"هرمز أخطر أوراق طهران".. قائد سنتكوم الأسبق يقدّم قراءة تحليلية لمسارات الحرب ضد إيران

يرى الجنرال الأمريكي المتقاعد الذي شغل قائد "سنتكوم" قبل أعوام جوزيف فوتيل أن الحرب مع إيران لم تُحسم، فرغم تضرر قدراتها الصاروخية، لا تزال تحتفظ بقدرة تهديد مستمرة، فيما يبقى إغلاق هرمز أخطر أوراقها، وسط توقعات بصراع طويل وتكاليف متصاعدة.

By
يؤكد فوتيل أن التركيز على الأرقام وحدها قد يكون مضللاً، مشدداً على أن إيران ستحتفظ دائماً بقدرة متبقية قادرة على التأثير، / Reuters

وشغل فوتيل منصب قائد القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" بين مارس/آذار 2016 ومارس/آذار 2019، وخلال هذه الفترة انخرط في إدارة ملفات معقدة في الشرق الأوسط، ما أتاح له الاطلاع المباشر على توازنات القوى الإقليمية وطبيعة التهديدات العسكرية في المنطقة. كما كان فوتيل جزءاً من منظومة التخطيط العسكري التي شكّلت الأساس للعمليات الجارية حالياً، والتي تقودها "سنتكوم" تحت قيادة الجنرال براد كوبر.

وفي هذا السياق، يقدّم فوتيل قراءة تحليلية لمسار المواجهة مع إيران، مستنداً إلى خبرته السابقة ومعرفته الدقيقة بتفاصيل التخطيط والعمليات، وذلك في حوار أجراه موقع The War Zone، تناول فيه الأبعاد العسكرية والاستراتيجية للحرب، إلى جانب سيناريوهاتها المحتملة ومآلاتها السياسية.

مستقبل النظام
تقدّم قراءة فوتيل تقديراً متحفظاً حيال احتمالات التغيير السياسي في إيران، إذ يرى أن بنية النظام لا تزال متماسكة رغم الضغوط العسكرية، مع بروز تحولات داخلية تعزز موقع المؤسسة العسكرية في صناعة القرار. ويوضح أن الحرس الثوري بات يتمتع بنفوذ متزايد داخل النظام، وهو ما ينعكس في طبيعة الردود الإيرانية "الغاضبة" والهجمات التي تستهدف دول الخليج العربي.

وفي ما يتعلق بمآلات الصراع، يعبّر فوتيل عن قلقه من سيناريو بقاء النظام، معتبراً أن ذلك سيقود إلى إطالة أمد المواجهة، ويفرض على الولايات المتحدة الانخراط في عمليات طويلة ومكلفة لإدارة الوضع والسيطرة عليه.

ويشير إلى أن العمليات العسكرية الجارية دخلت بالفعل أسبوعها الثالث، ضمن حملة كان يُقدّر أن تستمر بين أربعة وخمسة أسابيع، وهو إطار زمني يراه منسجماً مع خبرته وفهمه لطبيعة التخطيط العسكري لدى القيادة المركزية.

ويحذر من أن الانتقال إلى "وضع جديد" قد لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في ديناميكيات الصراع، ما يعني استمرار الالتزام العسكري لفترة أطول مما كان متوقعاً في البداية.

وفي تقديره لمسار العمليات، يرجّح فوتيل أن تستمر الحملة لأسابيع إضافية، دون تحديد سقف زمني دقيق لنهايتها، في ظل تعقيدات المشهد العسكري والسياسي المرتبط بها.

العمل البري
في ما يتعلق بخيارات التصعيد الميداني، يضع فوتيل سيناريوهات التدخل البري ضمن إطار الإمكانية العسكرية المشروطة بتكاليف مرتفعة وتعقيدات واسعة. ويرى أن الاستيلاء على جزيرة خرج، أو تنفيذ عملية داخل العمق الإيراني لاستعادة اليورانيوم المخصب، يظل ممكناً من الناحية العسكرية، لكنه ينطوي في الحالتين على تحديات كبيرة وتعقيدات ميدانية ولوجستية واسعة.

وفي تقييمه لسيناريو جزيرة خرج، يوضح فوتيل أن الولايات المتحدة قادرة على إنزال قوات هناك، إلا أنه يبدي تحفظاً واضحاً حيال الجدوى التكتيكية لهذه الخطوة. فالجزيرة، بحسب تقديره، لا تبعد سوى نحو 20 ميلاً عن الساحل الإيراني، ما يعني أن أي قوة تُنشر فيها ستكون ضمن مدى التهديد المباشر لأنظمة الأسلحة الإيرانية، وبالتالي ستكون شديدة التعرض للخطر.

كما يشكك فوتيل في أن يمنح هذا الانتشار القوات الأمريكية ميزة تكتيكية نوعية لا تملكها بالفعل، أو لا يمكن الحصول عليها من مواقع بديلة تتوافر فيها قواعد راسخة وبنية دعم قائمة.

ويشدد فوتيل على أن مجرد وضع قوات على الأرض لا يعني فقط السيطرة على موقع ما، بل يفتح في الوقت ذاته باب التزامات مرافقة ومعقدة، تشمل رعاية هذه القوات، وإعادة تزويدها، وإجلاءها طبياً، وتأمين بقائها في الموقع طوال المدة المطلوبة.

وهذا بدوره يستدعي وجود ذيل لوجستي متكامل، يحتاج هو الآخر إلى الحماية، ما يعني أن العملية لن تكون محدودة أو بسيطة. ووفق تقديره، فإن تنفيذ مهمة من هذا النوع في جزيرة صغيرة مثل خرج سيتطلب على الأرجح قوة بحجم كتيبة من مشاة البحرية أو الجنود، أي ما بين 800 وألف عنصر تقريباً، وربما أقل قليلاً، ولكن على الأرجح ليس أكثر بكثير من ذلك.

وفي ما يتعلق بخيار استهداف المواد الانشطارية أو استعادة اليورانيوم المخصب، يعتقد فوتيل أن الأمر سيكون أكبر بكثير وأكثر تعقيداً من عملية جزيرة خرج. ويؤكد أن الولايات المتحدة تمتلك القدرات اللازمة لذلك، إلا أن التحدي لا يقتصر على العنصر البشري، بل يبدأ من ضرورة إسقاط القوة على الأرض داخل مواقع تقع في عمق إيران، مثل نطنز أو أصفهان على الأرجح.

ويشير فوتيل إلى أن هذه المواقع تقع على بعد مئات الأميال داخل الأراضي الإيرانية، وإلى جانب العناصر التي ستنفذ المهمة الأساسية، يرى فوتيل أن العملية ستحتاج أيضاً إلى قوة أمنية كبيرة لتأمين الموقع في أثناء تنفيذ العمل، قد تكون بحجم لواء، أو ما بين ألف وثلاثة آلاف أو أربعة آلاف جندي، فضلاً عن تخصيص قوة جوية مرافقة، وإبقاء دوريات جوية قتالية فوق المنطقة، وتوفير قدرات استخبارات ومراقبة واستطلاع بشكل دائم.

ويضيف أن وجود قوات على الأرض داخل إيران سيعيد فرض التحدي اللوجستي ذاته، ما يعني ضرورة دعم هذه القوات ميدانياً، وحماية مسار الإمداد الخاص بها، إلى جانب الحاجة إلى وسائل نقل كافية، سواء بطائرات عمودية أو ثابتة الجناح، لإدخال العناصر وإخراجها بالكامل.

كما يبرز تحدياً إضافياً يتمثل في التعامل مع المادة النووية نفسها، إذ يتحدث عن نحو 450 كيلوغراماً تقريباً، أي ما يوازي ألف رطل من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، وهي مادة قاتلة تستلزم تعبئة آمنة ونقلاً منظماً وموقعاً محدداً لإعادتها إليه.

مضيق هرمز
أما في البعد البحري، فيضع فوتيل إغلاق مضيق هرمز ضمن سياق الأدوات الاستراتيجية المتوقعة التي تلجأ إليها إيران في إدارة الصراع. ويرى أن هذه الخطوة لم تكن مفاجئة، بل تعكس استثمار طهران لأهم أوراق قوتها الجغرافية، باعتبار المضيق نقطة اختناق حيوية وضغط دولي بالغ الحساسية.

ويؤكد فوتيل أن مهمة مرافقة السفن في المضيق وإزالة الألغام منه تبقى ممكنة من الناحية العسكرية، لكنه يشدد على أن الدخول في هذه المرحلة يتطلب أولاً استكمال الحملة العسكرية الجارية حالياً، التي تركز على تقليص القدرات الإيرانية إلى حد كبير.

وبحسب تقديره، فإن "سنتكوم" تنفذ خطة حرب قد تستغرق أسابيع لتدمير الجزء الأكبر من القدرات العسكرية الإيرانية، وبعد ذلك فقط يمكن تهيئة الظروف لإعادة فتح المضيق، ثم تنظيم مرور الناقلات ومرافقتها.

غير أن المشكلة الأخطر، بحسب فوتيل، تبقى الألغام، لأن ناقلات النفط العملاقة شديدة الهشاشة نسبياً، وإذا اصطدمت إحداها بلغم في هذا الممر الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه نحو ميلين في بعض مساراته، فقد تتعطل في موقعها فوراً، ما يعني أن المشكلة لن تقتصر على الألغام نفسها، بل ستتحول أيضاً إلى أزمة سفينة معطلة وكارثة بيئية ومضاعفات تشغيلية أخرى.

وعن قدرة دول الخليج على حماية المضيق بمفردها، لا يبدي فوتيل تفاؤلاً بذلك، إذ يرى أن قدراتها في هذا المجال لا تزال محدودة نسبياً، وأنه لم يتم استثمار ما يكفي من الموارد للحفاظ على المضيق مفتوحاً في حال نشوب نزاع مسلح.

ويشرح أن مثل هذه المهمة تحتاج إلى عدد كبير من المدمرات البحرية، وقدرة على إبقاء دوريات جوية مستمرة فوق المضيق، ومنظومات استطلاع ومراقبة واسعة، وفرق تفتيش، وسفن كاسحة ألغام.

ويقر بأن بعض الدول الخليجية قد تمتلك أجزاء من هذه القدرات، لكنه يستبعد أن تكون لديها الأعداد الكافية من القطع البحرية المطلوبة، كما يشير إلى أن توحيد هذه القدرات تحت قيادة مشتركة يمثل تحدياً كبيراً بحد ذاته، وهو أمر تتولاه الولايات المتحدة عادة. ولذلك يخلص فوتيل إلى أن من الصعب على دول الخليج تنفيذ هذه المهمة بمفردها.

القدرات الصاروخية
وفي تقييمه للقدرات العسكرية الإيرانية، يقدّم فوتيل صورة مركّبة تجمع بين حجم الخسائر واستمرار القدرة على التهديد. ويرى أن القدرات الصاروخية الإيرانية تعرضت لضربة قاسية خلال العمليات العسكرية الجارية، لكنها لم تُستأصل بالكامل، ما يعني استمرار التهديد، وإن بوتيرة مختلفة.

ويشير فوتيل إلى أن الأضرار التي لحقت بإيران لا تقتصر على الصواريخ بحد ذاتها، بل طالت "النظام الصاروخي" ككل، بما يشمل منصات الإطلاق، ومواقع القيادة والسيطرة، ومرافق التصنيع، ومخازن الأسلحة. ويؤكد أن حجم هذا الضرر كان كبيراً، لافتاً إلى تقديرات صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية تتحدث عن تدمير ما بين 70 و80 بالمئة من هذه القدرات.

ويؤكد فوتيل أن التركيز على الأرقام وحدها قد يكون مضللاً، مشدداً على أن إيران ستحتفظ دائماً بقدرة متبقية قادرة على التأثير، موضحاً أن استراتيجيتها لا تقوم على الضربات الكثيفة فحسب، بل على توسيع نطاق الصراع جغرافياً وإطالة أمده عبر الحفاظ على مستوى مستمر من التهديد.

ورغم الضربات التي تعرضت لها هذه القدرات، يقدّر فوتيل أن طهران لا تزال تمتلك مخزوناً معتبراً، مشيراً إلى أن قوتها الصاروخية عند بداية الحرب تراوحت بين 2000 و3000 صاروخ، وأن أكثر من 1000 صاروخ جرى إطلاقها حتى الآن، ما يعني بقاء عدد كبير منها في الخدمة.

وفي المقابل، يرى فوتيل أن الطائرات المسيّرة تمثل تحدياً مختلفاً، إذ يسهل على إيران حمايتها وتشغيلها مقارنة بالصواريخ، نظراً لعدم حاجتها إلى بنية معقدة، فضلاً عن امتلاك طهران مخزونات كبيرة منها.