وأعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير قرار الإغلاق خلال زيارته إلى المحافظة في الثامن من فبراير/شباط الجاري، مشيراً إلى أن الخطوة تستند إلى حجم الأضرار التي خلّفتها هذه المنشآت خلال السنوات الماضية.
وتؤكد السلطات أن إيقاف الحراقات يمثل ضرورة لحماية السكان والحد من التلوث، إضافة إلى إعادة تنظيم قطاع الطاقة وحصره تحت الإدارة الرسمية للدولة بعد سنوات من تشغيله خارج الأطر القانونية.
في المقابل، قوبل القرار باعتراضات من أصحاب الحراقات والعاملين فيها، الذين يرون أنه يهدد مصدر دخلهم شبه الوحيد، في منطقة تعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة وندرة في فرص العمل، بينما يقول عدد منهم، إن الإغلاق المفاجئ سيؤدي إلى تفاقم معدلات البطالة وزيادة الضغوط الاجتماعية.
ميدانياً، تجسد هذا الرفض في احتجاجات شهدتها مناطق عدة من دير الزور، تخللها قطع طرق رئيسية، ما أسهم في تصاعد التوتر. كما نفذت قوى الأمن الداخلي مداهمات لمجمعات الحراقات في إطار تطبيق القرار.
وتشدد السلطات على أن الظاهرة أسهمت في تسجيل معدلات مرتفعة من الأمراض السرطانية والمشكلات التنفسية بين السكان، فضلاً عن تلوث مصادر المياه والأراضي الزراعية نتيجة الانبعاثات السامة وتسرب المخلفات النفطية.
وفي سياق تنفيذ القرار، أفادت مصادر محلية بإتلاف عشرات الحراقات في مناطق مختلفة من المحافظة، بينها ذيبان والجرذي في الريف الشرقي، وناحية الصور شمالاً، ومنطقة الكبر في الريف الغربي.
ورغم ما يحمله القرار من أبعاد تنظيمية وبيئية، فإنه يطرح تحدياً اجتماعياً واقتصادياً واضحاً يتمثل في اتساع دائرة البطالة بعد فقدان مئات العاملين مصادر رزقهم، ما يضع السلطات أمام ضرورة البحث عن بدائل اقتصادية تخفف من تداعيات القرار في منطقة تعاني هشاشة معيشية متراكمة.
جذور ظاهرة الحراقات
تعود بدايات المصافي البدائية، المعروفة محلياً باسم "الحراقات"، إلى أواخر عام 2011، عقب انسحاب قوات نظام بشار الأسد المنهار من مساحات واسعة في شرقي سوريا، ولا سيما المناطق الغنية بالنفط.
ومنذ ذلك الوقت، تناوبت جهات عسكرية عدة على إدارة الحقول النفطية، بدءاً من شخصيات عشائرية وفصائل من الجيش الحر، مروراً بتنظيم داعش الإرهابي، وصولاً إلى تنظيم YPG الإرهابي، التي فرضت سيطرتها منذ عام 2017 على معظم مفاصل القطاع النفطي في منطقة الجزيرة السورية.
وخلال تلك المراحل، جرى الاعتماد على "الحراقات" لتأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية، في ظل غياب بنية تحتية رسمية للتكرير، إلا أن هذه الوسائل تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة المهنية والضوابط البيئية، ما جعلها عرضة لحوادث متكررة.
وأدت انفجارات وحرائق عدة إلى سقوط مئات الضحايا، فضلاً عن تسجيل إصابات دائمة وتشوهات بين العاملين، إضافة إلى أضرار بيئية واسعة نتيجة الانبعاثات السامة وتسرب المخلفات النفطية إلى التربة والمياه.
وفي توضيح لآلية عمل هذه المصافي، قال أحد العاملين في المجال لـTRT عربي، إن الحراقات تنقسم من حيث مصدر الطاقة إلى نوعين: عادية وكهربائية، موضحاً أن كليهما يعتمد على تسخين النفط الخام داخل خزانات متفاوتة السعة لاستخراج مشتقات مثل البنزين والمازوت والكاز عبر درجات حرارة مختلفة.
وأضاف أن العملية تُعرف محلياً باسم "الطبخة"، تعقبها مرحلة تنظيف الحراقة استعداداً لدورة تشغيل جديدة.
وأشار إلى أن قرار إيقاف الحراقات أدى إلى فقدان مئات العاملين مصادر دخلهم، مؤكداً أن هذا القطاع كان يمثل شبه الخيار الوحيد للعمل في المنطقة.
واعتبر المتحدث أن غياب بدائل اقتصادية حقيقية يجعل من القرار عبئاً إضافياً على السكان في ظل أوضاع معيشية صعبة.
وثّقت منظمة السلام الهولندية "PAX" في تقرير صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 حجم الأضرار البيئية الناجمة عن أنشطة التكرير البدائي في شرق سوريا، مشيرة إلى أن العاملين في مجال الحراقات النفطية، ومن بينهم أطفال، يواجهون مخاطر جسيمة تتمثل في التسمم الكيميائي والإصابة بأمراض مزمنة، بينها السرطان، نتيجة استنشاق الأبخرة السامة والتعرض المباشر للنفايات النفطية.
وبحسب التقرير، استمر تنظيم YPG الإرهابي في إدارة هذا القطاع لسنوات من دون اتخاذ إجراءات فعالة للحد من مخاطره، رغم التحذيرات المتكررة.
وأشار التقرير إلى أن عدداً كبيراً من الحراقات كان يقع بالقرب من مناطق سكنية، سواء في ريف دير الزور الغربي أم في محافظة الحسكة، ولا سيما في مناطق رميلان والشدادي والقامشلي.
كما وثّق التقرير تسرب مخلفات النفط إلى مجارٍ مائية رئيسية، بينها نهرا جقجق والخابور، إضافة إلى سد الحسكة الجنوبي، ما أدى إلى أضرار واسعة في القطاع الزراعي وتسبب في نزوح عائلات كاملة من بعض المناطق المتضررة.
ولا يختلف المشهد في محافظة دير الزور، حيث ظلت سحب الدخان الأسود المتصاعدة من الحراقات تغطي سماء المنطقة وتمتد أحياناً إلى مناطق مجاورة.
ومنذ انتشار هذه الظاهرة، يُلاحظ، وفق شهادات طبية محلية، ارتفاع في أعداد المصابين بمرض السرطان، وهو ما يربطه عدد من الأطباء بالتعرض المزمن للملوثات الناجمة عن عمليات التكرير البدائي.
وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المصابين بالسرطان، تشير الأعداد الكبيرة للمرضى القادمين من محافظتي دير الزور والحسكة إلى مشافي العاصمة دمشق إلى حجم الأزمة الصحية التي تعيشها المنطقة، بحسب إفادات مصادر طبية.
















