قلعة الشقيف مجدداً بيد الاحتلال.. إنجاز تكتيكي أم بداية حرب استنزاف جديدة؟
سياسة
7 دقيقة قراءة
قلعة الشقيف مجدداً بيد الاحتلال.. إنجاز تكتيكي أم بداية حرب استنزاف جديدة؟عاد جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى السيطرة على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان للمرة الأولى منذ مايو/أيار 2000، حين انسحب منها ضمن انسحابه الكامل من جنوب لبنان
تتزايد التحذيرات من أن التوسع العسكري في جنوب لبنان قد يحقق مكاسب ميدانية محدودة، لكنه لا يقدّم حلاً حقيقياً للتهديدات التي تواجهها إسرائيل / Reuters

وقادت الفرقة 36 في جيش الاحتلال الإسرائيلي العملية العسكرية أمس الأحد، بينما عبرت قوات برية من لواء غولاني، واللواء السابع، ولواء غفعاتي، ووحدات أخرى نهر الليطاني باتجاه المنطقة.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الفرقة 36 عملت خلال الشهر الماضي على تهيئة الظروف اللازمة للعملية، عبر فتح محاور تسمح بعبور نهر الليطاني وتطهير المناطق المحيطة به. وبعد استكمال السيطرة على بلدة الطيبة الواقعة قرب الحدود مع إصبع الجليل، بدأت قوات الاحتلال التقدم نحو منطقة الشقيف.

وبحسب الصحيفة، تمنح السيطرة على القلعة أفضلية ميدانية تتيح مراقبة مساحات واسعة من جنوب لبنان، وقد اعتبرتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على مدى سنوات موقعاً استراتيجياً يمكن من خلاله رصد التهديدات الموجهة نحو بلدات شمال إسرائيل.

وقال جيش الاحتلال الإسرائيلي، إن العملية نُفذت بعد تصديق رئيس الأركان عليها، وسبقتها تحضيرات عملياتية وهندسية ونارية بإشراف القيادة الشمالية.

وأضاف أن النشاط العسكري يركز على إحكام السيطرة على المرتفعات ومنطقة وادي السلوقي، إلى جانب استهداف مواقع وبنى تحتية تابعة لحزب الله.

كما أوضح جيش الاحتلال أن سلاح الجو نفذ، قبل دخول القوات البرية، سلسلة غارات مكثفة على أهداف تابعة لحزب الله، بالتوازي مع قصف مدفعي وإسناد ناري من الدبابات.

أهداف العملية

تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن أهداف العملية العسكرية لا تقتصر على إبعاد التهديدات المباشرة عن المستوطنات الشمالية، بل تشمل أيضاً توظيف التقدم الميداني ورقة ضغط في المسار السياسي والتفاوضي.

ووفقاً لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، يسعى جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال العملية البرية إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية ومنع ترابط مساري التفاوض والتصعيد بينهما، والثاني الدفع نحو إطلاق مسار أوسع لنزع سلاح حزب الله، على الأقل في جنوب لبنان.

ومع ذلك، لا تبدي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تفاؤلاً بإمكانية تحقيق هذه الأهداف في المدى القريب، حيث نقلت صحيفة "معاريف" عن ضابط إسرائيلي رفيع قوله: "دعونا نضع الأمور في حجمها الطبيعي. في النهاية سيطرنا على تلة أخرى. حالياً لا نستطيع تنفيذ الخطوات التي نرغب فيها. هناك خطط، لكن لا يوجد تصريح لتنفيذها. نحن نحاول السير على الخط الرفيع بين ما يوافق عليه الأمريكيون ضمناً وما يمنعونه أو يفرضون قيوداً عليه".

وفي السياق ذاته، يرى المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي أن إسرائيل انزلقت إلى حرب استنزاف في لبنان، مشيراً إلى أنها حرب تُدار فوق رؤوس سكان الشمال، وتفرض على جيش الاحتلال الإسرائيلي أثماناً متواصلة من القتلى والجرحى، إلى جانب استنزاف قواته النظامية وقوات الاحتياط.

ويعتبر أشكنازي أن المعضلة الأساسية لا تكمن في الإنجازات الميدانية بقدر ما تكمن في غياب استراتيجية سياسية واضحة تحدد مآلات الحرب وأهدافها النهائية.

ويذهب المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل إلى الاتجاه ذاته، إذ يرى أن الجدل الإعلامي الإسرائيلي انشغل بالرمزية التاريخية للعودة إلى قلعة الشقيف أكثر من انشغاله بالأسئلة الجوهرية المتعلقة بجدوى الحرب في الشمال.

ويشير هرئيل إلى أن النقاش العام تجاهل قضايا أساسية، من بينها الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان، وغياب حلول فعالة لمواجهة تهديد الطائرات المسيّرة الانتحارية الموجهة بالألياف الضوئية، التي يطلق حزب الله عشرات منها يومياً ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان.

استنزاف بلا حسم

تتزايد داخل الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية التحذيرات من أن التوسع العسكري في جنوب لبنان قد يحقق مكاسب ميدانية محدودة، لكنه لا يقدّم حلاً حقيقياً للتهديدات التي تواجهها إسرائيل على الجبهة الشمالية.

وفي هذا السياق، قال الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، تامير هيمان، إن سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على قلعة الشقيف الاستراتيجية لا تعني القضاء على تهديد الطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله.

وفي تحليل نشره على موقع القناة 12 الإسرائيلية بعنوان: "احتلال قلعة الشقيف ضربة لحزب الله، لكنه يطرح علامة استفهام كبيرة أمام إسرائيل"، اعتبر هيمان أن توسيع العملية البرية والسيطرة على القلعة يمثلان "إنجازاً تكتيكياً مؤقتاً"، لكنه حذر من أن هذه الخطوة قد تتحول إلى "عبء عملياتي ثقيل" في حال غياب هدف استراتيجي واضح.

وأشار إلى أن السيطرة على الأرض لن تؤدي إلى إنهاء تهديد الطائرات المسيّرة أو وقف إطلاق الصواريخ بصورة كاملة، موضحاً أن المنطقة التي يتركز فيها التقدم الإسرائيلي تُعد جزءاً مما يسميه حزب الله "المفتاح الأمني"، وهي منطقة دفاعية واسعة تشكل عمقاً مهماً لمواجهة أي توغل إسرائيلي شمالاً، كما تتيح الإشراف على منطقة إصبع الجليل.

ورغم الأهمية العسكرية للمنطقة، تساءل هيمان عن الجدوى الاستراتيجية للعملية، قائلاً إن السيطرة على منطقة انطلقت منها طائرات مسيّرة لا تعني إزالة التهديد، لأن عمليات الإطلاق تجري من مناطق أخرى عديدة داخل لبنان.

وأضاف أن أحد أهداف العملية يتمثل في زيادة الضغط على الدولة اللبنانية وتعميق الفجوة بينها وبين حزب الله، لكنه شدد على أن السيطرة على مرتفعات النبطية أو مدينة صور أو حتى كامل المنطقة الواقعة حتى نهر الليطاني لن تؤدي إلى هزيمة الحزب.

وأوضح هيمان أن مراكز الثقل الحقيقية لحزب الله تتمركز في بعلبك وبيروت، فيما تنتشر قدراته الصاروخية بعيدة المدى في مختلف أنحاء الأراضي اللبنانية.

ورغم تقديره بأن حزب الله أضعف من أن يوقف التقدم الإسرائيلي ميدانياً، وأنه غير قادر على مواجهة المناورة البرية بصورة مباشرة، فإن هيمان حذر من مرحلة ما بعد السيطرة على الأرض، معتبراً أنها تمثل التحدي الأكبر.

وقال إن الاحتفاظ بالمناطق التي سيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي يتطلب أعداداً كبيرة من القوات وموارد مستمرة، في حين أن الانسحاب منها يبدو خياراً صعباً في ظل الاعتبارات السياسية الداخلية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل.

وتنسجم هذه التقديرات مع تحذيرات صدرت عن محللين وقادة عسكريين إسرائيليين سابقين، رأوا أن العملية الحالية قد تدفع إسرائيل نحو حرب استنزاف طويلة الأمد في لبنان، من دون أن تحقق أهدافاً سياسية أو استراتيجية حاسمة، ما يثير تساؤلات متزايدة داخل إسرائيل حول جدوى استمرار التوسع العسكري شمال الليطاني.

ماضٍ ثقيل يطارد الحاضر

يرى محللون إسرائيليون أن العودة إلى قلعة الشقيف لا يمكن فصلها عن الذاكرة العسكرية الإسرائيلية المرتبطة بالموقع، التي ما زالت حاضرة في الوعي الإسرائيلي رغم مرور أكثر من أربعة عقود على المعارك التي شهدتها المنطقة.

وفي هذا السياق، يشير المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل إلى أن الاحتفاء الإسرائيلي بالسيطرة على القلعة تجاهل إلى حد كبير الثمن الذي دفعه جيش الاحتلال الإسرائيلي في المكان نفسه خلال الماضي.

ويقول هرئيل إن كثيراً من الإسرائيليين، وخصوصاً الأجيال الشابة، لا يتذكرون أن وحدة النخبة في لواء غولاني سيطرت على القلعة خلال حرب لبنان الأولى عام 1982 بعد معركة قُتل فيها ستة جنود، بينهم قائد الوحدة الرائد غيورا هرنيك المعروف باسم "غوني".

كما يلفت إلى أن شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي لم تعش تجربة الوجود العسكري في جنوب لبنان خلال تسعينيات القرن الماضي، حين كانت عبوات حزب الله الناسفة تستهدف بصورة متكررة قوافل جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل المنطقة الأمنية التي كانت إسرائيل تسيطر عليها آنذاك.

وبعد انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الشريط الأمني عام 1985، تغير الدور العسكري لقلعة الشقيف، فبعد أن كانت نقطة انطلاق للعمليات الهجومية، تحولت إلى موقع متقدم ومعزول في عمق جنوب لبنان.

وعلى مدى نحو خمسة عشر عاماً، تمركزت قوات الاحتلال داخل الموقع وسط تحصينات عسكرية كثيفة وتحت نيران متواصلة من حزب الله، فيما أصبح الطريق المؤدي إلى القلعة يُعرف داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي باسم "محور الدماء" بسبب كثرة الهجمات والعبوات الناسفة التي استهدفت القوات المتحركة عليه، وأوقعت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.

وتشير صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن القلعة تحولت مع مرور الوقت إلى أحد أبرز رموز الوجود العسكري الإسرائيلي الطويل والمكلف في لبنان، وباتت تمثل لجيل كامل من الجنود وعائلاتهم رمزاً لحرب استنزاف استمرت سنوات.

وفي تعليق على العودة الإسرائيلية الحالية إلى القلعة، قال تسفيكا بركاي، الذي قاد معركة السيطرة على القلعة خلال حرب لبنان الأولى، إن الأهمية الرمزية للموقع لم تتغير، مضيفاً في مقابلة مع موقع "واينت" أن الانسحاب عام 2000 كانت له نتائج متباينة.

وقال بركاي: "لم تتغير أهميته الرمزية، ولذلك أنا سعيد. وبالنظر إلى الوراء، كانت نتيجة الانسحاب هي حرب لبنان الثانية، لكن كانت هناك أيضاً سنوات طويلة من الهدوء. الأمر ليس أحادياً أو قاطعاً. فلو لم نفعل ذلك، لكنا منقسمين ومتنازعين فيما بيننا".


مصدر:TRT عربي - وكالات
اكتشف
واشنطن: استهدفنا مواقع تحكم للمسيرات في جزيرتين إيرانيتين مطلع الأسبوع
لبنان.. جيش الاحتلال يسيطر على قلعة استراتيجية ويشن عملية برية لاحتلال مناطق ويتجاوز الليطاني
باريس سان جيرمان بطلاً لدوري أبطال أوروبا للعام الثاني توالياً على حساب أرسنال
رداً على خروقات الاحتلال.. حزب الله يستهدف 8 مستوطنات وقواعد عسكرية
البنتاغون يتحدث عن مباحثات "مثمرة" بين لبنان وإسرائيل ضمن المسار الأمني
12 مليار دولار وامتيازات في هرمز..ماذا يتضمن الاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن حسب الإعلام الإيراني؟
طهران تُخضع عبور السفن بمضيق هرمز لتصاريح مسبقة وواشنطن تعترض سفينة متجهة إلى إيران
حزب الله يقصف صفد بـ5 صواريخ وصافرات الإنذار تدوّي 20 مرة شمالي إسرائيل
إيران: روسيا والصين ستحصلان على معاملة تفضيلية في العبور عبر مضيق هرمز
مستشار خامنئي: ترمب خان الدبلوماسية مجدداً بسبب مطالبه المفرطة من إيران
جيش الاحتلال يتوغل شمال الليطاني وينذر 13 بلدة بالإخلاء وإصابة عسكريَّين لبنانيين بقصف إسرائيلي
عون وسلام يؤكدان أولوية وقف إطلاق النار بعد مباحثات أمنية لبنانية-إسرائيلية في واشنطن
غزة.. استشهاد فلسطيني في دير البلح وارتفاع حصيلة الإبادة إلى 72 ألفاً و938
ضيوف الرحمن يختتمون مناسك الحج بأداء طواف الوداع
واشنطن تنهي مهمة توم باراك مبعوثاً خاصّاً إلى سوريا وتؤكد استمرار دوره في المنطقة