في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2020، وفي ذروة حرب قره داغ، وقفت كندا تصدير كاميرات "Wescam" التي كانت تحملها الطائرة المسيّرة التركية بيرقدار TB2، كما وقفت شركة " BRP" الكندية تزويدها بمحركات روتاكس.
يومها، امتلأت الصحف بتحليلات تتنبأ بأن أشهر المسيّرات التركية وصلت إلى نهاية مسيرتها، وأن نجاحها كان رهين مكونات أجنبية لم تعد متاحة. لكن بعد أشهر قليلة فقط، عادت TB2 إلى التحليق بكاميرات طورتها شركة أسيلسان ومحركات من إنتاج TEI، لتواصل انتشارها في أوكرانيا وبولندا وعشرات الأسواق الأخرى.
في الفترة نفسها تقريباً، كانت تركيا توقع صفقة تصدير تاريخية مع باكستان لبيع ثلاثين مروحية هجومية من طراز T129 بقيمة بلغت مليارًا ونصف المليار دولار، وهي أكبر صفقة دفاعية في تاريخ الصناعات العسكرية التركية آنذاك.
كانت المروحية تركية التصميم، وخطوط إنتاجها داخل تركيا، والمشتري جاهز، والتمويل مؤمّن، لكن المحرك كان أمريكياً-بريطانياً. وعندما رفضت واشنطن منح رخصة تصديره، توقفت الصفقة بالكامل. انتظرت إسلام آباد سنوات، ثم اتجهت في النهاية إلى المروحية الصينية، لتنهار الصفقة بسبب مكوّن واحد فقط.
الدولة هي نفسها، والزمن هو نفسه، وقواعد اللعبة الدولية لم تتغير. فلماذا تمكنت TB2 من تجاوز العقوبات والتحول إلى قصة نجاح عالمية، بينما انتهى مشروع T129 عند بوابة رخصة تصدير؟
في الواقع، تكمن في الإجابة عن هذا السؤال خلاصة التجربة التركية في الصناعات الدفاعية، وربما أيضًا الدرس الأهم لكل دولة تسعى إلى بناء صناعة دفاع مستقلة.
ولفهم هذه الفكرة، يمكن استعارة تشبيه بسيط. تخيل خياطاً محترفاً يفصل بدلة زفاف؛ القماش إنجليزي، والأزرار إيطالية، والخيط ياباني، أما البطانة فمحلية. قد يمر شخص ويقول باستخفاف: "إنه لا يصنع شيئًا، بل يجمع مكونات جاهزة". لكن لو وضعت المواد نفسها بين يدي شخص غير محترف، فلن تخرج سوى قطع قماش متناثرة. فما يصنع الفارق ليس مصدر الخامات، بل المعرفة التي تحولها إلى منتج متكامل. غير أن لهذا الخياط نقطة ضعف واحدة، فإذا امتنع تاجر القماش الإنجليزي عن البيع عشية الزفاف، تعطل العمل كله. وهذا يقودنا إلى أن فن التركيب شيء، وملكية الخامة شيء آخر، والمسافة بينهما هي موضوعنا.
التكامل والتجميع
من السهل اختزال التجربة التركية في سؤال واحد: هل أصبحت تركيا مستقلة في صناعاتها الدفاعية، أم أنها لا تزال تعتمد على الخارج؟
لكن هذا السؤال، على بساطته، مضلل. فهو يفترض أن العالم ينقسم إلى نموذجين لا ثالث لهما: دول تصنع كل شيء بنفسها، ودول لا تملك صناعة حقيقية. أما الواقع فأكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
تقع التجربة التركية في منطقة وسطى لا تنتمي بالكامل إلى أي من النموذجين. فما حققته أنقرة لم يكن إنهاء الاعتماد على الخارج، بقدر ما كان إعادة تعريف هذا الاعتماد وإدارته بطريقة تقلل مخاطره وتوسع هامش القرار الوطني. وهذا، في كثير من الأحيان، هو الفارق بين صناعة قادرة على الصمود وأخرى تنهار عند أول أزمة.
ولفهم هذه الفكرة، يمكن النظر إلى أي "منصة عسكرية" بوصفها هرماً للقيمة. في قمته توجد العمارة الهندسية للنظام، أي التصميم، وشيفرات التحكم، وبرمجيات التشغيل، وواجهات الاتصال بين المكونات، والأهم من ذلك كله سلطة التكامل التي تجعل محركاً من دولة، ومستشعراً من أخرى، وراداراً محلياً، وذخيرة تركية، تعمل جميعها كوحدة واحدة.
أما في منتصف الهرم فتوجد المكونات الرئيسة، مثل المحركات، والمستشعرات، والإلكترونيات الدقيقة. وفي القاعدة تأتي المواد الخام والخامات الأساسية التي تُبنى عليها المنظومة بأكملها.
وهنا تظهر القاعدة الذهبية في الصناعات الدفاعية: من يملك قمة الهرم يستطيع أن يغيّر ما تحتها، أما من لا يملك سوى المكونات، فيبقى رهينة لمن يملك التصميم والتكامل.
فامتلاك العمارة الهندسية يمنح صاحبه القدرة على استبدال محرك بآخر، أو دمج مستشعر جديد، أو تعديل النظام بأكمله دون الحاجة إلى إذن من أحد. أما من يقتصر دوره على تجميع مكونات جاهزة، فإنه يظل مقيدًا بالقيود التي يفرضها الموردون.
وهذا هو الفارق الجوهري بين "التكامل السيادي" و"التجميع المقنّع" الذي تمارسه دول كثيرة. فالمسألة ليست في عدد القطع التي تُنتج محليًا، بل فيمن يمتلك حق تعديل المنظومة وإعادة هندستها واستمرار تطويرها باستقلالية.
ففي النهاية، معيار السيادة الصناعية لا يُقاس بنسبة المكونات المحلية وحدها، وإنما بامتلاك القرار التقني الذي يحدد كيف تعمل تلك المكونات، وكيف يمكن استبدالها عندما تفرض السياسة أو السوق ذلك.
البناء المعكوس
لم تبنِ تركيا صناعاتها الدفاعية بالطريقة التقليدية التي سلكتها القوى الصناعية الكبرى. فلم تبدأ من المواد الخام، وأشباه الموصلات، والمحركات، ثم تتدرج ببطء نحو إنتاج المنصات العسكرية الكاملة، فهذا مسار قد يستغرق عقوداً. بل اختارت، في كثير من القطاعات، طريقاً معكوساً يقوم على البدء من المنتج النهائي.
كان السؤال الأول: كيف نصنع مسيّرة تؤدي مهمة محددة؟ كيف ننتج مدرعة أو سفينة أو مروحية؟ وبعد أن وُلدت المنصة، جاء السؤال الثاني: أي المكونات يمكن إنتاجها محليًا اليوم؟ وأيها نستورد مؤقتًا إلى أن يتوافر لها بديل وطني؟
هذا النهج يسمح بإدخال المنتج إلى الخدمة والتصدير في وقت مبكر، ما يحقق عائدًا ماليًا ويولد خبرة تشغيلية وهندسية متراكمة. ومع مرور الوقت، تتحول المنصة نفسها إلى سوق مضمونة للمكونات المحلية الجديدة. فالشركة التي تطور كاميرا، أو محركًا، أو نظامًا إلكترونيًا، تعرف مسبقًا أن هناك منصة جاهزة ستستوعب منتجها فور اكتماله، وهو ما يخلق دورة متكاملة تربط الابتكار بالطلب الصناعي.
لكن هذا المسار يحمل في داخله أيضًا تحديدات كبيرة، فكل منصة تدخل الخدمة قبل اكتمال منظومتها الوطنية تحمل في أحشائها مكونات لا تزال خاضعة لقرارات دول أخرى، ما يجعلها عرضة للقيود والعقوبات وحظر التصدير.
إدارة الاعتماد
ما يستحق التأمل في التجربة التركية هو أن إدارة الاعتماد على الخارج لم تعد مجرد استجابة لقيود الواقع، بل تحولت إلى منهج عمل يقوم على ثلاث قواعد رئيسة.
القاعدة الأولى: التوطين وفق ترتيب المخاطر لا وفق ترتيب السهولة. فالمكونات التي تعرضت للحظر أولاً أصبحت أولوية في برامج الإحلال المحلي، بدءاً بالكاميرات والذخائر الذكية والمحركات المكبسية بعد أزمتي 2019 و2020، ثم محركات المروحيات، وصولاً إلى المحركات النفاثة التي تمثل أكثر التحديات تعقيدًا. وبذلك، جاء ترتيب التوطين استجابة لنقاط الضعف الأكثر تأثيراً، لا للمكونات الأسهل تصنيعاً.
القاعدة الثانية: بناء قاعدة صناعية متماسكة تحت المنصات الكبرى. فـرئاسة الصناعات الدفاعية التركية تُلزم الشركات الرئيسية تخصيص ما لا يقل عن 21% من قيمة العقود للشركات الصغيرة والمتوسطة، بهدف توسيع قاعدة الموردين المحليين.
القاعدة الثالثة: عدم التوقف فقط على النسب المئوية للتوطين. فبلوغ نسبة تقارب 80% من المحتوى المحلي يعد إنجازاً مهماً، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال الصناعي الكامل. فالعبرة ليست بمتوسط النسبة، بل بالمكونات التي تمتلك القدرة على تعطيل المنظومة بأكملها. فقد يكون مكوّن واحد لا يمثل سوى جزء ضئيل من قيمة المنصة كافياً لوقف إنتاجها بالكامل، كما حدث في برنامجي دبابة ألتاي ومروحية T129 بسبب قيود المحركات.
ومن هنا تتضح فلسفة النموذج التركي. فأنقرة لا تسعى إلى إنتاج كل شيء محلياً، بقدر ما تسعى إلى إدارة الاعتماد على الخارج بما يحافظ على حرية القرار.
فهي تمتلك السيطرة على تصميم المنصات وتكاملها، وتعمل تدريجياً على توطين المكونات الأكثر حساسية، بينما تستورد ما يمكن استيراده دون أن يتحول إلى نقطة ابتزاز سياسي أو صناعي.
وفي النهاية، لا يُقاس نجاح هذا النموذج بنسبة التوطين أو حجم الصادرات وحدهما، بل بالإجابة عن سؤالين أساسيين: كم من الوقت تحتاج لاستبدال مكوّن خاضع للحظر؟ وهل تستطيع تطوير منتجك أو تصديره دون الحاجة إلى موافقة طرف آخر؟ هذان السؤالان هما المعيار الحقيقي لقياس الاستقلالية الصناعية.
وهذا الأمر يقودنا إلى سؤال أخر، هل يمكن لأي دولة توطين كامل الصناعات الدفاعية ؟
الجواب: لا. وحتى الولايات المتحدة لا تحقق ذلك؛ فقد أشار تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عام 2022 إلى وجود أكثر من 300 "نقطة انهيار حاسمة"، أي مكونات أو مواد أو موردين لا يوجد لهم بديل جاهز، بحيث إن تعطل أحدها قد يوقف إنتاج منظومة كاملة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أن الصين لا تزال تعالج نحو 90% من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة التي تعتمد عليها معظم الأسلحة الحديثة.
لذلك، فإن الاستقلال الكامل في الصناعات الدفاعية ليس واقعًا بلغته أي دولة، بل هو أقرب إلى هدف نظري. والسؤال الأكثر دقة ليس: هل تعتمد على الخارج؟ بل: هل تتقلص قائمة المكونات التي يمكن أن تشل صناعتك إذا مُنعت عنك، أم أنها تتسع؟
في الحالة التركية، تبدو هذه القائمة في تراجع مستمر. فقد نجحت أنقرة في إحلال بدائل محلية للكاميرات، والمحركات المكبسية، وعدد كبير من الذخائر، بينما لا تزال تواجه تحديات في مجالات أكثر تعقيداً، مثل المحركات النفاثة عالية الدفع، وبعض الإلكترونيات الحساسة، ومنظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى.
وفي ذلك، لا تختلف التجربة التركية كثيراً عن تجارب دول سبقتها في هذا المجال. فقد احتاجت كوريا الجنوبية نحو خمسة عشر عامًا لتطوير ناقل حركة محلي لدبابتها K2. أما إسرائيل، فقد قدمت نموذجاً مختلفاً، فهي لا تمتلك مقاتلة F-35 ولا خط إنتاجها، لكنها حصلت على حق تعديل أنظمتها، وصيانتها، وإدارة بياناتها، ما منحها هامشاً واسعاً من الاستقلالية في تشغيلها.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.






















