إعادة البناء من الأنقاض.. "غرين روك" مبادرة محلية لحل أزمة الإيواء في غزة
تحت سقفٍ واهن من النايلون، وفي مساحة ضيقة بدير البلح وسط غزة، يعمل شبّان بين ماكينات بدائية وأدوات يدوية لتحويل ركام المنازل المدمّرة إلى طوب بناء.
في هذه الورشة التقليدية حيث تغيب المعدّات الثقيلة، يتقدّم الجهد البشري ليصنع حلاً فرضته الحاجة في ظل الحصار الإسرائيلي وغياب البدائل، وُلد مشروع "جرين روك" للبناء كمحاولة لكسر معادلة باتت مألوفة في غزة: دمار بلا حلول.
وبينما يُنظر إلى الركام باعتباره عبئاً بيئياً وإنسانياً، ويقدر بأكثر من 61 مليون طن من الأنقاض، وهو ما يوازي تقريباً 169 كغم من الحطام لكل متر مربع من مساحة القطاع، يعيد هذا المشروع تعريفه كمورد بديل لإنتاج طوب بناء صديق للبيئة، يوفّر مأوى مؤقتًا للنازحين لفترة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات.
ركام بلا أفق إعمار
من أين جاءت فكرة المشروع؟ يجيب مؤسسه الريادي الشاب الأربعيني سليمان أبو حسنين في حديثه لـTRT عربي "بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لا يزال مئات آلاف الفلسطينيين في غزة يعيشون في خيام مؤقتة، وسط غياب أي ملامح لإعادة الإعمار، في المقابل، تتكدّس ملايين الأطنان من الركام الناتج عن تدمير الأحياء السكنية والبنية التحتية، فجاءت الفكرة لتقديم نموذج عملي لتحويل أنقاض الحرب إلى حلول سكنية مؤقتة، تحافظ على كرامة النازحين، وتطرح بديلاً محلياً في سياق تتآكل فيه قدرة الإغاثة التقليدية، باستخدام طوب صديق للبيئة".
ويضيف " يعتمد مشروع "جرين روك" على إعادة تدوير الركام الناتج عن القصف، عبر طحنه وخلطه بالتربة المحلية لإنتاج طوب بناء بديل، على غرار طوب "الليغو" المعروف عالمياً المستخدم عادة في مشاريع البناء السريع، والذي يحتوي على نسبة إسمنت تتراوح بين 7 و12%، لكن بسبب شح المواد بغزة نجح الفريق في إنتاج عينات طوب صفر إسمنت".
هذه النتيجة لم تكن وليدة التجربة الأولى، بل جاءت بعد سلسلة اختبارات محلية متكررة، هدفت إلى الوصول إلى خلطة قادرة على تحقيق التماسك والمتانة، ويعتمد الطوب المنتج جزئياً على بقايا الإسمنت العالقة أصلاً في الركام، والتي تسهم في عملية الترابط، دون الحاجة إلى إضافة إسمنت جديد، في ظل شحّه ومنع إدخاله بفعل الحصار.
يشير أبو حسنين إلى أنه قبل اعتماد الطوب للاستخدام، يخضع لفحوصات في معامل اختبارات هندسية وتحت إشراف مهندسين مختصين، تشمل قياس قوة التحمل والضغط، بما يتناسب مع طبيعته كمادة مخصصة لمآوٍ مؤقتة، لا مبانٍ دائمة.
خيار اضطراري يحفظ الكرامة
ويُخطط لاستخدام هذا الطوب في إنشاء وحدات سكنية بسيطة بمساحة تقارب 50 متراً مربعاً، تتكوّن من غرفتين ومطبخ وحمام وساحة صغيرة، إلى جانب إمكانية توظيفه في بناء نقاط طبية ومراكز تعليمية في المناطق المهمّشة، حيث تندر البنية التحتية وتغيب الحلول السكنية البديلة.
لا ينفصل المشروع عن واقع الحصار، إذ يواجه القائمون عليه بحسب أبو حسنين عدة تحديات تقنية ولوجستية معقّدة، في مقدمتها انقطاع الكهرباء، وغياب المعدات الثقيلة اللازمة لإعادة تدوير الركام، مثل الكسّارات الصناعية.
ويُعدّ الاعتماد على إعادة التدوير اليدوية أحد أبرز التحديات، إذ تتطلب عملية طحن الركام وتنقيته جهداً بشرياً مضاعفاً ووقتاً طويلاً، في ظل غياب التمويل الكافي لتوفير آلات متخصصة. ورغم ذلك، تمكن الفريق من تجاوز هذه العقبات جزئياً، والوصول إلى طوب "صفر إسمنت" للبناء، بإمكانات محدودة وجهود ذاتية.
يضم مشروع "جرين روك" ستة أفراد فقط، من مهندسين وعمال بناء، يعملون ضمن ظروف شديدة القسوة، دون دعم مؤسسي ثابت، ويعتمد الفريق على التمويل الذاتي والتجريب المستمر، في محاولة للحفاظ على استمرارية المشروع وتطويره، رغم محدودية الموارد.
يوضح سليمان صاحب فكرة مشروع أن طوب "جرين روك" يتميز بعدة خصائص بيئية على خلاف الطوب التقليدي المستخدم بالبناء أبرزها أنه لا يخضع لعمليات حرق في أثناء التصنيع، ما يقلل من الانبعاثات، كما يتمتع بقدرة على العزل الحراري والصوتي، ما يحدّ من الحاجة إلى مصادر الطاقة، في بيئة تعاني أصلاً من شح الكهرباء.
كما أنه يأتي كاستجابة مباشرة لانهيار سلاسل وارتفاع تكاليف البناء، فغياب الإسمنت، ومنع إدخاله، مما حول إعادة التدوير إلى بديل قسري، لكنه أقل كلفة وأكثر قابلية للتكيّف مع الواقع المحلي، ويعني تقليل تكلفة البناء بنسبة تصل إلى 60% وإمكانية توسيع نطاق الاستفادة، سواء على مستوى المآوي السكنية أو المرافق الخدمية الأساسية، في بيئة تعاني أصلاً من شح التمويل وتراجع المساعدات.
طوب بخصائص بيئية واقتصادية
لا يقتصر المشروع على إنتاج مادة بناء فحسب مؤسس المشروع سليمان، أنه يتبنى مقاربة مجتمعية، تقوم على إشراك النازحين أنفسهم في عملية البناء، فالفكرة الأساسية تقوم على تحويل الركام الذي يجلبه النازحون من منازلهم المدمّرة إلى طوب يُستخدم في تشييد مآوٍ مؤقتة بأيديهم، مما يحولهم من متلقين للمساعدة إلى شركاء في الحل، ويمنحهم هامشًا من السيطرة على شروط عيشهم، ولو مؤقتًا، بعد فقدان منازلهم.
على غرار ذلك يعالج طوب جرين واحدة من أخطر تبعات الحرب غير المرئية، وهي تراكم الركام، الذي لا يشكّل عبئاً بصرياً فحسب، بل مصدراً محتملاً للتلوث وانتشار الغبار والمواد الضارة، ومن خلال إعادة تدوير هذا الركام بدل تركه مكشوفاً أو التخلص منه بطرق بدائية، يحدّ المشروع من الأثر البيئي طويل الأمد، ويقدّم نموذجاً لبناء منخفض الانبعاثات، لا يعتمد على الحرق أو على مواد مستوردة كثيفة الكلفة البيئية.
في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال مواد البناء الأساسية، وعلى رأسها الإسمنت، لم تعد إعادة التدوير خياراً بيئياً فحسب، بل تحوّلت إلى ضرورة إنسانية واقتصادية في آن واحد.
ورغم محدودية نطاق المشروع، فإنه يفتح نقاشاً أوسع حول إمكانات الابتكار المحلي في سد فجوات إنسانية وبيئية واقتصادية خلّفتها الحرب، حين تصبح الموارد المحدودة هي القاعدة، لا الاستثناء.