مناورة "الركن الشديد" في غزة.. رسائل إلى إسرائيل وتجسيد للوحدة الفلسطينية
تزامن تنفيذ فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة مناورة عسكرية، مع حلول ذكرى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2008، التي كان هدفها المعلن في حينها القضاء على المقاومة في القطاع، لتكون هذه المناورة دليلاً جديداً على فشل رهان إسرائيل حسب مراقبين.
منذ عام 1936 لم تشهد فلسطين حالة وحدة ميدانية كما شهدتها في مناورات "الركن الشديد" التي أطلقتها "الغرفة المشتركة" لفصائل المقاومة في غزة الثلاثاء، التي تُعتبر الأولى من نوعها، بمشاركة 12 جناحاً عسكرياً، فمنذ تشكيل اللجنة العربية العليا التي قادت الثورة الكبرى في العام ذاته، لم تشارك الفصائل المسلحة الفلسطينية في عملية مناورة حية وقيادة ميدانية يكون السلاح فيها تحت قيادة موحدة.
ومع بدء المناورة التي تحاكي تهديدات الاحتلال الإسرائيلي، مباشرة وأمام وسائل الاعلام والعالم، أثيرت تساؤلات حول توقيتها والرسائل منها، في الوقت الذي أصبح فيه التطبيع حديث الساعة، وعاد التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، حتى ذهب البعض إلى أنها قد تكون "نواة لجيش تحرير وطني" قادر على صدّ أي اعتداءات إسرائيلية نحو قطاع غزة.
وفي ظل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 14عاماً، وسوء أوضاع المواطنين مع انتشار وباء كورونا، والمحاولات المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية، بدت الفصائل في هذه المناورة متحدة في وجه التطورات الإقليمية والانقسام بين حركتَي فتح وحماس، وعملت بذلك على إرسال عدة رسائل إلى إسرائيل.
وقال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، إن"هذه المناورة تُنبئ بمستقبل وشكل عمل الفصائل في المستقبل من خلال غرفة العمليات المشتركة"، مشدداً على تمسُّك الشعب بخيار المقاومة.
وبسبب هذه المناورة التي اعتبرتها إسرائيل تهديداً لها، من المقرَّر أن يصل وفد أمني مصري، بقيادة مسؤول ملف فلسطين في جهاز المخابرات العامة اللواء أحمد عبد الخالق، إلى قطاع غزة من أجل إجراء محادثات مع قيادة حركة حماس، حسب ما كشفته مصادر مصرية خاصة لوسائل إعلام عربية.
وقالت المصادر إن الهدف الأساسي من زيارة الوفد هو الحفاظ على حالة الهدوء، ومراجعة إجراءات المناورة العسكرية.
ويتحدث الخبير الأمني إبراهيم حبيب لـTRT عربي عن المناورات قائلاً إنها "جاءت لصد أي عدوان إسرائيلي قد تتعرض له غزة، وهي مناورات دفاعية تحاكي أشكال الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع وتأتي لاختبار جهوزية المقاومة وعناصرها ومدى التنسيق الأمني بينها".
ويضيف: "تؤسس المناورات حالة وحدة ميدانية مهمة جداً للشعب الفلسطيني وفصائله المسلحة".
دلالاتالتوقيت
ويرى حبيب أن للتوقيت دلالات مهمة في ظلّ تزايد التهديدات للمقاومة وحالة التردّي الإقليمي والهرولة للتطبيع، وجاءت لتردّ على الاحتلال بأن المقاومة لا تخشى كل هذه التهديدات.
وتعتقد صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية أن توقيت المناورات يأتي بعد أيام من إجراء الجيش الإسرائيلي مناورات واسعة على حدود غزة.
وتشير الصحيفة إلى أن المناورات جاءت من أجل إرسال رسالة ردع من غزة إلى إسرائيل، بالإضافة إلى أنه رسالة من المقاومة إلى إسرائيل وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خشية من إقدام إسرائيل بالاتفاق مع الإدارة الامريكية على شن حرب على غزة قُبيل خروج ترمب من البيت الأبيض.
من جانبه يتحدث الكاتب الفلسطيني محمد أبو قمرة في مقال له بصحيفة "الرسالة" الفلسطينية حول دلالات التوقيت، قائلاً إنها "جاءت في ذكرى العدوان الأول الذي شنّته إسرائيل على غزة نهاية عام 2008، والذي حاولت من خلاله إنهاء وجود المقاومة، لكنها لم تفلح في ذلك، بل طوّرت المقاومة قدراتها لتصل إلى ما هي عليه الآن".
ويرى الكاتب أن الرسالة الثانية كانت "الوحدة الفلسطينية"، ففي الوقت الذي لم تفلح فيه الجهود بين حركتَي فتح وحماس في إنهاء الانقسام، "أعلنت أجنحة المقاومة وحدتها العسكرية، لمواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وأهمّها التآمر على سلاح الفصائل".
ويقول الكاتب: "لا يمكن إغفال توقيت المناورة الذي جاء بعد إعلان السلطة عودة التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، مما يوصل رسالة مفادها أنه "في حال تمكُّن العدو من ملاحقة المقاومة والضغط على الجزء الشمالي من الوطن، فان في الشطر الجنوبي فصائل تتجهز للمعركة القادمة".
ويضيف: "بعد موجة التطبيع الأخيرة، وما حمله العام من مواقف صعبة على القضية، تنهي المقاومة العامّ بصفحة بيضاء من التحدي، وتوصل رسالة لإسرائيل مفادها أن التطبيع لن يلغي المقاومة".
الوحدة الفلسطينية
وتجسّد فصائل المقاومة قاعدة وحدة وطنية قد تؤسّس لحالة وحدة سياسة لاحقاً، إذ أكدّت أن مناورة الركن الشديد هي رسالة وحدة وقوة في الميدان والقرار معاً، إذ قال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل، إنّ "المناورة تؤكّد أن الاحتلال مهما حاول استخدام قوته فلن يوقف حالة المقاومة لدى أبناء شعبنا".
كما أكدّ عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية هاني خليل، أنّ "لدى المناورة مجموعة دلائل مهمة على الساحة الفلسطينية أبرزها التعاون والتنسيق بين الأذرع العسكرية؛ ليكون هناك قوة ومظلة مشتركة".
بدورها أكدّت حركة المجاهدين، على لسان مسؤول ساحتها بغزة نائل أبو عودة، أن المناورة العسكرية التي تضم فصائل وازنة، من خلال لوحة الوحدة في الميدان، هي الرد الأقوى والأنجع على تهديدات قيادة الاحتلال، فيما قال المتحدث باسم حركة الأحرار ياسر خلف، إن "المناورة هي تطوُّر نوعي جديد في أداء غرفة العمليات المشتركة ورسالة تحمل أبعاداً عسكرية وأمنية وسياسية داخلية وخارجية".
واعتبر محمد أبو نصيرة عضو اللجنة المركزية للجان المقاومة، أن المناورة تعبير عن رؤية وحدوية لتحرير فلسطين، وتأكيد أن عملية التحرير لا تتمّ إلا بتوحيد البنادق وتوجيه البوصلة لتحرير فلسطين والقدس، فيما قال رزق عروق نائب الأمين العامّ لحركة المقاومة الشعبية، إن "الركن الشديد" تعبّر عن حالة الانسجام والتفاهم والتوافق بين مجمل فصائل المقاومة.