فيدان: ندعم التوافقات في سوريا ومسار السلام في غزة ونقترب من تسوية بأوكرانيا
أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الخميس، الاتفاق الذي توصلت إليه مؤخراً الحكومة السورية وتنظيم YPG الإرهابي "بالغ الدلالة والأهمية"، مشدداً على دعم بلاده للتوافقات في سوريا "مهما كانت الأطراف".
جاء ذلك في تصريحات أدلى بها لقناة "الجزيرة" القطرية، تَطرَّق خلالها إلى قضايا عدة، وفي السياق السوري قال فيدان: "من حيث المبدأ، نحن في تركيا ندعم أي توافق يُتوصل إليه، مهما كانت الأطراف، فما دامت اتفقت على مبادئ معينة فنرى أنها تستحقّ الدعم من جانبنا".
وأضاف: "لكن لدينا، فيما يخص مصالح الأمن القومي لتركيا، مخاوفنا الخاصة وخطوطنا الحمراء الخاصة. مع ذلك، عندما تعقد حكومة دمشق اتفاقاً مع قسد (واجهة تنظيم YPG الإرهابي)، فإن هذه الاعتبارات تُؤخذ عادة في الحسبان".
وتابع "إذا عدنا إلى الوضع الحالي، فإن وقف إطلاق النار ما زال قائما، وهذا يتيح للقوات الأمريكية نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق. وأرى أن ذلك تطور مهم، وأعتقد أن على الجميع المساعدة في هذا الصدد، ونحن في تركيا نحاول أن نبذل قصارى جهدنا مع الأمريكيين لتسهيل ذلك فعلاً".
وردّاً على سؤال عما إذا كانت تركيا ستقبل بأي "بنية للشرطة يقودها الأكراد"، قال فيدان إن "قسد هو في الأساس امتداد لتنظيم PKK الإرهابي في سوريا"، وأشار إلى أن PKK الإرهابي له 4 أذرع في أربع دول: سوريا والعراق وإيران وتركيا، وهذا يعني أن له أهدافاً تتعلق بهذه الدول.
وشدد على أن تركيا تولي أهمية حقيقية لأكراد سوريا، وأنه يجب معاملتهم بعدالة كبيرة، موضحاً أن "تنظيم PKK الإرهابي جنّد في الماضي وحشد مئات الأشخاص وأرسلهم للعمل ضمن صفوف قسد في سوريا".
وتابع: "هؤلاء ليسوا سوريين، وهم الآن في سوريا، وهدفهم الوحيد هو الإضرار بمصالح الأمن القومي لتركيا، ونحن نريد أن يزول هذا الأمر بالفعل".
وأردف: "النقطة الثانية في هذا الصدد، التي لا يعرفها الرأي العامّ العالمي جيداً، هي أنه لا يجري فقط إيواء عناصر PKK القادمين من دول أخرى، في المناطق الخاضعة لسيطرة قسد في سوريا، بل كذلك عناصر من اليسار التركي، حيث يُوفَّر ملاذ ومساحة عمليات لهم من أجل تنفيذ أنشطة ضد تركيا".
وكشف فيدان أن نحو 300 مسلح أعضاء في تنظيمات يسارية تركية، مهمتهم الوحيدة البحث عن فرص لمهاجمة الجنود الأتراك وقوات الأمن التركية. وأضاف: "نحن نعرفهم جميعاً وهم يعرفون ذلك، ونريد أن يزول هذا الأمر أيضاً وما تبقى يجب تناوله في إطار مبادئ الدولة ذات السيادة والموحدة".
وقال فيدان "في دولة موحدة وذات سيادة، لا ترغبون بوجود جيشين. يجب أن يكون هناك جيش واحد فقط، تحت قيادة سلطة واحدة. أما قوات الشرطة والمسائل الأخرى، فيمكن تنظيمها بين دمشق وقسد، نحن لا نريد الانشغال بإدارة التفاصيل الدقيقة. إننا واعون تماماً لحساسياتنا، ونرى أن ما نطلبه من قسد ومن الأطراف الأخرى قابل جدّاً للتنفيذ".
وفي 18 يناير/كانون الثاني الجاري وقّعَت الحكومة السورية وتنظيم YPG الإرهابي اتفاقاً يقضي بوقف إطلاق النار، وإدماج عناصر ومؤسسات التنظيم ضمن الدولة السورية، لكن التنظيم واصل ارتكاب خروقات وصفتها الحكومة بأنها "تصعيد خطير".
جاء الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري استعاد خلالها مناطق واسعة شرقي وشمال شرق البلاد، إثر خروقات متكررة من "قسد" لاتفاقه الموقع مع الحكومة في مارس/آذار 2025.
وأشاد فيدان إلى الاستجابة الجيدة من الحكومة السورية لمطالب المجتمعين الدولي والإقليمي، وقال بهذا الخصوص: "دمشق تتعاون مع دول المنطقة والمجتمع الدولي للمساعدة على تضميد جراح سوريا".
ولفت إلى أن العالم والمنطقة يواجهان منذ 14 عاماً مشكلتين أساسيتين بخصوص سوريا، إحداهما الهجرة الجماعية والأخرى التنظيمات الإرهابية.
وثمّن فيدان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش الإرهابي، معتبراً ذلك "أمراً بالغ الأهمية من حيث كون الحكومة الجديدة جزءاً مؤسساً من التحالف".
في المقابل اعتبر فيدان أن تنظيم YPG الإرهابي تسبب أحياناً في خلافات بين الولايات المتحدة وسوريا، مبيناً أن أنقرة وواشنطن ودمشق تجري "مشاورات شاملة" لحل هذه المشكلة بسلاسة.
دعم عملية السلام في غزة
وفي سياق فلسطين، قال فيدان إن موقف تركيا يقوم على "تقديم كل المساهمات الممكنة إنسانياً وعسكرياً وسياسياً لدعم مسار السلام الجاري في قطاع غزة"، وأضاف: "مشكلتنا ليست مع إسرائيل، بل مع السياسات الإسرائيلية في المنطقة، ولا سيما مواقفها تجاه الفلسطينيين، والإبادة في غزة أخيراً".
وشدّد على أن أنقرة سبق أن أعلنت بوضوح تامّ أن قطع علاقاتها التجارية مع تل أبيب سيستمر ما استمرّت الحرب على غزة، وما لم تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إليها، وأكد أن "القطيعة" بين تركيا وإسرائيل مرتبطة بشروط معينة.
وعن "خطة السلام" الخاصة بغزة، أوضح فيدان أنها تتألف من 20 بنداً وطرحت أساساً لحلّ الأزمة القائمة في القطاع، مشيراً إلى أن "مجلس السلام" الحالي يمثّل امتداداً طبيعياً لهذا المسار.
ولفت إلى أن الانطلاقة الفعلية لخطة السلام وُضعت خلال اجتماع قادة ثماني دول إسلامية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 25 سبتمبر/أيلول 2025، مضيفاً أن العملية استمرت منذ ذلك الحين عبر تبادل الآراء وإنشاء مؤسسات والتوصل إلى تفاهمات، قبل أن تُفضي إلى تشكيل "مجلس السلام".
على الصعيد العسكري قال فيدان إن حركة حماس لم تكُن يوماً عامل ردع لإسرائيل، مستشهداً بعدم وجود توازن بين القدرات العسكرية لإسرائيل، المدعومة من الجيش الأمريكي، وبين القدرات العسكرية للحركة.
وأضاف: "رغم أن حماس تقاوم الاحتلال، فإنها ليست قوة ردع. وفي أفضل الأحوال يمكن أن تكون عامل إزعاج لإسرائيل، لكنها لا يمكن أن تشكل عامل ردع حقيقيّاً".
وأشار فيدان إلى أن العناصر الأمنية التابعة لحماس قادرة على إدارة قطاع غزة بالكامل وتوفير خدمات الأمن والشرطة فيه، إلا أن إسرائيل، بحسب قوله، كانت ولا تزال في موقع يسمح لها بتنفيذ عمليات عسكرية متى شاءت.
وبخصوص مقترح "قوة الاستقرار الدولية" في غزة، توقع فيدان أن يكون تطبيقه على الأرض مفيداً للإسرائيليين والفلسطينيين من حيث تقليل مخاطر الهجمات المتبادلة أو انتهاك الترتيبات الأمنية، معرباً عن اعتقاده أن ذلك قد يفتح صفحة جديدة في القضية الفلسطينية.
وحول اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مشاركة تركيا في "مجلس السلام"، قال فيدان إن أنقرة تلقّت الدعوة وتشارك حالياً في المجلس، مشيراً إلى إدراج اسمه ضمن "مجلس غزة التنفيذي".
وأضاف أن تركيا، إلى جانب مصر وقطر والولايات المتحدة، تُعَدّ عضواً أساسياً في نواة مجموعة الوساطة، مؤكداً أن دور بلاده يتمثل في تقديم كل ما يمكن من مساهمات إنسانية أو عسكرية أو سياسية لدعم مسار السلام في غزة، لافتاً إلى أن أنقرة مستعدة لتوفير قوات عسكرية لقوة الاستقرار الدولية في حال تلقّيها طلباً بذلك.
وردّاً على سؤال بشأن تراجع الثقة في "المظلة الأمنية الأمريكية" عقب الهجوم الإسرائيلي على وفد حماس التفاوضي في الدوحة في 9 سبتمبر/أيلول 2025، قال فيدان إن دول الخليج والمنطقة عموماً بحاجة إلى ترتيبات أمنية خاصة بها، لا بغرض الردع فقط، بل لبناء الثقة المتبادلة.
وأوضح أن المشكلة الأساسية في المنطقة تكمن في نقص الثقة بين الدول القومية، مؤكداً أن تعزيز الثقة بين شعوب المنطقة من شأنه أن يسهم في تحقيق الاستقرار والسلام، وأضاف: "لن تكون هناك هيمنة، لا تركية ولا عربية ولا فارسية، بل دول المنطقة تجتمع وتتصرف بمسؤولية".
وأضاف "انظروا كيف بنى الاتحاد الأوروبي هيكله من الصفر حتى اليوم، لماذا لا نستطيع نحن أن نفعل الشيء نفسه؟".
تأكيد حل داخليّ للشأن الإيراني
وردّاً على سؤال حول الهجمات المحتملة على إيران، قال فيدان: "أعتقد أن الهدف الأساسي لإسرائيل سيتمثل في تدمير بعض القدرات الحيوية للجيش الإيراني". وتابع: "أما هدف تغيير النظام، فهذا مرتبط بالشعب نفسه لت بتدخُّل عسكري خارجي".
وأوضح أن "الشعب الإيراني، في زمن الحرب وعند التعرض لهجوم من الخارج، بخاصة إذا كان من إسرائيل، يلتفّ دائماً حول قيادته". وأكد أن تركيا تشجع على مزيد من التعاون الإقليمي، لكنه شدد على أن تحقيق ذلك يتطلب "التخلي عن بعض الممارسات والسياسات".
منصة تضامن إقليمي
وفي تعليقه على اتفاقية الدفاع التي وُقعت العام الماضي بين السعودية وباكستان، واحتمال انضمام تركيا إليها، وما إذا كانت دول أخرى في المنطقة قد تحذو حذو هذا النموذج، قال فيدان: "أعتقد أن أي اتفاق في المنطقة يجب أن يكون أكثر شمولاً".
وأردف: "هذا مهمّ، فنحن لا نريد أن نثير الانقسام أو أن نؤسس جبهة جديدة، نريد إنشاء منصة تضامن إقليمي، هذا هو الهدف"، وأوضح أن الأمر "يمكن أن يبدأ بين دولتين أو ثلاث، لكن سيكون من المثالي إذا تحول مع الوقت إلى بنية تضمّ معظم دول المنطقة".
وعن تصورات التهديدات المشتركة التي دفعت تركيا إلى الانخراط في مثل هذا الاتفاق، أوضح: "أولاً، أدركنا أنه في غياب التضامن الإقليمي نحتاج دائماً إلى قوة مهيمنة، وعندما تأتي هذه القوة لحل المشكلات ثم تغادر، فإن ما تتركه خلفها غالباً ما يكون أسوأ مما كان عند قدومها. وثانياً، تطلب ثمناً لذلك، إذ عليك أن تدفع لها".
وأشار إلى أن ذلك يترتب عليه كلفة كبيرة، وأنه لا يخدم حتى المصالح الوطنية لتلك القوة المهيمنة، مبيناً أن هذا الأمر شوهد مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى المهيمنة في المنطقة.
وأكّد ضرورة أن تحل دول المنطقة مشكلاتها بنفسها عبر الانتماء الإقليمي، وهو ما يتطلب مستوىً معيناً من التضامن والمؤسسية، بما يستدعي عقد اتفاقات وإنشاء منصات مشتركة.
وشدّد فيدان على أن الدول يجب أن تكون قادرة على حل مشكلاتها بنفسها حتى لا تُضطرّ إلى الاعتماد على قوة مهيمنة.
وقال الوزير إن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إزاء المنطقة تتقاطع إلى حد كبير مع رؤى أنقرة بعديد من الملفات، مستشهداً بدعم استقرار سوريا وإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية وإحلال السلام وترسيخ وقف إطلاق النار بغزة.
الحرب الروسية-الأوكرانية
أكد فيدان أن فرص التوصل إلى اتفاق سلام في الحرب الروسية-الأوكرانية باتت أقرب من أي وقت مضى مقارنة بالمحاولات السابقة. وقال: "أنقرة على تواصل دائم مع الأطراف المعنية في مسار مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا، واضطلعت بدور كبير في مفاوضات وقف إطلاق النار".
وأوضح: "من حيث إشراك جميع الأطراف، بما في ذلك الدول الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة، وإلى حدّ ما روسيا أيضاً، نحن أقرب من أي وقت مضى إلى اتفاق سلام محتمل مقارنة بالمبادرات السابقة".
وأضاف: "أنا على تواصل دائم مع الأطراف المعنية، لأن تركيا لعبت دوراً كبيراً في عديد من أبعاد مفاوضات وقف إطلاق النار".
وذكّر فيدان بأن تركيا سهّلت عقد الاجتماعات، وعمليات تبادل الأسرى، وغيرها من القضايا الإنسانية، مؤكداً ضرورة استمرار الحوار والمفاوضات بين الأطراف رغم مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب.
ولفت إلى أن تركيا أدركت هذه الحاجة، وأن وقف إطلاق النار المحتمل بين روسيا وأوكرانيا يُعَدّ جزءاً من أهداف سياسة بلاده الخارجية، معرباً عن ترحيب بلاده بأداء دور المُيسر في هذا الصدد.
وبيّن أن أي اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا لن يكون بين البلدين فقط، بل سيكون أيضاً بين أوروبا وروسيا، كما سيعيد تعريف العلاقات الاقتصادية والتجارية بين روسيا والولايات المتحدة، وبين روسيا وأوروبا".
وردّاً على سؤال عن تأثير التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن غرينلاند، ودور حلف شمال الأطلسي "ناتو"، والحرب الروسية الأوكرانية، والعلاقات مع الصين على مستقبل الناتو والجبهة الغربية، قال إن هذه القضايا تمثل تحديات كبرى للمجتمع العابر للأطلسي.
وأضاف أن الحرب الروسية-الأوكرانية وتغير موقف الولايات المتحدة ليست سوى جزء من المشكلة.
وأشار إلى قضايا أخرى طرأت على هذا النقاش، مثل احتمال ابتعاد واشنطن عن منظومة الأمن الأوروبي، وما يثيره ذلك من قلق كبير لدى الأوروبيين، فضلاً عن قضية غرينلاند والتعريفات الجمركية التي تخلق بدورها مشكلات إضافية.
في سياق آخر قال الوزير التركي إن حلف الناتو يظل إطار التعاون الأساسي في مجال الأمن للمجتمع العابر للأطلسي.
وحذّر من أنه في حال انقسمت دول الحلف وانحازت إلى طرف أمريكي وآخر أوروبي، فسيكون لزاماً على أوروبا أن تزيد قدراتها الدفاعية بأي شكل.
وتعليقاً على برنامج العمل الأمني لأوروبا SAFE، أوضح أن أنقرة تقترح أن تجتمع تركيا والمملكة المتحدة وبعض الدول الأوروبية الكبرى لإجراء "نقاشات نوعية حول ما ستكون عليه البنية الأمنية الجديدة لأوروبا، وما سيعزز قدراتنا على الصمود وقوتنا وقدراتنا الردعية".
وشدّد على أهمية إنشاء "مركز ثقل خاصّ" بالمنطقة، مبيّناً أنه إذا استطاعت المملكة المتحدة وتركيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية الكبرى اتخاذ قراراتها بنفسها، فلن تكون هذه الدول مضطرة إلى الانجراف نحو أطراف عابرة للأطلسي أو الصين أو روسيا، وأكّد إمكانية إقامة "تعاون عالي الجودة" مع هذه القوى الكبرى.
ولفت فيدان إلى أن أوروبا تواجه خياراً بين الاستمرار إلى ما لا نهاية في الاعتماد على الولايات المتحدة بمسألة الأمن، والحاجة إلى إنشاء "مراكز ثقل خاصة"، مؤكداً ضرورة توفير الأمان والاستقرار للجميع في المنطقة.