إسرائيل منذ إعلانها.. مطالبات دائمة بنزع سلاح الجميع واحتكار دائم للقوة
منذ إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، تبلور في وعي النخبة المؤسِّسة هاجس وجودي عميق، قوامه الخوف من البيئة المحيطة والشعور الدائم بالتهديد.
هذا الهاجس لم يقتصر على الخطاب، بل تحول إلى ركيزة في صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت على توسيع المجال الحيوي، وخلق عمق استراتيجي، والسعي إلى فرض ترتيبات عسكرية تضعف الخصوم وتقيد قدراتهم.
لم تكن فكرة "نزع السلاح" قبل عام 1948 مطروحة بصيغتها التقنية المعروفة اليوم لدى التنظيمات الصهيونية، لكن منطق احتكار القوة ومنع تشكل أي قدرة عسكرية عربية في محيط التجمعات اليهودية داخل فلسطين شكّل الأساس النظري والعملي لهذا التوجه.
وبعد 1948، تبلورت هذه الرؤية في صورة سياسات واضحة: مناطق عازلة، وترتيبات نزع أو تقييد سلاح، واتفاقيات هدنة تحمل في ظاهرها طابعاً متبادلاً، لكنها في التطبيق العملي تميل لمصلحة إسرائيل.
المثال السوري يوضح ذلك بجلاء، فقد نصت اتفاقية الهدنة العامة بين إسرائيل وسوريا في 20 يوليو/تموز 1949 على إنشاء ثلاث مناطق منزوعة السلاح بين خط الهدنة وحدود 1923، بمساحة تقارب 66 كيلومتراً مربعاً في سهل الحولة وعلى ضفاف بحيرة طبريا.
على الورق، كان نزع السلاح متبادلاً. أما في الواقع، فقد أسهم في إبعاد الجيش السوري عن المستوطنات الإسرائيلية الجديدة، وفتح المجال أمام توسعها، مستفيدة من الغموض القانوني المتعلق بالأراضي والمشروعات الزراعية والمائية، ومن التفوق العسكري الإسرائيلي. وهكذا تحولت المناطق المنزوعة السلاح تدريجياً إلى مناطق متنازع عليها، ثم إلى وقائع ميدانية تكرس السيطرة الإسرائيلية وتمنحها شرعية الأمر الواقع.
هزيمة 1967 ونزع السلاح.. من العمق الاستراتيجي إلى هندسة الجغرافيا
شكلت هزيمة عام 1967 لحظة مفصلية في تطور العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فمع احتلال سيناء والضفة الغربية وغزة وغور الأردن والجولان، لم يَعُدِ الحديث يدور فقط حول الردع، بل حول إعادة تعريف الحدود والعمق الاستراتيجي. ومنذ تلك اللحظة اقترنت أي صيغة انسحاب إسرائيلية محتملة بشرطين ثابتين: إما الاحتفاظ بأحزمة أمنية استراتيجية، وإما ضمان نزع السلاح من المناطق التي يجري الانسحاب منها.
تجسد هذا المنطق بوضوح في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، كما في ترتيبات فصل القوات في الجولان بعد عام 1974.
يروي الكاتب الإسرائيلي دافيد جوفرين، نقلاً عن مائير روزن، المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية وأحد المشاركين في صياغة اتفاقيات كامب ديفيد، حجم الجدل الذي دار مع الوفد المصري عام 1978 حول إصرار إسرائيل على نزع سلاح سيناء، في مقابل ما اعتبرته "تنازلاً عن العمق الاستراتيجي". كان الانسحاب مشروطاً بإعادة هندسة المجال العسكري المصري في شبه الجزيرة، لا بمجرد إعادة الأرض.
قسمت سيناء ورفح إلى أربع مناطق: "أ" و"ب" و"ج" و"د"، مع تحديد دقيق لأعداد القوات ونوعية التسليح المسموح به. فالمنطقة "ج"، الممتدة من الخط الأخضر غرباً إلى الحدود الدولية وخليج العقبة شرقاً، اقتصرت على قوات أممية وشرطة مصرية بأسلحة خفيفة، وفق المادة الرابعة من ملحق المعاهدة. وحتى التعديل الذي أدخل عام 2021، وسمح بزيادة القوات المصرية إلى 750 فرداً مع مركبات مدرعة، ظل محكوماً بمنطق الضبط والقيود.
تكشف هذه التجربة أن الشكوك الإسرائيلية تجاه دول المنطقة لا تبدو قابلة للتبدد إلا عبر احتلال مباشر أو نزع سلاح فعلي.
فإسرائيل تنطلق من فرضية ثابتة مفادها أنها محاطة ببيئات عدائية قابلة للتصعيد في أي لحظة، ما يبرر في نظرها تغيير الوقائع الجغرافية حتى لو تعارض ذلك مع سيادة الدول الأخرى وحقوقها. وحتى الدول التي وقّعت معها معاهدات سلام بقيت ضمن دائرة الريبة، كما امتدت الشكوك إلى قوات الأمم المتحدة المنتشرة على خطوط التماس.
تستند هذه المقاربة إلى سرديتين مركزيتين: ضِيق العمق الجغرافي الذي يجعل البنية التحتية الإسرائيلية مكشوفة، والفجوة الديمغرافية مع المحيط العربي. ومن خلال هذين العاملين تحوّل الأمن إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا، وتحولت المناطق المنزوعة السلاح إلى آلية دائمة لإدارة التفوق وترسيخه، لا مجرد ترتيبات مؤقتة لخفض التوتر.
اتفاق أوسلو تكريس لنزع السلاح
كرس اتفاق أوسلو منطق نزع السلاح بوصفه ركناً مركزياً في هندسة العلاقة بين الاحتلال والفلسطينيين، فقد نص على كيان فلسطيني بلا جيش وبلا قدرة عسكرية سيادية، مقابل سلطة محدودة الصلاحيات تملك جهاز شرطة للأمن الداخلي، فيما احتكر الجيش الإسرائيلي القوة العسكرية الكاملة.
وحدد الملحق الأمني أعداد البنادق والمسدسات المسموح للشرطة بحملها، وحظر امتلاك دبابات أو صواريخ أو منظومات دفاع جوي، كما أخضع استيراد السلاح لموافقة إسرائيلية مسبقة.
ترافق ذلك مع تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج"، بما أبقى السيطرة الأمنية الفعلية بيد الاحتلال. بل إن الشرطة الفلسطينية أنيط بها، بموجب الترتيبات ذاتها، نزع سلاح الفصائل الأخرى ومنع دخول السلاح إلى المجتمع الفلسطيني. كما خضعت المعابر الفلسطينية لرقابة تحقق هدفاً أساسياً يتمثل في ضبط تدفق السلاح. وبذلك لم يكن نزع السلاح تفصيلاً إجرائياً في أوسلو، بل جوهر الاتفاق نفسه.
هذا النمط تكرر في اتفاقيات وترتيبات أمنية أخرى مع دول الجوار، حيث ركزت إسرائيل على ضمانات نزع السلاح أو تقييده، دون أن تتخلى عن احتفاظها بخيار القوة العسكرية لتنفيذ أجندتها. المثال اللبناني يوضح ذلك، فقرار مجلس الأمن 1701 نص على خلو منطقة جنوب الليطاني من أي سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية وقوات اليونيفيل، غير أن الوقائع الميدانية أظهرت خروقات إسرائيلية متكررة واحتفاظاً بحق العمل العسكري في تلك المناطق.
الاستنتاج الذي يفرض نفسه أن مطالبات نزع السلاح، سواء في غزة أو جنوب سوريا أو جنوب لبنان، ينبغي التعامل معها بأقصى درجات الحذر السياسي والقانوني. فالتجربة تشير إلى أن نزع السلاح من الطرف العربي يقابله احتفاظ إسرائيلي بقوة عسكرية متفوقة ومتزايدة، مع سجل واسع في تجاوز الاتفاقيات عند تغير الظروف.
لذلك، لا يمكن القبول بنزع السلاح بمعزل عن حل سياسي عادل ومتوازن، ولا ربطه بملفات الإعمار أو التهدئة، إذ لا توجد ضمانات تحول دون إعادة إنتاج سيناريوهات التهجير أو العودة إلى الحرب.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.