"قد أحسن بي"... ما لا يستطيع السجّان أن يسلبه
الحرب على غزة
5 دقيقة قراءة
"قد أحسن بي"... ما لا يستطيع السجّان أن يسلبهنصوص للأسير المحرّر ناجي الجعفراوي، يروي فيها كيف تتجلّى معية الله في قلب السجن، وكيف تتحول المحنة إلى طريق للإيمان. شهادات تعيد تعريف الحرية والقيد، وتكشف ما لا يستطيع السجّان أن يسلبه من الإنسان.
يعيد ناجي عبر هذه الكلمات تعريف كثير من المعاني في عالمنا: النور والظلام، الصحة والمرض، الحرية والسجن. / TRT ARABI
منذ 2 ساعات

في هذه النصوص التي ألقاها ودوَّنها الأسير المحرر والداعية ناجي الجعفراوي، يبيّن لنا كيف يتجلّى لطف الله في ذروة وحشية البشر، وكيف يشرق نور الله في أحلك ظلمات الظلم.  

يعيد ناجي عبر هذه الكلمات تعريف كثير من المعاني في عالمنا: النور والظلام، الصحة والمرض، الحرية والسجن. وكل ذلك ينطلق من اللحظة التي يتحرر فيها الإنسان من كل شيء، بما في ذلك حربته ليصل إلى تمام مرتبة الإحسان.

"وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن"، سجون كثيرة نخرج منها عند دخول سجن البشر، نتجرد من كل شيء ونقف أمام الله وفي تمام العبودية نكون في تمام الحرية.

(١)

في عوفر.. حين سبق إحسان الله السجن

أحمد أسير كان معنا في عوفر، دائماً ما كان شارد الذهن، وتفكيره محصوراً في ابنته الوحيدة، ومع شدة المجهول الذي كنا نعيشه، واجتماع شتى صنوف العذاب الجسدي والنفسي علينا في تلك الفترة، أصابه الإحباط ودخل في حالة من العزلة والصمت الدائم.

وفي ليلة من ليالي السجن البائسة المظلمة بلغ به اليأس مبلغاً شديداً؛ وفجأة صحونا على صوت أحمد وهو يضرب رأسه في باب الزنزانة حتى سال الدم من رأسه.

بعد هذه الحادثة جلست على فرشتي المهترئة التي لا يتجاوز سمكها سنتيمترين، وسرحت طويلاً، وقلت في نفسي: "وقد أحسن بي".

أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة هذه الآية هو السجن، لكنني في الحقيقة اكتشفت أن الله عز وجل أحسن بي قبل السجن، إذ هيأني لهذا الابتلاء. أحسن بي، إذ خلقني مسلماً، لا مسلماً بالهوية فحسب، بل إنني مسلمٌ بكمال الاستسلام لله والتسليم لأمره، والإيمان بأن الحكمة المطلقة تكمن فيما اختاره الله.

أحسن بي إذ رزقني القرآن، وعلمني وفهمني آياته، فعشت معانيه؛ تلك المعاني التي لولاها لتملك اليأس قلبي، ينهش عقلي وروحي، فأكون أسيراً له قبل أن أكون أسيراً في سجني.

(٢) 

"سدي تيمان"..  ١٠٠ يوم بلا سجود.

"يوم يُدْعَوْنَ إلى السجود فلا يستطيعون".

"وقد كانوا يُدْعَوْنَ إلى السجود وهم سالمون".

في السجن توقفت مع هاتين الآيتين طويلاً، وكنت أقول في نفسي إن ما أنا فيه الآن مشهدٌ مصغَّر ليوم القيامة. كثيرٌ منا مقصِّر ومفرِّط في حق الله وجنب الله؛ يعرف حدود الله، لكنه يتعدّاها، ويعرف أوامر الله، لكنه لا يعمل بها.

كثيرٌ منا في الواقع يسمع الأذان طوال النهار، لكنه للأسف لا يلبّي، ويظن أن هذا أمر يمكنه إدراكه لاحقاً، وأن ما في يده وما هو مشغول به الآن أولى وأهم وقد يفوته.

ولم يدرك المسكين القاعدة التي تقول: (كل ما تستعجل عليه فهو بيد من تقف بين يديه).

كنت أحدث نفسي كثيراً عن تقصيري في حق الله، وكم كان يمكن أن أكون مؤدِّياً للطاعات والعبادات في وقت الرخاء على الوجه الذي يحبه ربنا ويرضى، لتكون عُدَّةً ورصيداً لي في وقت المحن والابتلاء. لكن للأسف لم أتذكر هذا إلا حين صار إدراكه مستحيلاً.

في "سدي تيمان" تمنيت لو أستطيع أن أسجد بين يدي الله سجدةً واحدةً أرفع فيها شكواي وضعفي وافتقاري وحاجتي إليه، لكن للأسف لم أكن أستطيع. تخيّلوا أكثر من مئة يوم لم نكن نستطيع أن نصلي فيها ركعةً واحدة.

ولو سأل أحد: كيف كنتم تصلّون؟ أقول: كنا نصلي بالعين، نعم بالعين. للأسف حتى الحركات أو الإيحاءات والإيماءات بالجسد لم نكن نستطيع أن نفعلها؛ لأن الجنود لو لاحظوا علينا ذلك لكانت العقوبة تأتي مباشرة.

تخيّلوا أكثر من مئة يوم لم نتوضأ فيها وضوءاً صحيحاً كاملاً. وفي كثير من الأحيان لم نكن نستطيع حتى التيمم. ولو سأل أحد: كيف كنتم تصلّون من دون طهارة؟ أقول: كنا نصلي صلاة فاقد الطهورين.

لهذا فإن كثيراً من الأمور في حياتنا الآن نستطيع إدراكها والعمل بها قبل أن نصل إلى مرحلة

"يوم يُدْعَوْنَ إلى السجود فلا يستطيعون".

لذلك، وقد أحسن بي إذ أطال في عمري، ورزقني فسحةً من الأجل لأدرك ما فات… وقد أحسن بي.

(٣)

كاميرات السجان.. واسم الله الرقيب

في عوفر كنا عشرين أسيراً في غرفة صغيرة مساحتها ستة أمتار في أربعة، وكان لدينا كاميرتان. تخيلوا أننا كنا نحسب للكلمة ألف حساب، ببساطة لأن الكاميرات كانت تصور صوتاً وصورة، وأي كلمة قد تصدر من أحدنا يمكن أن تكون سبباً في إعادته إلى التحقيق والتعذيب من جديد. تخيلوا أن كاميرتين كانتا كفيلتين بضبط السلوك والألفاظ.

وطبعاً لم يكن ذلك يوماً أو أسبوعاً أو شهراً، بل أتحدث عن سنة ونصف السنة ونحن على هذه الحال.

السؤال:
كيف حالنا مع مفهوم المراقبة الذاتية؟
أين نحن من اسم الله الرقيب؟
هل استشعرنا أن الله ناظر إلينا، وأن الله مطلع علينا في كل لحظة؟ هل كان رب العالمين الحائل والحاجز الأول بيننا وبين أي معصية؟
هل خفنا منه كما نخاف أن يرانا المدير، نفعل شيئاً غير صحيح داخل بيئة العمل؟

تخيلوا لو أن الكاميرات في بيت كل واحد منا ومكتبه ودكانه ومحله ومصنعه وسيارته، ومتصلة بالبث المباشر، ويمكن لأي أحد أن يرانا، كيف ستكون تصرفاتنا؟

أتعرفون شيئاً؟ لو ترسخ فينا هذا المفهوم فصدقوني سننجو يوم القيامة.
لأننا باختصار، قبل أن نفكر في قول أي كلمة أو القيام بأي تصرف، سنفكر: هل في ذلك مرضاة رب العالمين أم سخطه والعياذ بالله؟ وسيكون هذا الوازع الأول.

سنُهذِّب كل أحوالنا وأقوالنا وأفعالنا، وبالتالي سنتخفف من السيئات والآثام والذنوب والمعاصي، في الخلوات والجلوات، وسنستشعر لذة الإيمان وحلاوته والقرب من الله.

مشكلتنا أننا إذا خلونا بأنفسنا نظن أنه لا أحد يرانا ولا أحد يعلم بنا، فنفعل ما نشاء.

"إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل … خلوت ولكن قل عليّ رقيب"

صدّقوني، إذا عزّزنا في أنفسنا وأهلينا وأزواجنا وأبنائنا مفهوم المراقبة، فستتغير حياتنا تماماً.
وسنتوقف عن السعي إلى رضا المخلوق، وسيكون همنا الأساس رضا الخالق.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
واشنطن تقدر تكلفة حرب إيران بأكثر من 11 مليار دولار في 6 أيام.. وترمب: علينا إنجاز المهمة
عقب ضرب ميناء صلالة.. سلطان عمان يستنكر استهداف إيران أراضي بلاده المستمر
9500 أسير بسجون الاحتلال بينهم 73 سيدة.. وإدانة فلسطينية لإغلاق الأقصى أمام المصلين
عشرات القتلى والجرحى بغارات إسرائيلية على لبنان.. و100 ألف نازح يومياً يفاقمون الكارثة الإنسانية
قطر تعلن تصديها لهجمة صاروخية جديدة.. والكويت تعترض مُسيرات وصواريخ
إيران تتهم مجلس الأمن بتجاهل مقتل دبلوماسييها.. واجتماع طارئ للمجلس لبحث تطورات الحرب في المنطقة
مخاوف من أزمة مياه إقليمية مع تصاعد الحرب.. محطات التحلية في الشرق الأوسط تحت التهديد
طهران تعلن إسقاط 104 مسيّرات منذ بدء الهجمات.. والجيش الأمريكي يدمر سفناً إيرانية لزرع الألغام
20 قتيلاً بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان.. وإصابة عسكريين إسرائيليين في هجوم بمسيرة لحزب الله
"أطباء السودان" تعلن مقتل 7 بينهم طفل بقصف لـ"الدعم السريع" على الدلنج
الضفة.. الاحتلال ومستوطنون يحاصرون 30 عائلة فلسطينية وسط مواجهات واقتحامات واعتقالات
ترمب يهدد إيران بعواقب عسكرية غير مسبوقة بشأن "ألغام محتمَلة في مضيق هرمز" وطهران تتوعد بالرد بالمثل
أردوغان: تركيا دولة نموذجية يتمتع فيها الجميع بحرية الدين
غوتيريش يتوجه إلى تركيا للقاء الرئيس أردوغان في زيارة رسمية
تحذير من تهديد بحري "حرج" بمضيق هرمز.. واجتماع طارئ لـ"الطاقة الدولية" بشأن المخزونات الاستراتيجية