة العربية، يحتفظ بمكتبة كبيرة في بيته، وكان الناس يجلسون لساعات ليستمعوا إلى حكاياته، حتى لُقّب بـ"المخ" لثقافته وعلمه الواسع. وفي تلك الجلسات تشكّلت البذرة الأولى لشغف حمزة بالحكاية والمعرفة الشفوية.
يروي شقيقه عبد الرحمن لـTRT عربي، في مقابلة خاصة مطوَّلة أجريناها معه ومع أقرب أصدقائه حسين شجاعية، أن العائلة كانت تعتمد على إنتاجها الزراعي في وقتٍ اتجه فيه كثير من الناس للعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، بعد أن رفض والده العمل لدى الاحتلال ولجأ إلى الأرض مكتفياً بما تجود به من خيرها.
ورغم أن الشقيقين كانا يساعدان والدهما في الأرض، فإن حمزة تميّز بدافع العمل وحب العطاء، فمنذ طفولته شارك والده تفاصيل الحياة الفلاحية اليومية بشغف وتوق: الاستيقاظ فجراً لحلب الأبقار، وإطعام المواشي، وبيع الحليب في البلدة، والعمل في مواسم القمح والزيتون، وأخيراً مساعدة الناس.
كانت هذه المساعدة مصدر سعادة لحمزة؛ لا يتردد في تقديمها، وينهي عمله في أرضه ثم يساعد غيره، حتى تحولت المساعدة إلى نمط حياة.
كان حمزة يعمل بحب استثنائي لافت، ويختزن المَشاهد كأنه يعرف أنها ستتحول يوماً إلى حكايات.
وهو ابن مسجد عقربا، المسجد الذي كان يقدم دروساً للأطفال ويدمجهم بالعمل التطوعي وحب الخير والمعرفة، فشارك حمزة في تنظيف المقابر، وطلاء خطوط الشوارع، وتعليم الأطفال، والتجول في الأرض لاستكشافها.
باحث عشق الأرض وتاريخها
أنهى حمزة دراسته الثانوية والتحق بالتعليم الجامعي، متنقلاً بين الجامعات بحثاً عن معرفة أوسع، لكنه سرعان ما انسحب. لم يكن ذلك رفضاً للعلم، بل لطريقة التعليم القائمة على التلقين، كما يوضح شقيقه.
شعر أن الأسئلة التي تشغله أكبر من القاعات، وأن ما يبحث عنه لا يُعطى جاهزاً، بل يُستخرج من الأرض والناس ويُناقش بتفاصيله. فاختار طريقاً آخر: البحث و"التعلّم بالمجاورة"، أي أن تعطي ما لديك وتأخذ ما لدى الناس من علم.
كان يركض خلف المعلومة ليستلّ أصلها من مصدرها الأول، لا يكتفي بنقلها، بل يتحقق منها، ويقارن الروايات، ويعيد صياغتها في سياقها الاجتماعي والتاريخي، حتى صنع من نفسه قدوة وخط مساراً في التعليم يتجاوز اختزاله في حمل الشهادات العلمية.
في عام 2008 بدأ حمزة جمع الموروث الثقافي من كبار السن، كان يزورهم مراراً، ويسجل الحكايات في فيديوهات خاصة. واستمرّ في هذا العمل طويلاً حتى صدر له كتاب عن أحد شيوخ قريته عقربا. ثم صار يستقبل مجموعات شبابية في المناطق المهددة بمصادرة الاحتلال والمستوطنين لها، مثل خربة الطويل وخربة يانون في نابلس.
وفي الأخيرة تحديداً، عام 2012، استضاف فريقاً جوالاً باسم "تجوال سفر"، ثم أصبح أحد أفراد الفريق، يقود الجولات في البلاد ويحكي قصصها، حتى بات من يعرفه يُعيد مصطلحاته وقصصه وأسلوبه.
في عام 2013 شارك لأول مرة في مهرجان حكايا فلسطين مع مجموعة حكايا الملتقى التربوي العربي، وفي عام 2016 رُشّح للمشاركة في مهرجان "حكايا" في الأردن، حيث لفت أسلوبه انتباه مدربين كبار، من بينهم المسرحي المصري حسن الجريتلي، الذي نصحه بعدم الانتماء إلى أي مدرسة، والاستمرار بأسلوبه الخاص.
بهذه الروح أسّس حمزة نموذجاً فلسطينياً أصيلاً في فن الحكاية، ودرّب لاحقاً عشرات الحكواتيين داخل فلسطين وخارجها، مؤمناً بأن الحكاية ليست أداءً فنياً فحسب، بل فعل مقاومة ثقافية.
يقول صديقه حسين شجاعية لـTRT عربي: "أضاف حمزة إلى فن الحكاية مدرسة جديدة خالصة باللهجة الفلسطينية الفلاحية، وباللباس التقليدي غير المنفصل عن الحكاية ومعناها".
في العام ذاته اتخذ حمزة قراراً مفصلياً بالاستقالة من عمله والتفرغ الكامل للحكاية والتوثيق، فبدأ رحلته حكواتياً وباحثاً، متنقلاً بين القرى والتجمعات الفلسطينية، مسجلاً القصص من كبار السن، والأمثال الشعبية، وتاريخ الأماكن، والنباتات، والأحداث المنسية.
تزوج حمزة عام 2011، وأنجب أربعة أطفال: أسامة، وليث، وسلمى، وسارة. وفي بيته نقل شغفه إلى أطفاله، فاصطحبهم في التجوالات، وعرّفهم على الأرض، وعلى الحكاية بوصفها وسيلة معرفة.
معركة الذاكرة على الأرض
كان حمزة باحثاً نشيطاً، تواقاً إلى المعرفة، وقُبيل وفاته عمل على مشروع توثيق عذابات السجون خلال معركة طوفان الأقصى، نقلاً عن الأسرى المحررين في صفقة طوفان الأحرار، بالتعاون مع مركز القدس للمساعدة القانونية.
لم ينفصل عمل حمزة الثقافي عن الواقع السياسي، إذ شارك في لجان الدفاع عن أراضي جنوب فلسطين، ورافق المزارعين في مواجهة المصادرات، ووثّق قصص الأسرى والشهداء، راكضاً خلف عائلاتهم وأصدقائهم الذين عاشروهم، ولو كانوا خارج حدود فلسطين.
لم يكتفِ بما يُقال، بل جال البلاد ليجمع التفاصيل كما رُويت وعِيشَت. يقول شجاعية: "يلي بميز حمزة كان إذا بقرأ معلومة عارضة، وما عرف قصتها، يضل وراها حتى لو كانت بآخر الدنيا، ويجيب تفاصيلها من يلي حكاها. ما كان باحث عادي، معلوماته كانت من المصدر الأول”.
ولأنه صاحب أثر، تعرّض لعدة اعتقالات لدى الاحتلال والسلطة الفلسطينية بين عامَي 2007 و2011، بلا تهمة ولا محاكمة، كما مُنع من السفر بلا سبب، ليخسر عديداً من الفرص في مجال بحثه وعلمه. لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة عمله؛ كان يرى أن التوثيق فعل صمود، وأن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن أي مواجهة أخرى.
على مدار سنوات وثّق حمزة كنزاً معرفياً هائلاً، أكثر من أحد عشر كتاباً لم ترَ النور بعد، إلى جانب آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية والفيديوهات مع كبار السن.
مواد يرى صديقه شجاعية أنها تحتاج إلى جهد مؤسسي جاد لحمايتها ونشرها، كي لا تضيع الذاكرة التي أفنى حياته في جمعها. لم يكن يسعى إلى الشهرة أو الأضواء، بل إلى أن تبقى الحكاية حيّة ومتاحة للأجيال القادمة.
الأثر لا يغيب
جال حمزة بلداناً كثيرة، ناقلاً الرواية الفلسطينية بلكنة أهل الأرض وزيّهم وطريقتهم في الحديث. وصل إلى دول عربية وغربية، وأضاف لمن كان يقود الجولات في بلاد العرب معلومات لم تكن لمرشدي السياحة أي تفصيلة عنها.
وفي آخر رحلاته المعرفية في مصر زار نهر النيل وركب أحد قواربه، ليلاقي هناك مصيره الأخير غرقاً في النهر.
كان صديقاً جامعاً، سعى دوماً إلى لَمّ الشمل وتذويب الخلافات بحضور قريب ومنطق لين، حتى صار مقصداً للناس من شرقها إلى غربه.
وهو ابن الوطن الذي وثّق قصص الأرض وأبطالها من الأسرى والشهداء، راكضاً خلف عائلاتهم وأصدقائهم الذين عاشروهم، لا من أقصى فلسطين إلى أدناها فحسب، بل جال البلاد ليجمع تفاصيل حكاياتهم كما رُويت وعِيشَت.
وكان فلاحاً انتمى إلى الأرض حدّ المعرفة، يعرف تاريخ كل شجرة ونبتة فيها، والأمثال الشعبية المتعلقة بها، وتاريخ القرى والمدن، والقصص التي نُسجت حولها.
رحل حمزة العقرباوي، لكن أثره والحكاية التي عاش لها لم يرحلا. بقيا في الأرض التي أحبها، وفي الناس الذين وثق بهم، وفي الذاكرة الفلسطينية التي خاض معركتها الأصدق، ليُحيِي بفكره موروثاً ثقافياً وقصصاً كادت تندثر.